Site icon روكب اليوم

البنك الدولي يحشد رقماً قياسياً بـ112 مليار دولار.. وتساؤلات حول جدوى الأثر التنموي : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-09-19 11:25:00

1706434

سجّل البنك الدولي رقماً قياسياً في مجال تمويل التنمية، بعد أن أعلن عن نجاحه في حشد 112 مليار دولار من رأس المال الخاص خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2026، لصالح مشاريع في الدول النامية، في قفزة نوعية تتجاوز ضعف المبلغ المسجل خلال العام المالي السابق والبالغ 69 مليار دولار، وتعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الرقم المسجل عام 2022، في مؤشر على تحول استراتيجي بارز في هندسة التمويل الإنمائي العالمي.

يمثل هذا المبلغ استثمارات فعلية وجّهتها مؤسسات مالية دولية كبرى، من بنوك وصناديق تقاعد وشركات تأمين ومديري أصول، نحو مشاريع البنية التحتية والطاقة والقطاع المالي في الاقتصادات الناشئة والنامية، وبضم 123 مليار دولار قدّمها البنك من موارده الذاتية خلال الفترة نفسها، يرتفع إجمالي حجم التمويل المعبأ إلى 235 مليار دولار، في أكبر عملية حشد لرأس المال في تاريخ المؤسسة.
بيد أن رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، آثر التعامل مع هذا الإنجاز بحذر منهجي، إذ صرّح بأن الرقم «لا قيمة له ما لم يصل رأس المال إلى حيث يخلق فرصاً حقيقية ووظائف فعلية»، في تأكيد ضمني أن المؤشرات الكمية وحدها لا تكفي لقياس الأثر التنموي الفعلي على حياة المواطنين في الدول المستفيدة.

يأتي هذا الإعلان في ظل تقديرات أممية تشير إلى أن الدول النامية بحاجة إلى ما يتراوح بين 4 و4.3 تريليون دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، وفي المقابل سجّلت المساعدات الإنمائية الرسمية التقليدية تراجعاً بنسبة 6% خلال عام 2024 لتصل إلى 214.6 مليار دولار، مع توقعات بانخفاض إضافي يتراوح بين 10% و18% خلال عام 2025، قد يصل إلى 25% بالنسبة لأشد الدول فقراً.

ويرى مراقبون أن هذا التباين المتصاعد بين تقلّص مصادر التمويل الحكومي التقليدي وتنامي الاحتياجات التنموية العالمية، هو ما دفع بانغا إلى التشديد مراراً على أن «التمويل العام بمفرده لم يعد قادراً على سد الفجوة القائمة»، داعياً إلى تعزيز الاعتماد على رأس المال الخاص باعتباره ركيزة تكميلية لا بديلة عن آليات التمويل التقليدية.

لتحقيق هذه النقلة النوعية، نفّذ البنك الدولي سلسلة من الإصلاحات التشغيلية منذ تولي بانغا رئاسة المؤسسة في منتصف عام 2023، ومن أبرز هذه الإصلاحات اعتماد نظام المدير الواحد لكل دولة بدلاً من تعدد جهات الاتصال المؤسسية، إلى جانب خفض متوسط مدة الموافقة على المشاريع من أكثر من عام إلى نحو تسعة أشهر.

كما أطلقت المجموعة عام 2024 «منصة الضمانات» الموحّدة، التي أصدرت حتى الآن أكثر من 25 مليار دولار من الضمانات الائتمانية، متجاوزة بذلك الهدف المحدد لعام 2030 بأربع سنوات كاملة قبل موعده، وتعمل هذه الضمانات على نقل جزء من المخاطر السياسية والائتمانية من المستثمر الخاص إلى البنك، الأمر الذي يجعل مشاريع كانت تُصنَّف سابقاً على أنها غير قابلة للاستثمار، أكثر جاذبية أمام صناديق دولية كبرى لم تكن لتخوض غمارها منفردة.

على الرغم من هذا النمو اللافت، يكشف التوزيع الفعلي لتدفقات رأس المال الخاص عن تفاوت بنيوي واضح بين الدول المستفيدة، إذ تستأثر الدول متوسطة الدخل بالحصة الأكبر من هذه الاستثمارات، مستفيدة من أسواق مالية أعمق وتصنيفات ائتمانية أفضل، في حين لا تزال أفقر الاقتصادات تعاني من ضعف واضح في تدفقات رأس المال الخاص إليها، نظراً لارتفاع المخاطر السيادية وتركّز احتياجاتها في قطاعات بطيئة العائد، كالمياه والطاقة الأساسية.

في المقابل، حذّر عدد من الاقتصاديين من أن الاعتماد المتزايد على التمويل الخاص، الذي يُعد عادة أعلى كلفة من القروض الميسّرة التقليدية، قد يفضي إلى ارتفاع أعباء خدمة الديون على الدول النامية، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن مستوى خدمة الديون في هذه الدول بلغ أعلى مستوى له خلال عشرين عاماً في عام 2024، ما يستدعي، بحسب هؤلاء الخبراء، إدارة حذرة ومتوازنة لهذا التحول نحو التمويل الخاص.

تم إعداد هذه المقالة لصالح روكب اليوم الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة روكب اليوم الاقتصادية.

Exit mobile version