Site icon روكب اليوم

الإسلام في فرنسا.. الشك الدائم |

getty 692a4fc516 1764380613

روكب اليوم

في ظل تصاعد لغة التحريض الانتخابي وتمدد اليمين المتطرف، تشهد فرنسا تحولا جذريا في تعامل الدولة مع مواطنيها المسلمين، إذ لم يعد “الإرهاب” أو “التطرف” هما المستهدفين الوحيدين بالرقابة، بل انتقلت السلطات إلى مرحلة “الشك الممنهج” في كل مظهر إسلامي عام، لتتحول العبادة والنشاط الجمعوي إلى تهمة مفترضة تحت مسميات “التغلغل” و”والانفصالية”، وفقا لخبير في القضايا المتعلقة بالإسلام والسياسة والعلمانية في العالم العربي.

ويرى هاويس سينيغر، المتخصص في دراسة العلاقة بين الدين والسياسة في العالمين العربي والإسلامي، في مقاله المنشور بموقع أوريان 21 الفرنسي أن ثمة ما يثبت وجود ما يسميه “سياسة الشك الدائم” تجاه الإسلام في فرنسا.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويعلق سينيغر على ذلك بقوله إن الدولة الفرنسية انتقلت من ملاحقة “الإسلام المتطرف” إلى استهداف كل أشكال التعبير الإسلامي العلني، حتى المعتدل منها.

قوانين متلاحقة وتشديد متسارع

يشير المقال إلى أن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز أعلن في مايو/أيار 2026 إعداد مشروع قانون جديد لمواجهة ما سماه “التغلغل الإسلامي”، وذلك بعد أشهر من محاولته منع انعقاد اللقاء السنوي لجمعية “مسلمو فرنسا” في منطقة لوبورجيه قرب باريس، بذريعة “التهديد الأمني” وخطر الإخلال بالنظام العام.

ورغم أن القضاء الإداري أوقف قرار المنع، فإن الحادثة -بحسب المقال- تعكس “التصعيد المتزايد ضد كل تجليات الإسلام في المجال العام”.

وفي هذا السياق، يعدد الكاتب سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية، بما في ذلك:

  • إغلاق مؤسسات تعليمية: تم فسخ عقد مدرسة الكندي في ليون مع الدولة في يناير/كانون الثاني 2025، تلا ذلك حل المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في سبتمبر/أيلول 2025 بتهمة ترويج أيديولوجية “الإسلاموية”.
  • استهداف ما بات يعرف بــ “الفريرية/الأخونة” (Frérisme) (وفيه إشارة لمنظمة الإخوان المسلمين): أصبح هذا المصطلح “شماعة” قانونية تُستخدم لضرب أي منظمة إسلامية مستقلة، حتى تلك التي وقعت على “ميثاق مبادئ إسلام فرنسا”.
  • طرح 4 مشاريع قوانين خلال أقل من عام تشمل حظر الحجاب على القاصرات في الأماكن العامة، ومنع الرموز الدينية على المنتخبين المحليين، وتشديد قوانين الانفصالية والتغلغل الإسلامي.
نونييز أعلن في مايو/أيار 2026 إعداد مشروع قانون جديد لمواجهة ما سماه “التغلغل الإسلامي” (الفرنسية)

ويؤكد المقال أن وتيرة التشدد تسارعت بشكل واضح مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي المقبل.

من الإسلام السياسي إلى الاشتباه بالمسلمين

يشير المقال إلى أن الفضاء العام الفرنسي بات يلفظ أي مظهر “مرئي” للإسلام، مبرزا أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل عززه خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون في “لي مورو” (2020)، واتهامات ما بات يعرف بــ “الإسلامو-يسارية” والتي طالت الجامعات والباحثين، الأمر الذي أسهم في ترسيخ مناخ عام من الارتياب تجاه المسلمين والباحثين في قضايا الهجرة والتمييز وما بعد الاستعمار.

ويقول الكاتب في هذا الصدد إن “الاشتباه لم يعد يقتصر على الإرهابي أو المتطرف، بل امتد إلى المسلم الملتزم دينيا أو الناشط جمعويا، بل وحتى إلى الباحثين المنتقدين للخطاب الرسمي حول الإسلام”.

وأبرز كذلك ما يتعرض له المسلمون من قمع لأصواتهم إذ يواجه الأئمة والمسؤولون الدينيون ضغوطا هائلة منعتهم حتى من التعليق على قضايا إنسانية مثل الحرب على غزة، خشية الملاحقة بتهمة “تمجيد الإرهاب”.

كما لفت إلى أن السلطات الفرنسية باتت تتعامل مع الإسلاموفوبيا باعتبارها مجرد “رأي ناقد لدين”، لا شكلا من أشكال العنصرية، رغم تنامي الاعتداءات والتمييز ضد المسلمين.

صناعة المشكلة الإسلامية

ويستشهد الكاتب بكتاب الباحثين عبد العالي حجات ومروان محمد “الإسلاموفوبيا.. كيف تصنع النخب الفرنسية المشكلة الإسلامية”، حيث يؤكدان أن قياس الإسلاموفوبيا ينبغي أن يتم عبر “شهادات الضحايا، واستطلاعات التمييز، واختبارات المعاملة”.

ويضيف المقال أن حل التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا عام 2021 أضعف رصد الانتهاكات ضد المسلمين، كما أن الكثير من الضحايا يترددون في تقديم شكاوى بسبب ضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية.

ورغم ذلك، سجلت وزارة الداخلية الفرنسية ارتفاعا بنسبة 75% في “الأعمال المعادية للمسلمين” خلال عام 2025.

تقرير رسمي يقر بالتمييز

ويتوقف المقال عند تقرير أصدرته مفوضة الحقوق الفرنسية كلير هيدون أواخر عام 2025، أكد أن المسلمين هم الأكثر تعرضا للتمييز الديني مقارنة ببقية الجماعات الدينية.

وجاء في التقرير:

“التمييز المرتبط بالدين يُبلَّغ عنه بشكل أكبر بكثير من قبل الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم كمسلمين أو يُنظر إليهم على أنهم مسلمون”.

لكن التقرير تجنب استخدام مصطلح “الإسلاموفوبيا”، مفضلا عبارات مثل “الكراهية ضد المسلمين” أو “السلوك المعادي للمسلمين”، بسبب غياب المصطلح عن الدستور والقانون الجنائي الفرنسي.

مفاهيم مثل “الأخونة” و”الاختراق” و”الانفصالية” أصبحت جزءا من خطاب سياسي وإعلامي يصور المسلمين كتهديد حضاري وديمغرافي لفرنسا

ويحذر الكاتب من أن مفاهيم مثل “الأخونة” و”الاختراق” و”الانفصالية” أصبحت جزءا من خطاب سياسي وإعلامي يصور المسلمين كتهديد حضاري وديمغرافي لفرنسا.

ويقول إن بعض الباحثين والإعلاميين أسهموا في “تغذية الخطاب الشكوكي” عبر تقديم الإسلام باعتباره مشروعا منظما لاختراق المجتمع الفرنسي.

ويضيف أن هذا المناخ “يجعل أي تعبير مسلم مستقل أو نقدي موضع شبهة”، بل ويعطل -بحسب تعبيره- ظهور “إسلام فرنسي متنور” طالما دعت إليه السلطات نفسها.

ويختم المقال بالقول إن “الضغط الدائم على المسلمين لا يؤدي إلى دمجهم، بل إلى جعل الانتماء الإسلامي ذاته موضع ريبة أو خجل داخل المجال العام الفرنسي”.

ويستخلص من كل ذلك أن السياسة الفرنسية الحالية لا تفرق بين التطرف والممارسة الدينية الطبيعية، وهي في سعيها لمحاصرة ما تسميه “التغلغل الإسلامي”، تخلق مناخا من “الشك الدائم” يعيد إلى الأذهان حقبات تاريخية مظلمة من استهداف الأقليات.

Exit mobile version