Site icon روكب اليوم

ألمانيا تقرع طبول 2029.. هل تجر العالم إلى حرب عالمية جديدة؟ |

asdfgt434rt4t 1731684984



روكب اليوم

بعد ثمانية عقود من نهاية الحرب العالمية الثانية بكل أهوالها وتداعياتها، وتوازن الرعب النووي، وانضواء أوروبا تحت “السلام الأمريكي”، في ظل ثنائية قطبية وحرب باردة، ثم أحادية قطبية أمريكية، وازدهار شهدته تحت مظلة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، عادت القارة العجوز إلى سيرتها الأولى: صراعات وعسكرة وحروب وانحدار اقتصادي وفوضى سياسية.

في الاتحاد الأوروبي، تراجع دور المحور الفرنسي-الألماني داخل الاتحاد، كانت البداية شراكة متكافئة بين فرنسا وألمانيا، ثم بعد ذلك تحولت إلى قيادة أبوية أحادية.

تخلى الاتحاد الأوروبي عن أي ادعاء بالدفاع عن مصالح أوروبا، وحرم نفسه من الطاقة الرخيصة والتجارة مع شريكته روسيا، وفرض عقوبات اقتصادية فادحة على نفسه، وتورط في شراء الطاقة الأمريكية الباهظة بأضعاف ثمن الطاقة الروسية، والنتيجة خفض العجز التجاري الأمريكي وزيادة العجز الأوروبي، وزيادة أرباح شركات الطاقة الأمريكية وضرائبها الواردة للخزانة الأمريكية!

في براثن الاحتلال الأمريكي

لقد دأب المسؤولون الأمريكيون طويلا وبفجاجة، على شرح أهداف حلف معاهدة شمال الأطلسي (الناتو) وأسباب الاحتلال العسكري الأمريكي منذ عام 1945 لألمانيا بقولهم إن الهدف: إبعاد السوفيات/الروس، وإبقاء الأمريكيين، وإخضاع الألمان، مما يجعل ألمانيا محمية أمريكية. لكن أمريكا ذاتها، التي ربما كانت يوما حامية أصبحت الآن “مهيمنا مفترسا” بتوصيف ستيفن والت مؤخرا في “فورين أفيرز”.

بحسب المفكر الفرنسي إيمانويل تود في كتابه “هزيمة الغرب”، يغوص حلف الناتو في “اللاوعي” الأوروبي، فآلياته عسكريا وأيديولوجيا ونفسيا ليست موجودة لحماية أوروبا الغربية، بل للسيطرة عليها. ويرى روسيا حاليا في طور الانتصار على الناتو الذي دخل طورا جديدا في أوروبا يتمحور حول مثلث لندن-وارسو-كييف، ولا يمكن للناتو كسب هذه الحرب لأسباب موضوعية جوهرية.

شاركت أوروبا بوعي وفاعلية بإنتاج ظروف مواتية لاندلاع نزاع أوكرانيا بدعم تياراتها القومية المتطرفة وإيصالها للسلطة، وضخّت أسلحة وعتادا عسكريا متطورا وسيولة مالية بمليارات الدولارات ومستشارين عسكريين لتدريب قواتها، لتغدو عمليا وليس رسميا، عضوا في حلف الناتو.

في ضوء إفلاس أخلاقي وعدمية، لا يستوعب الغرب أنه لم يعد وحده في العالم، وعليه أن يفكر جيدا فيما يمكن أن يقدم للبشرية راهنا، بعد أن انحسرت قيمه المرجعية، ولم يعد نظامه الاجتماعي السياسي فاعلا ولا ناجعا في سياقه الأصلي

ومع الاستخفاف بروسيا، تناسى الغرب انحسار القاعدة الصناعية العسكرية الخطير إستراتيجيا، بمعظم دوله، مما يُترجم فراغا بمخازن السلاح الأوروبية وعجزا عن تلبية احتياجات جيش أوكرانيا من أسلحة وذخائر.

طال احتلال أمريكا لألمانيا وسيطرتها على أوروبا والقرار الأوروبي، ولم يعد مبررا استمرارهما، خاصة بعد تعافي ألمانيا مبكرا من هزيمتها النكراء في الحرب العالمية الثانية، وتسنمها قيادة أوروبا بشراكة فرنسية (يتم إهدارها حاليا!)، وتحقيق الوحدة الألمانية، واكتمال بناء هياكل ومؤسسات الاتحاد الأوروبي! يلقي استمرار الاحتلال الأمريكي ظلاله على قدرة ألمانيا على دخول حرب مع روسيا تكون أوروبا ميدانها.

تفتقد ألمانيا بشدة نخبة سياسية مقتدرة ورؤية متجاوزة وقادة أكفاء كالذين قادوها أثناء وبعد الحرب الباردة: ويلي برانت وهلموت شميت وغيرهارد شرودر وأنجيلا ميركل، وهلموت كول مستشار توحيد ألمانيا رغم معارضة وعرقلة بريطانية صريحة (مارغريت تاتشر) وأمريكية ضمنية، وهو إنجاز يقلل وطأة استمرار قوات وقواعد الاحتلال الأمريكي على أرض ألمانيا.

حلف روسي-ألماني!

وقد شرع هؤلاء القادة من الحزبين الاشتراكي الديمقراطي، أو الديمقراطي المسيحي، خلال الحرب الباردة، في الانفتاح على الشرق (السوفيات)، واستيراد الغاز الطبيعي السوفياتي عبر أول خط أنابيب في بداية ثمانينيات القرن العشرين، رغم معارضة أمريكية قوية من الرئيس رونالد ريغان. وكانت أنجيلا ميركل آخر القادة الأقوياء الذين انفتحت سياساتهم على روسيا واستيراد الغاز الروسي؛ لتحقيق أعلى رفاهية وتنافسية لاقتصاد وإنتاج ألمانيا.

في قراءته لتوازنات النظام الدولي المستقبلية، يفتتح تود نقاشاته بمفاجآت حرب أوكرانيا: حتمية قيام حلف روسي-ألماني له جذوره العميقة جيوسياسيا وأنثروبولوجيا، مع انكفاء الغرب البروتستانتي المتمحور أمريكيا على نفسه، وبروز الجنوب العالمي قوة صاعدة مستقلة عن الغرب!

وفي ضوء إفلاس أخلاقي وعدمية، لا يستوعب الغرب أنه لم يعد وحده في العالم، وعليه أن يفكر جيدا فيما يمكن أن يقدم للبشرية راهنا، بعد أن انحسرت قيمه المرجعية، ولم يعد نظامه الاجتماعي السياسي فاعلا ولا ناجعا في سياقه الأصلي.

كانت لحظة اندلاع حرب أوكرانيا لحظة تاريخية كاشفة لأحوال ومفاجآت وتشققات البناء الأوروبي وارتباك قيادته الألمانية. بدت أوروبا التي دفعت روسيا وأوكرانيا للحرب، وبوغتت بها، غير التي عرفها العالم منذ عقود. فقد حققت بين أممها سلاما عن قناعة، وأنجزت استقرارا ووحدة ورفاهية بمستويات تاريخية.

وبدا أنها تعلمت كثيرا من تاريخها الذي شهد أوسع وأعنف الصراعات، فتخلت عن الفاشية والعنف القومي البيني، وأجمعت على الديمقراطية الليبرالية، وواجهت التحديات والخلافات بحكمة وأناة ودبلوماسية.

لم يعد تسليح أوروبا يستهدف روسيا فقط، بل يستهدف الصين أيضا. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، الألمانية أورسولا فون دير لاين، استخدام كل الوسائل ضد الصين في النزاع حول تايوان

من العدمية إلى العسكرة والحرب

جاء رد فعل أوروبا على حرب أوكرانيا انقلابا على ذلك، وعادت لسياسات العسكرة والحروب والتدمير الذاتي، وقرعت طبول الحرب والتسلح الباهظ، وتماهت مع التحريض الأمريكي لتوسيع آفاق الصراع واستنزاف روسيا وحصارها بأوسع شبكة عقوبات اقتصادية في التاريخ، وأُسدل الستار على الانفتاح والتعاون.

وانساقت لذلك ألمانيا، قاطرة الاتحاد الأوروبي التي فقدت قدرتها على القيادة ومنع اندلاع وتفاقم الحروب، وسلمت قرارها لأمريكا، شريكا حقودا لا يؤتمن. كان يمكن لألمانيا أن تقود الناتو لعدم استفزاز روسيا بعضوية أوكرانيا بالحلف، لكنها لم تفعل!

يحذر الكاتب الألماني، فابيان شيدلر، من أن الاتحاد الأوروبي قد يُدمَّر تماما إذا تمددت حرب أوكرانيا، لكنه لا يفعل شيئا لتجنب ذلك، بل دأب على تقويض المحاولات الدبلوماسية لاستدراك الموقف. كان معروفا منذ البداية أن أوكرانيا لن تفوز بالحرب وأنها دخلت طريقا مسدودا. ولا حاجة لأن يكون المرء خبيرا عسكريا لفهم أن استعادة دونباس والقرم غير واقعية؛ بسبب مشاكل تجنيد يعانيها جيش أوكرانيا وفساد يستشري في نخبتها الحاكمة.

وبعد أكثر من أربعة أعوام ومئات آلاف القتلى والضحايا، التزمت دول الاتحاد الأوروبي برنامجا لإعادة التسلح والمواجهة بدل الدبلوماسية. ووفقا لقرارات اتخذت بقمة حلف الأطلسي عام 2024 بواشنطن، من المقرر نشر صواريخ جديدة متوسطة المدى برؤوس نووية في ألمانيا، للمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن العشرين. وبدلا من جعل ألمانيا أكثر أمانا، من شأن هذا أن يحول البلاد إلى هدف محتمل للهجمات عند التصعيد.

لم يُجرَ أي نقاش عام أو برلماني بألمانيا بشأن هذه الخطوة. ووافق المستشار الألماني، أولاف شولتس، على موجة أخرى من التسلح بإشارة من يده، وتخلى عن إمكانية إحياء معاهدة تفكيك وحظر الصواريخ النووية متوسطة المدى بأوروبا، التي وقعها رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف عام 1987، وأنهى دونالد ترمب العمل بها عام 2019.

قبل سنوات، كانت العسكرة الألمانية الجديدة مستبعدة، وتزامنت مؤخرا مع تغير الثقافة السياسية. فملصقات انتخابات الاشتراكي الديمقراطي، تظهر وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، يدعو لـ”جيش صالح للحرب بحلول عام 2029″، مرتديا معدات قتالية وسلاحا بيده

تقشف وتطرف

كيف يُفترض أن تجعل إعادة التسلح الضخمة أوروبا أكثر أمانا. فميزانية الناتو العسكرية تتجاوز عشرة أضعاف ميزانية دفاع روسيا: 1.47 تريليون دولار أمريكي مقابل 140 مليار دولار لروسيا. ويتعين على القيادة الروسية أن تكون انتحارية فعلا لتهاجم دولة عضوا بالناتو.

لم يعد تسليح أوروبا يستهدف روسيا فقط، بل يستهدف الصين أيضا. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، الألمانية أورسولا فون دير لاين، استخدام كل الوسائل ضد الصين في النزاع حول تايوان. وهكذا، يلتزم الاتحاد الأوروبي توجيهات واشنطن الإستراتيجية.

منذ إطلاق الرئيس باراك أوباما مبدأ “التحول إلى آسيا” أو “محور المحيط الهادئ” عام 2012، سُلّحت منطقة المحيط الهادئ بكثافة. وإذ تبحر السفن الحربية الألمانية مع البحرية الأمريكية ببحر الصين الجنوبي، مثيرة قلق بكين، يتساءل شيدلر: ماذا سيقول قادة الاتحاد الأوروبي إذا ظهرت سفن حربية صينية بالبحر المتوسط وبحر الشمال؟

فهل تريد ألمانيا حقا أن تخوض حروبا ضد روسيا والصين أيضا صاحبة أكبر ناتج محلي إجمالي حقيقي وثالث أكبر قوة نووية عالميا وسكانها 1.4 مليار نسمة؟ وهي حروب يستحيل الفوز بمثلها، وقد تعني نهاية البشرية.

لم تعد ألمانيا تتسم بالاستقرار السياسي والاقتصادي، فقد أدت أزمة سياسية لانتخابات مبكرة في 23 فبراير/شباط عام 2025. ودخل أكبر اقتصاد أوروبي حالة ركود منذ أعوام، وعانت صناعته تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة؛ بسبب العقوبات على نفط وغاز روسيا. وسرّحت شركات كبرى مثل فولكس فاغن عشرات آلاف الموظفين، وبلغت معدلات إفلاس الشركات ذروتها منذ أزمة 2008 المالية، ويلوح في الأفق انكماش صناعي.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، انهار الائتلاف الحاكم بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر لخلافات حول ميزانية 2025.

وكانت مدفوعات شحنات الأسلحة لأوكرانيا عاملا رئيسيا، وأثقلت تكلفة إعادة تسليح ألمانيا الضخمة كاهل المالية الحكومية. ففي 2022، تعهّد المستشار أولاف شولتس بصندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) (خلال 5 سنوات) لتعزيز القوات المسلحة.

وتحدثت أحزاب الخضر والاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي المسيحي عن 300 مليار أخرى، غير ميزانية الدفاع، دون اعتبار لحقيقة أن دول الناتو تنفق عشرة أضعاف ميزانية روسيا العسكرية.

تتفق الأحزاب على عسكرة وتسلح غير مسبوق بتاريخ الجمهورية الفدرالية، لكنها تختلف حول كيفية تمويله. يقترح الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب البديل (اليميني المتطرف) والحزب الديمقراطي الحر تخفيضات جذرية للإنفاق الاجتماعي. بينما يؤيد الاشتراكي الديمقراطي والخضر الاقتراض، لكنهما لا يستبعدان تحالفا تقشفيا مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ويخشى عالم السياسة، كريستوف بوتيرويغ، هجوما مباشرا على “دولة الرفاهة”.

قبل سنوات، كانت العسكرة الألمانية الجديدة مستبعدة، وتزامنت مؤخرا مع تغير الثقافة السياسية. فملصقات انتخابات الاشتراكي الديمقراطي، تظهر وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، يدعو لـ”جيش صالح للحرب بحلول عام 2029″، مرتديا معدات قتالية وسلاحا بيده. وهو تحول مذهل لحزب أكسبت سياسته في الانفتاح على السوفيات زعيمه ويلي برانت جائزة نوبل للسلام!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

Exit mobile version