
روكب اليوم
بغداد- دخل ملف 5704 متهمين بالانتماء إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” في العراق مرحلة جديدة مع استكمال التحقيقات والإحالة إلى المحاكم المختصة، بعد نقلهم قبل أشهر من سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرقي سوريا إلى العراق.
وتتوزع جنسيات المتهمين بين دول عربية وأوروبية وآسيوية وأفريقية، فيما تتولى السلطات العراقية تحديد مصير كل منهم وفق المسار القضائي.
ويُعد ملف المحتجزين من أكثر الملفات تعقيدا بالنسبة إلى العراق، نظرا إلى العدد الكبير للمتهمين وتعدد جنسياتهم وتفاوت طبيعة الأدوار المنسوبة إليهم، فضلا عن ارتباط بعض القضايا بجرائم ارتُكبت خلال سنوات سيطرة تنظيم الدولة في سوريا والعراق.
الحسم القضائي
وفي بيان نُشر الثلاثاء، الأول من سبتمبر/أيلول الحالي، أعلن مجلس القضاء الأعلى استكمال مرحلة الاستجواب والتحقيق مع 5704 متهمين من عناصر تنظيم الدولة، والبدء بإحالتهم إلى المحاكم المختصة، كلّ وفق الأدلة والوقائع الخاصة بقضيته.
وأوضح المجلس أن المتهمين يحملون جنسيات 67 دولة، بينهم 3497 سوريًا و474 عراقيا، إضافة إلى 19 جنسية من دول الاتحاد الأوروبي، و16 جنسية عربية، و32 جنسية أجنبية أخرى.
وأشار إلى أن التحقيقات “كشفت تورط عدد منهم في أدوار قيادية وأمنية وعسكرية ومالية وإعلامية في التنظيم”، و”ارتبطوا بهجمات نوعية عابرة للحدود، إضافة إلى جرائم جسيمة بحق الإيزيديين، بينها السبي والاحتجاز والنقل والبيع والاسترقاق”.
ويحمل مقاتلو التنظيم الأجانب الذين جرى نقلهم إلى العراق جنسيات دول ألمانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا والنمسا وإسبانيا وسويسرا والدانمارك وبولندا وروسيا وأوكرانيا، إضافة إلى أستراليا وكندا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة.
أدلة وإطلاق سراح
وأكدت السلطات القضائية أن التحقيقات اعتمدت على جمع الأدلة والتدقيق الاستخباري والبيانات البيومترية، بما في ذلك البصمات وقزحية العين والحمض النووي، بمشاركة جهات قضائية وأمنية عراقية.
وفي المقابل، أشار المجلس إلى إطلاق سراح عدد من المحتجزين لعدم ثبوت الأدلة بحقهم، بينهم فنلندي وأميركي وسبعة عراقيين، فيما يجري استكمال إجراءات إطلاق سراح 457 سوريا وتسليمهم إلى السلطات السورية، مبينا أن أن لكل متهم محاميا منتدبا، مع توفير الرعاية الصحية وتمكين المحتجزين من التواصل مع ذويهم، إلى جانب زيارات البعثات الدبلوماسية والصليب الأحمر.
وتكشف حالات الإفراج عن جانب آخر من الملف، يتمثل في أن نقل الأشخاص إلى العراق لا يعني بالضرورة ثبوت التهم بحق جميعهم، إذ يظل تحديد المسؤولية مرتبطا بنتائج التحقيق والأدلة المتوفرة في كل قضية، وفق ما يؤكده مجلس القضاء الأعلى.
محاكمات على دفعات
ومع الانتقال إلى مرحلة المحاكمة، قال مجلس القضاء إن الملف يخضع للقوانين العراقية، وإن الإحالات والمحاكمات ستتم على دفعات، ويُحسم كل ملف استنادا إلى الأدلة الخاصة بكل متهم.
وينظر المراقبون إلى هذا الإجراء باعتباره إنجازا نوعيا في إدارة أحد أضخم الملفات القضائية والتحقيقية الدولية المرتبطة بالإرهاب، والتي تولى القضاء العراقي إدارتها بمشاركة نخبة من القضاة وأعضاء الادعاء العام والمحققين والأجهزة الأمنية العراقية.
من جهته، أوضح المتحدث باسم وزارة العدل العراقية أحمد لعيبي للجزيرة نت، أن العراق تسلّم النزلاء والمحكومين خلال مدة قياسية بلغت 24 يوما، بناء على طلب من قوات التحالف الدولي، موضحا أن عملية نقلهم تمت عبر منفذين بري وجوي، وأودعوا في سجن “الكرخ” المركزي.
وأضاف لعيبي أن قوات التحالف الدولي تعهدت حينها بالمساهمة في توفير الاحتياجات المادية واللوجستية الخاصة بهؤلاء النزلاء، الذين تتوزع جنسياتهم بين دول أوروبية وآسيوية وأفريقية.
ولفت إلى أن عمليات نقل المحكومين إلى بلدانهم “يمكن أن تشمل مختلف الأحكام القضائية، باستثناء المحكومين بالإعدام، وذلك وفق اتفاقيات ومذكرات تعاون ومبدأ المعاملة بالمثل، بما يحفظ سيادة العراق ومكانته القانونية”.
وبيّن أن النزيل الذي يُنقل إلى بلده يقضي هناك المدة المتبقية من الحكم الصادر بحقه في العراق، ولا تجوز إعادة محاكمته أو إصدار عفو عنه من سلطات بلده، مضيفا أن أي إجراء لنقلهم يرتبط أولا باستكمال التحقيقات وإصدار الأحكام القضائية القطعية بحقهم من مجلس القضاء الأعلى.
وأكد أن وزارة العدل، بوصفها الجهة المسؤولة عن إيداع النزلاء، لا تستطيع البدء بإجراءات النقل قبل استكمال المسار القضائي، وبعد صدور الأحكام النهائية.
ضغط متزايد
وتربط وزارة العدل هذه الخطوة أيضا بالضغط المتزايد الذي يفرضه ارتفاع أعداد المحكومين الأجانب على الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الإصلاحية، خصوصا بعد إعادة توزيع نزلاء عراقيين بين السجون وتخصيص سجن الكرخ المركزي لإيواء هؤلاء النزلاء.
وبذلك ينتقل الملف من مرحلة احتجاز آلاف المتهمين إلى مرحلة تحديد المسؤولية الفردية لكل منهم، في قضية تجتمع فيها الاعتبارات القضائية والأمنية والدبلوماسية، بينما يبقى مصير المحكومين الأجانب مرتبطا بما ستنتهي إليه المحاكم العراقية والاتفاقات التي قد تبرمها بغداد لاحقا مع دولهم.
وقال الخبير الأمني سيف رعد للجزيرة نت إن إنهاء التحقيقات القضائية بفرز دقيق للمتهمين، يثبت كفاءة المنظومة القضائية العراقية على المستوى الدولي، ويعزز مبدأ سيادة القانون.
وأضاف أن العراق “واجه الإرهاب نيابة عن العالم، وليس من العدل الإستراتيجي أن يتحمل وحده كلفة احتجاز وتأمين هذا العدد الكبير”، معتبرا أن القرار يضع تلك الدول أمام مسؤولياتها القانونية والأمنية تجاه مواطنيها.
ويرى رعد أن الملف يمثل أيضا فرصة مهمة للعراق، إذ تتم إجراءات نقل المحتجزين عبر مذكرات تفاهم ثنائية وبمبدأ المعاملة بالمثل، بما يمنح بغداد أوراق ضغط ومساحة أوسع للتنسيق الأمني والدبلوماسي مع دول الجوار والعالم، مستشهدا بالتنسيق الأخير مع دمشق.
مخاطر
لكنّ المخاطر، بحسب رعد، تكمن خارج العراق، إذ إن تسليم بعض العناصر إلى دول تعاني هشاشة أمنية أو نزاعات قد يؤدي إلى تسربهم من السجون مجددا، وبالتالي إعادة تدويرهم وعودتهم إلى الساحة العراقية أو السورية بأسماء وجوازات سفر مزورة.
كما يحذر الخبير الأمني من أن بعض الدول، ولا سيما الغربية، قد تواجه ثغرات قانونية في تشريعاتها المحلية تمنعها من إدانة هؤلاء العناصر لفترات طويلة بسبب نقص الأدلة الميدانية، وهو ما قد ينتهي بإطلاق سراحهم أو وضعهم تحت مراقبة مخففة، ليشكلوا لاحقا خطرا عابرا للحدود.
قصة نقلهم
بدأت عملية نقل آلاف المحتجزين من سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سوريا إلى العراق في 21 يناير/كانون الثاني 2026، ضمن عملية جرت على دفعات واستمرت حتى 13 فبراير/شباط، حين أُعلن اكتمال نقل 5704 محتجزين إلى العراق.
وجاءت العملية في ظل مخاوف من استمرار احتجاز آلاف المنتمين أو المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة في سوريا، وما يترتب على ذلك من تحديات أمنية وقضائية للدول المعنية بجنسياتهم.
واستقبل العراق هؤلاء المحتجزين وأودعهم في سجن الكرخ المركزي ببغداد، لتبدأ لاحقا مرحلة التحقيقات والتدقيق في ملفاتهم تمهيدا لتحديد مصير كل منهم وفق الأدلة والمسار القضائي.

