روكب اليوم
2026-02-13 07:29:00
الاتحاد الأوروبي – بروكسل
في تصعيد غير مسبوق في الخطاب السياسي والاقتصادي عبر الأطلسي، اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأميركي دونالد ترامب بالسعي إلى “تفكيك أوروبا”، واصفاً سياساته تجاه القارة بأنها “عدوانية” وتستهدف إضعاف الاتحاد الأوروبي.
ماكرون دعا الدول الأوروبية إلى التكاتف وعدم الاستسلام لتهديدات واشنطن، سواء المرتبطة بغرينلاند أو الرسوم الجمركية أو تلك التي تطال قطاعي الأدوية والتكنولوجيا. كما طالب بوضع خطة طارئة لتعزيز صمود الاقتصاد الأوروبي في مواجهة الولايات المتحدة والصين، عبر شراكات استراتيجية جديدة كما حدث مع الهند، وتطوير نظام اقتراض مشترك لتحقيق الاستقلال في مجالات الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي، مع استئناف الحوار المباشر مع روسيا دون تفويض أميركي.
جان مسيحة: أميركا تعيد بناء نظام عالمي جديد بعيدا عن العولمة
تحوّلات النظام الدولي بين “العالم القديم” وعودة السيادات القومية
في قراءة حادة للتحولات الجارية في بنية النظام الدولي، اعتبر المتحدث الرسمي باسم حزب الاستعادة الفرنسي، جان مسيحة، أن الإشكالية لا تكمن في الترتيبات الجديدة التي يرسمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتنسيق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، بل في تموضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه ضمن نموذج دولي بات، وفق توصيفه، من الماضي. وفي حديثه إلى برنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، قدّم مسيحة مقاربة تحليلية تعتبر أن العالم يشهد انتقالاً من نموذج نيوليبرالي تعددي الأطراف إلى نموذج قائم على استعادة السيادات والهويات القومية والدفاع الصريح عن المصالح الوطنية.
ماكرون بوصفه ممثلاً لـ“العالم النيوليبرالي القديم”
يرى مسيحة أن ماكرون يمثل “عالم الثمانينات”، أي العالم النيوليبرالي القائم على التعددية، وفتح الحدود، وتغليب منطق السوق بوصفه محدداً لسيادة الدول ومصالحها. وبحسب تحليله، فإن الرئيس الفرنسي فوجئ بتحوّل إحدى “الدول الغربية العظمى”، في إشارة إلى الولايات المتحدة، عن ذلك النموذج، وإدارتها الصفحة نحو مقاربة جديدة للعلاقات الدولية ترتكز على استعادة السيادة، والهوية القومية، والدفاع المباشر عن المصالح الوطنية في الساحة الدولية.
ويؤكد مسيحة أن ما يقوم به ترامب هو تجسيد عملي لهذا التحول، حيث تعود الدولة القومية إلى مركز الفعل الدولي، في مقابل تراجع مفاهيم العولمة التي سادت على مدى عقود. ومن هذا المنظور، لا تبدو الأزمة في إعادة تعريف التوازنات الدولية، بل في استمرار التمسك الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي، بنموذج يعتبره المتحدث الفرنسي متجاوزاً.
الاتحاد الأوروبي بين الجغرافيا والكيان السياسي
في سياق تفكيكه لفكرة “أوروبا”، يطرح مسيحة تساؤلاً حول ماهية هذا الكيان: هل هو مجرد واقعة جغرافية، أم مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولة أوروبية على حساب الدول المكوِّنة له؟ ويذهب إلى القول إنه “لا توجد أوروبا” بالمعنى السياسي الموحد، بل اتحاد أوروبي يضم 27 دولة، لكل منها مصالحها الخاصة.
ويضرب مثالاً بألمانيا، معتبراً أن من مصلحتها استمرار النموذج العالمي القديم لأنها تستفيد منه اقتصادياً، ولا سيما عبر تصدير سياراتها إلى الولايات المتحدة. ويشير إلى أن برلين قد تكون مستعدة، في سبيل ذلك، للتضحية بما يسميه “المصالح الأوروبية” من أجل الدفاع عن مصالحها القومية الاقتصادية.
في هذا السياق، ينتقد مسيحة ما يراه توهماً لدى ماكرون بدور قيادي أوروبي، معتبراً أن حديثه عن قطب أوروبي لا يجد اعترافاً فعلياً من بقية الدول الأعضاء، في ظل تباين أولوياتها الوطنية.
تعدد الأقطاب وعودة المنطق الإمبريالي
يشير مسيحة إلى أن العلاقات الدولية دخلت مرحلة تعدد أقطاب “إمبريالية”، محدداً ثلاثة أقطاب رئيسية: الأميركي، والروسي، والصيني. ويرى أن ماكرون يسعى إلى إلحاق أوروبا بهذا التصنيف بوصفها قطباً رابعاً.
ويستخدم المتحدث الفرنسي توصيف “إمبريالي” للدلالة على السعي إلى تحقيق المصالح القوية للدول، حتى وإن استدعى ذلك تدمير النظام الدولي القائم. وفي هذا الإطار، يعتبر أن الولايات المتحدة لن تتردد في تجاوز قواعد النظام الدولي إذا تعارضت مع أهدافها، مستشهداً بما جرى في فنزويلا بوصفه مثالاً على تدخل في الشؤون الداخلية لدولة أجنبية.
ويرى أن هذا السلوك يمثل خروجاً عن النموذج الذي ساد لنصف قرن، والقائم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام قواعد العولمة. وبذلك، فإن التحول ليس نظرياً فحسب، بل يتجسد في ممارسات عملية تعكس إعادة تعريف لقواعد اللعبة الدولية.
“الحلم الأوروبي” بين السيادة القومية والهوية المشتركة
في مقابل الأقطاب الثلاثة، يعتبر مسيحة أن ماكرون يحاول بناء “قطب أوروبي” قائم على سيادة وهوية أوروبيتين. إلا أنه يصف هذا المسعى بأنه حلم راود القادة الأوروبيين منذ خمسين عاماً من دون أن يتحقق، بسبب ما يسميه “الوقائع القومية التاريخية” الراسخة في القارة.
ويشدد على أن دولاً مثل فرنسا لا يمكن أن تتحول إلى مجرد مكوّن في دولة فيدرالية أوروبية، لأن الجذور القومية والجغرافية والتاريخية لا يمكن محوها لصالح كيان سياسي جديد ذي سيادة وإرادة وأهداف موحدة. ويرى أن الحديث عن “سيادة أوروبية” يتجاهل حقيقة أن السيادات الفعلية هي سيادات الدول الأعضاء، وأن أي مشروع يتجاوز هذه الإرادات الوطنية محكوم عليه بالفشل.
و يرى مسيحة، إن بناء كيان سياسي أوروبي يتطلب تجاوز حقائق قومية لا يمكن القفز فوقها، ما يجعل فكرة القطب الأوروبي الموحد أقرب إلى الطموح النظري منها إلى الإمكانية الواقعية.
نحو طي صفحة النموذج القديم
يخلص مسيحة إلى أن العالم دخل مرحلة تغيير نموذج دولي شامل، وأن ماكرون يمثل أحد أبرز وجوه النموذج القديم. وفي تقديره، فإن “حل الكارثة” لا يكمن في الإصرار على الدفاع عن التعددية النيوليبرالية، بل في أن تقوم الدول الأوروبية نفسها بطي صفحة ذلك النموذج، والانتقال إلى نموذج يرتكز على الهوية والسيادة القومية، سواء كانت فرنسية أو ألمانية أو إيطالية.
وبذلك، يضع المتحدث باسم حزب الاستعادة الفرنسي التحولات الجارية في إطار صراع بين رؤيتين: الأولى تتمسك بإرث العولمة والتعددية، والثانية تؤكد عودة الدولة القومية باعتبارها الفاعل الأساسي في النظام الدولي. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى التحول الذي تقوده القوى الكبرى بوصفه انحرافاً عن القواعد، بل باعتباره إعادة تأسيس لقواعد جديدة، تقوم على أولوية المصالح الوطنية واستعادة القرار السيادي.
ماكرون يهاجم ترامب.. ويدعو أوروبا للمقاومة
