
روكب اليوم
Published On 23/7/2026
|آخر تحديث: 10:44 (توقيت مكة)
منذ أن رصد الفلكي الإيطالي “جيوفاني سكياباريلي” معالم سطح المريخ في القرن التاسع عشر، ظلت منطقة “ثارسيس” البركانية تثير فضول العلماء.
لكن الصور التي التقطتها مركبات “مارينر 9” التابعة لوكالة ناسا عام 1971 كشفت الحقيقة المذهلة؛ فقد ظهر جبل بركاني هائل يفوق كل جبال الأرض حجما وارتفاعا. أطلق عليه اسم جبل “أولمبيوس” (Mount Olympus)، ليصبح أعلى جبل وأكبر بركان معروف في المجموعة الشمسية.
يرتفع جبل “أولمبيوس” بنحو 22 إلى 25 كيلومترا فوق السهول المحيطة، ويبلغ قطر قاعدته قرابة 600 كيلومتر، بينما تمتد حافته الجرفية لمسافات شاهقة تحيط بمعظم الجبل. ومنذ ذلك الحين أصبح “أولمبيوس” مختبرا طبيعيا لفهم تاريخ النشاط البركاني وتطور الكواكب الصخرية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listغياب الصفائح التكتونية منح البركان ملايين السنين للنمو
يرى علماء الجيولوجيا الكوكبية أن السر الأكبر وراء ضخامة “أولمبيوس” يكمن في اختلاف المريخ جذريا عن الأرض. فعلى كوكبنا تتحرك الصفائح التكتونية باستمرار فوق الوشاح، ولذلك تنتقل القشرة بعيدا عن النقاط الساخنة التي تغذي البراكين، فتتشكل سلاسل بركانية بدلا من بركان واحد عملاق، كما حدث في جزر هاواي.
أما على المريخ، فلا توجد أدلة على صفائح تكتونية نشطة كالتي على الأرض. ولذلك بقيت القشرة ثابتة فوق مصدر الصهارة ملايين السنين، فتدفقت الحمم البركانية فوق الموقع نفسه مرارا، وتراكمت طبقة فوق أخرى حتى بلغ البركان حجما غير مسبوق.
وتشير دراسات وكالة ناسا وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن هذا النمو استمر على فترات طويلة جدا، وربما شهد الجبل مراحل نشاط متأخرة نسبيا مقارنة بمعظم براكين المريخ.
الجاذبية الضعيفة وغياب التعرية حفظا الجبل من الانهيار
ساهمت طبيعة المريخ أيضا في الحفاظ على ارتفاع “أولمبيوس”. فجاذبية الكوكب لا تتجاوز نحو 38% من جاذبية الأرض، ما يسمح ببناء جبال أعلى قبل أن تنهار تحت وزنها. كما أن النشاط البركاني الهادئ نسبيا، القائم على تدفقات حمم بازلتية منخفضة اللزوجة، كوّن بركانا درعيا واسعا يشبه براكين هاواي، لكنه نما على مدى زمني أطول بكثير.
إضافة إلى ذلك، يفتقر المريخ إلى الأنهار الدائمة، والأمطار، والمحيطات، والحركة الجليدية النشطة التي تنحت الجبال على الأرض باستمرار. وحتى الرياح المريخية، رغم قدرتها على نقل الغبار، لا تملك القوة الكافية لإزالة كتل صخرية بحجم ما تفعله المياه والجليد على الأرض.
ولذلك بقيت طبقات الحمم البركانية محفوظة لمئات ملايين السنين، بينما تتعرض جبال الأرض باستمرار للتعرية والانهيارات الأرضية والزلازل التي تحد من ارتفاعها.
يقول عالم الكواكب “ألفريد ماكوين” من جامعة أريزونا، الذي شارك في قيادة كاميرا “هيرايز” (HiRISE): “إن سطح المريخ يحتفظ بسجل جيولوجي قديم بصورة استثنائية، لأنه لم يتعرض لإعادة التشكيل المستمرة التي نشهدها على الأرض”.
نظريات النشأة.. ولماذا يهم هذا الاكتشاف اليوم؟
يتفق معظم الباحثين على أن “أولمبيوس” نشأ فوق نقطة ساخنة عميقة داخل وشاح المريخ، لكن تفاصيل هذه العملية ما تزال موضع دراسة. وتفترض نماذج جيولوجية أن سماكة القشرة المريخية، إلى جانب انتفاخ “ثارسيس” (Tharsis volcanic bulge) البركاني الهائل، ساعدتا على استمرار تغذية البركان لفترات طويلة، فيما تشير دراسات أخرى إلى أن النشاط البركاني ربما استمر على مراحل متقطعة امتدت مئات ملايين السنين.
وتحظى هذه الأبحاث بأهمية متزايدة مع استعداد البعثات المستقبلية لاستكشاف المريخ، إذ يساعد فهم تاريخ “أولمبيوس” على تفسير التطور الداخلي للكوكب، وإمكان وجود نشاط حراري قديم وفر بيئات مناسبة للحياة الميكروبية في الماضي. كما يقدم نموذجا فريدا لفهم كيفية تشكل الكواكب الصخرية خارج الأرض، وهو ما يجعل دراسة هذا الجبل تتجاوز حدود المريخ إلى علم الكواكب بأسره.
يقف جبل “أولمبيوس” شاهدا على أن اختلاف قوانين الطبيعة من كوكب إلى آخر يصنع عوالم لا تشبه ما نعرفه على الأرض. فبينما تنحت الأمطار والأنهار والصفائح التكتونية جبالنا باستمرار، حفظ المريخ هذا العملاق البركاني ملايين السنين ليصبح سجلا جيولوجيا مفتوحا يروي تاريخ كوكب كامل.
فكلما تعمق الإنسان في دراسة مثل هذه المعالم، ازداد يقينا بأن رحلة الاستكشاف ليست بحثا عن تضاريس بعيدة فحسب، بل سعيا لفهم مكان الأرض في الكون وكيف تشكلت العوالم التي تحيط بنا.

