Site icon روكب اليوم

إسرائيل تعيد رسم المشهد الأمني في جنوب سوريا بعد سقوط الأسد |

42429450 1790026688



روكب اليوم

منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، دخل الجنوب السوري مرحلة جديدة من التوتر، مع توغلات إسرائيلية وقصف لمواقع داخل الأراضي السورية.

التحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة العازلة، تزامنت مع مساع دبلوماسية ترعاها واشنطن لإيجاد ترتيبات أمنية بين دمشق وتل أبيب. وتطرح هذه التطورات أسئلة تتجاوز حدود التحركات العسكرية نفسها:
  • ماذا تريد إسرائيل من وجودها المتزايد في الجنوب السوري؟
  • هل تسعى إلى إقامة منطقة أمنية جديدة تتجاوز ترتيبات اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974؟
  • ما الخيارات المتاحة أمام دمشق، في ظل تفاوت القدرات العسكرية، بينما تستمر المفاوضات برعاية أمريكية؟

كانت اتفاقية فض الاشتباك قد أبقت الجبهة بين الطرفين مستقرة لنحو نصف قرن، من دون سلام رسمي أو اعتراف متبادل. ونصت الاتفاقية على إنشاء منطقة فصل يتراوح عرضها بين عشرة كيلومترات وأقل من كيلومتر واحد، مع حظر الأسلحة الثقيلة فيها ونشر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك المعروفة اختصارا بـ “أندوف “. لكن سقوط نظام بشار الأسد غير المعادلة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وبحسب التقرير الذي عرضه برنامج “للقصة بقية ” الذي عُرِض مساء الاثنين على شاشة الجزيرة، أعلنت إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد انهيار الإطار الذي حكم الجبهة منذ عام 1974، وبدأت التحرك لإعادة تشكيل البيئة الأمنية على الجانب السوري. ونقل التقرير عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قوله إن اتفاق عام 1974 “انهار “، في إشارة إلى التغير الذي طرأ على الوضع بعد سقوط النظام السابق.

في المقابل، قال متحدث سوري رسمي إن إسرائيل تسعى منذ سقوط النظام إلى تحويل الأراضي السورية إلى “ساحة فوضى غير منتهية “، بحسب ما أورده التقرير. ويرى الدكتور عمار قحف، المدير التنفيذي والمؤسس المشارك لمركز عمران للدراسات الإستراتيجية، أن موقع سوريا الجغرافي يجعلها في قلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية، فهي تربط العراق والأردن ولبنان وفلسطين، وبالتالي يمكن أن تمثل، وفق تقديره، ممرا لتهديدات إقليمية تصل إلى إسرائيل.

وقال قحف إن إسرائيل، بعد سقوط الأسد، ركزت على منع تشكل قوة عسكرية منظمة يمكن أن تمثل تهديدا مستقبليا، أو السماح بمرور تهديدات إقليمية عبر الأراضي السورية.

قصف وتوغلات.. تحييد القدرات العسكرية السورية

لم تتوقف التحركات الإسرائيلية عند المنطقة الجنوبية، بل شملت ضرب مواقع عسكرية وبنى تحتية ومطارات ومراكز أبحاث ومواقع مرتبطة بالمؤسسة العسكرية السورية. ويقول قحف إن القصف الإسرائيلي بعد سقوط النظام لم يكن، من وجهة نظره، ذا طابع أمني فقط، بل حمل هدفا عسكريا يتمثل في نزع الأسلحة التي يمكن أن تسمح للمؤسسة العسكرية السورية الجديدة بتعديل ميزان القوة مع إسرائيل.

ويضيف أن إسرائيل، وفق هذا التقدير، تريد أن تكون المؤسسة العسكرية السورية قادرة على أداء وظائف داخلية، لكنها لا تمتلك أسلحة إستراتيجية أو قدرات عسكرية يمكن أن تغير ميزان القوى مع تل أبيب.

ويرى قحف أن هناك فرقا بين طريقة تعامل إسرائيل مع الساحة السورية وبين تعاملها مع غزة وجنوب لبنان، حيث تنظر إسرائيل إلى غزة ولبنان باعتبارهما جبهتي حرب، بينما تعتمد في سوريا ما وصفه بـ “الردع المبكر ” والضربات الاحترازية لمنع تشكل تهديد مستقبلي.

حزام أمني يمتد داخل الجنوب

ويشير تقرير “للقصة بقية ” إلى أن التحركات الإسرائيلية تركزت خصوصا في المنطقة المحاذية للجولان المحتل، وأن القوات الإسرائيلية أقامت نقاطا عسكرية جديدة. وقال قحف إن التقدم الإسرائيلي بدأ، بحسب وصفه، بتشكيل “حزام ناري “، ثم تثبيت الوجود عبر نقاط عدة بلغ عددها تسع نقاط.

ويرى أن الهدف من هذه الجغرافيا هو إنشاء ما سماه “ردعا متقدما “، بحيث تصبح المنطقة بمثابة خط دفاع أول لإسرائيل، مع منع تشكل وجود عسكري منظم تابع لوزارتي الدفاع أو الداخلية السوريتين في المنطقة.

جبل الشيخ.. ورقة عسكرية وتفاوضية

ولم تكن السيطرة على مواقع في جبل الشيخ مجرد تحرك ميداني، بحسب ما ورد في تقرير “للقصة بقية “، بل حملت، وفق تقديرات قدمها ضيوف البرنامج، أبعادا سياسية وتفاوضية. وقال قحف إن إسرائيل استخدمت التحركات العسكرية للضغط في مسار المفاوضات، والحفاظ على وضع يمنع، بحسب رأيه، تثبيت سيادة الدولة السورية في الجنوب.

أما مايكل راتني، المبعوث الأمريكي الخاص السابق إلى سوريا، فقال إن استخدام العمل العسكري لتحسين الموقف التفاوضي ممارسة دبلوماسية معتادة، لكنه رأى أن ما تطرحه إسرائيل على طاولة التفاوض يختلف عن ذلك، واصفا إياه بأنه “صفقة صفرية ” تحصل فيها إسرائيل على ما تريد، بينما تتحمل سوريا الكلفة السياسية.

أرقام عن الانتهاكات والتوغلات

وبحسب تقرير “للقصة بقية “، شهدت الساعات التي أعقبت سقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024 تصعيدا إسرائيليا واسعا، بلغ، وفق الأرقام التي أوردها البرنامج، نحو 350 انتهاكا خلال يومين، إضافة إلى توغلات برية قالت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك إنها تعيق عملها.

ووفق منظمة “سجل “، كما أورد التقرير، تم توثيق 1418 انتهاكا بين 25 أغسطس/آب 2025 و31 مارس/آذار 2026، شملت توغلات وضربات واعتقالات، وكان نصيب القنيطرة منها 1123 انتهاكا. كما تحدث التقرير عن عمليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، بينها غارات على مطارات عسكرية في ريف حمص، ومنها تدمر وT4، في سياق الحديث عن مخاوف إسرائيلية من احتمال تمركز قوات تركية فيها.

وكانت وزارة الدفاع التركية، وفق ما أورده البرنامج، قد نفت وجود بعثة عسكرية تركية في قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، بعدما استهدفت إسرائيل المطار في أغسطس/آب الماضي، قائلة إن أنقرة نشرت قوات فيه.

تركيا تدخل الحسابات الإسرائيلية

ولا تقتصر الحسابات الإسرائيلية، بحسب ضيوف البرنامج، على العلاقة مع دمشق، إذ تبرز تركيا باعتبارها طرفا رئيسيا في المشهد السوري الجديد. وقال أحد الخبراء إن إسرائيل لديها مخاوف كبيرة من تركيا، ولا سيما بسبب علاقتها بوزارة الدفاع السورية، معتبرا أن احتمال ازدياد النفوذ التركي داخل المؤسسة العسكرية السورية يمثل مصدر قلق لإسرائيل.

وقال مايكل راتني إن العلاقات بين إسرائيل وتركيا تدهورت خلال السنوات الماضية، وإن إسرائيل تنظر إلى أي مكاسب تركية في سوريا باعتبارها تطورا سلبيا بالنسبة إليها. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا التقدير الإسرائيلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وربما يزيد من حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي قد تؤثر في الأمن الإقليمي.

أما قحف فقال إن دمشق تسعى إلى علاقة متوازنة مع تركيا، باعتبارها دولة ترتبط بسوريا بحدود طويلة ومصالح تجارية واجتماعية وأمنية، مؤكدا أن دمشق لا تريد أن تتحول الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة تركية إسرائيلية.

دمشق بين التفاوض وبناء القوة

وفي مواجهة هذه التحركات، تبدو الخيارات السورية محدودة عسكريا، ولذلك يركز المسار الذي طرحه البرنامج على مزيج من التفاوض والدبلوماسية وبناء الدولة وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية.

وقال الدكتور عمار قحف إن دمشق قد تسعى إلى اتفاق أمني أو اتفاق “عدم اعتداء ” مع إسرائيل، لكن بضمانة أمريكية مباشرة وضمانة أوروبية، بالتوازي مع العمل على بناء تحالفات إقليمية تتيح إيجاد نوع من التوازن أمام القوة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

وأشار إلى أهمية العلاقات مع تركيا والسعودية، إضافة إلى مصر والأردن والعراق ولبنان، فضلا عن روسيا والصين وأوروبا. ويرى قحف أن مصلحة سوريا تكمن في بناء دولة مركزية قوية، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، ومنع عودة الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة.

وأضاف أن دمشق تعمل، وفق تقديره، على إعادة بناء جيش مهني قادر على حماية الحدود، معتبرا أن وجود مؤسسة عسكرية سورية متماسكة يمثل مصلحة لسوريا وللمنطقة.

مفاوضات في الأردن.. وغرفة اتصال برعاية أمريكية

وبالتوازي مع التصعيد الميداني، لم يتوقف المسار الدبلوماسي، فبحسب المعلومات التي عرضها البرنامج، عقدت سوريا وإسرائيل اجتماعا في الأردن أواخر الشهر الماضي لإنشاء آلية للحوار ومعالجة التطورات الميدانية ومنع التصعيد.

وتحدثت مصادر دبلوماسية عن بحث إنشاء غرفة عمليات خاصة بإشراف أمريكي لمنع وقوع مواجهة بين الجانبين، أو بين إسرائيل وتركيا داخل الأراضي السورية. كما تناولت المناقشات، بحسب التقارير التي أوردها البرنامج، سبل تقريب وجهات النظر بين أنقرة وتل أبيب.

وقال مصدر دبلوماسي سوري إن سوريا أكدت خلال هذه المباحثات حقها الكامل في إعادة بناء جيشها، ورفضها أي ترتيبات تقيد سيادتها. وفي المقابل، أشار التقرير إلى خلافات حول المنطقة العازلة، إذ رفضت إسرائيل، بحسب تقارير إسرائيلية، أي صيغة تتضمن الانسحاب منها، باعتبارها موقعا إستراتيجيا.

أما وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني فأكد أن الاستقرار الإقليمي مرتبط، من وجهة نظر دمشق، بإلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاق عام 1974 والانسحاب إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.

واشنطن.. بين دعم الاستقرار والتأثير المحدود

تحتل الولايات المتحدة موقعا محوريا في هذه المعادلة، باعتبارها الطرف الذي يرعى المسار التفاوضي بين دمشق وتل أبيب. ويرى مايكل راتني أن هناك تناقضا بين المصالح التي يقول إن إدارة دونالد ترامب تريد تحقيقها في سوريا وبين قدرتها العملية على التأثير في السلوك الإسرائيلي.

وقال إن ترمب لديه علاقات جيدة مع عدد من الأطراف الداعمة للحكومة السورية، ومنها تركيا وقطر والسعودية، كما أنه يدعم استقرار سوريا، لكنه يرى أن انشغال واشنطن بملفات أخرى، بينها إيران والوضع الداخلي والانتخابات، يحد من قدرتها على التركيز على الملف السوري.

وأشار راتني إلى أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا والسفير في تركيا توماس براك يمتلك علاقات وثيقة مع الأطراف المختلفة، لكنه قال إن النتيجة حتى الآن هي استمرار إسرائيل في تحركاتها داخل سوريا.

هل تستطيع الدبلوماسية منع الانفجار؟

وفي ظل استمرار التوغلات والضربات، يرى ضيوف برنامج “للقصة بقية ” أن تفعيل قنوات الاتصال يمثل إحدى الأدوات المتاحة لمنع تحول التوتر إلى مواجهة مباشرة. وقال قحف إن غرفة الاتصال التي جرى الحديث عنها في الأردن يمكن تفعيلها بصورة أكبر، بحيث تكون مهمتها الأولى منع الاشتباك ووقف مزيد من التصعيد، على أن يبقى هدف دمشق النهائي، وفق ما قال، استعادة الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.

وأكد أن الوصول إلى هذا الهدف لن يكون سريعا، لكنه يبدأ بوقف الاعتداءات وفتح قنوات اتصال مستمرة. وفي هذا السياق، شدد على أهمية بناء الجبهة الداخلية السورية، وتعزيز الثقة مع سكان الجنوب، ومعالجة الملفات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تستغلها الأطراف الخارجية.

سيناريوهات مفتوحة

المشهد، كما رسمه برنامج “للقصة بقية “، يبدو مفتوحا على أكثر من احتمال:

  • استمرار المفاوضات مع بقاء الواقع الميداني على حاله.
  • التوصل إلى ترتيبات مؤقتة لمنع الاحتكاك.
  • انتقال التصعيد إلى مرحلة أكثر خطورة إذا فشلت قنوات الاتصال.

أما الوصول إلى اتفاق أمني شامل، فيبقى مرتبطا بعدة عوامل، من بينها شكل الدور الأمريكي، ومدى استعداد إسرائيل للعودة إلى ترتيبات 1974، وقدرة دمشق على إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين إسرائيل وتركيا، ومستوى الدعم الإقليمي والدولي لاستقرار سوريا.

ويرى راتني أن تغير الحكومة الإسرائيلية قد يؤثر في طريقة التعامل مع دمشق، لكنه اعتبر أن معرفة اتجاه السياسة الإسرائيلية المقبلة تظل صعبة.

وفي المقابل، يرى قحف أن استمرار الوضع الراهن قد يقود إلى مزيد من التعقيد وربما إلى صدام مباشر إذا استمرت الضغوط العسكرية.

Exit mobile version