
- احتضان السعودية قضية الجنوب موقف يستحق الاستثمار
- الاختلاف مع مكون جنوبي لا يجعل الجنوب كله مستهدفًا
- الوقائع تؤكد الدعم السعودي الواسع والمتواصل للجنوب
- القوى الجنوبية بحاجة إلى فصل العمل السياسي عن المزاعم
اتهام السعودية بأنها عدوة للجنوبيين يختزل علاقة سياسية معقدة في شعار تعبوي، ويتجاوز سجلًا من الدعم العسكري والاقتصادي والتنموي الذي استفادت منه محافظات الجنوب. فالخلاف مع الرياض بشأن قرار أو ترتيبات سياسية لا يكفي لإثبات عداوة لشعب بأكمله، كما أن الدفاع عن الحقوق الجنوبية يتطلب قراءة موازين القوى وبناء التحالفات التي تساعد على تحقيقها.
والمدخل إلى هذه القراءة هو الفصل بين علاقة السعودية بالجنوبيين، وعلاقتها بمكوناتهم السياسية، وموقفها من الشكل النهائي للحل في اليمن. فالاختلاف مع مكون جنوبي لا يجعل الجنوب كله مستهدفًا، ودعم مؤسسات الحكومة لا يعني بالضرورة رفض حقوق الجنوبيين، مثلما لا تعني المساعدات السعودية موافقة تلقائية على كل مشروع سياسي يُطرح باسم الجنوب.
في عام 2015، أسهم التحالف بقيادة السعودية في إسناد القوات والمقاومة التي واجهت الحوثيين في عدن ومحيطها. وقد وثقت التغطيات آنذاك استعادة مواقع حول المدينة بدعم من غارات التحالف. وهذه مساهمة ينبغي احتسابها إلى جانب تضحيات المقاومة الجنوبية والدور الإماراتي، عند تقييم علاقة المملكة بالجنوب.
وامتد الدعم إلى قطاعات ترتبط مباشرة بحياة المواطنين. ففي يناير 2026 أُعلنت حزمة سعودية تضم 28 مشروعًا ومبادرة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، تستهدف محافظات بينها عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى وشبوة وأبين والضالع ولحج، إلى جانب مأرب وتعز. وتشمل الحزمة الصحة والطاقة والتعليم والنقل؛ وهي مشروعات معلنة لليمن، يستفيد الجنوب من جانب واسع منها.
وفي الكهرباء، أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن وصول منحة المشتقات النفطية إلى عدن والمهرة وشبوة وأبين ولحج وحضرموت وسقطرى في يناير الماضي، ضمن مسار منح سبق تقديمها في أعوام 2018 و2021 و2022. وهذه شواهد عملية على دعم خدمة أساسية يعاني المواطنون من اضطرابها، ولا يجوز إغفالها عند الحديث عن الموقف السعودي.
وتواصل الدعم المالي أيضًا؛ ففي الأول من أكتوبر الجاري أُعلن تقديم دفعة جديدة تتجاوز 224 مليون ريال سعودي لدعم الموازنة الحكومية اليمنية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. ويرتبط أثر هذا الدعم على المواطنين بكفاءة الإدارة والإنفاق، لكنه يؤكد استمرار المساندة السعودية في ظرف اقتصادي بالغ الصعوبة.
تدل هذه الوقائع على دعم واسع ومتواصل ومتعدد المسارات. ومن الناحية السياسية، ترجح قراءة هذا السجل وجود مصلحة سعودية في استقرار الجنوب واستمرار مؤسساته وخدماته. وتلك أرضية يمكن البناء عليها لتوسيع الشراكة وتحويل المساندة إلى نتائج يلمسها المواطن في الكهرباء والعلاج والتعليم والأمن.
أما المزاعم العامة عن عداء سعودي للجنوبيين، فلا يثبتها تكرارها، ولا تمنحها حدة الخطاب قيمة الدليل. فمن يدعي وجود سياسة تستهدف الجنوبيين بوصفهم شعبًا مطالب بتقديم شواهد محددة على هذا الاستهداف. أما الاعتراض على تعيين أو تفاوض أو انتشار عسكري، فينبغي مناقشته في حدود الواقعة وأثرها، دون تحويله تلقائيًا إلى حكم على دولة وشعب وعلاقة كاملة.
وتقتضي هذه الدقة الاعتراف بأن مطلع عام 2026 شهد صدامًا عسكريًا موثقًا بين السعودية والمجلس الانتقالي، شمل غارات على مواقع لقواته في حضرموت. وهذه وقائع تستحق النقد والمساءلة وتقييم آثارها، لكنها لا تثبت وحدها أن المملكة تعادي جميع الجنوبيين أو تسعى إلى إفقارهم وإلغاء حقوقهم. إنكار الخلافات يضعف التحليل، وتعميمها على الجنوب كله يضعفه أيضًا.
وفي المقابل، أعلنت السعودية رسميًا أن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، ورحبت في الثالث من يناير 2026 بعقد مؤتمر يجمع مختلف المكونات الجنوبية لبحث حلولها. وهذا موقف يستحق الاستثمار السياسي، مع إدراك أنه يضع المعالجة ضمن الحوار والحل السياسي الشامل في اليمن، ولا يمثل تعهدًا مسبقًا بتبني صيغة بعينها لمستقبل الجنوب.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يحكم موضوع المجلس الانتقالي الجنوبي، أو مسألة عودة عيدروس الزبيدي، شكل العلاقة بين السعودية والجنوب. فهذه ملفات سياسية يمكن مناقشتها ومعالجة الخلافات بشأنها، لكن علاقة المملكة بمجتمع كامل وقضية تاريخية ومصالح متبادلة أوسع من أن تُربط بمصير تنظيم أو بموقع قيادة بعينها. كما لا يجوز جعل حقوق الجنوبيين ومستقبلهم رهينة للخلاف على هذه الملفات.
والمطلوب بناء أطر سياسية واضحة، تتمتع بتمثيل جنوبي معتبر، وتحفظ مصالح الجانبين، وتحدد مجالات التعاون والالتزامات وآليات معالجة الخلاف. فالعلاقة المستقرة تحتاج إلى مؤسسات وقنوات حوار منتظمة وتفاهمات معلنة، تستطيع الاستمرار مع تغير القيادات والظروف. وكلما اتسعت المشاركة الجنوبية داخل هذه الأطر، أصبحت أقدر على التعبير عن المجتمع وحماية مصالحه.
هنا يظهر أحد أبرز أوجه القصور في علاقة الرياض بالجنوبيين: الغموض في شرح ما يترتب عمليًا على الاعتراف بعدالة قضيتهم. فالمواطن يسمع عبارات عن الحوار والاستقرار والحل الشامل، لكنه يريد فهمًا أوضح لموقع حقوقه داخل هذه العناوين، وللضمانات التي تمنع تكرار التهميش. وقد يترك هذا الغموض مساحة للتأويل والشك، ويجعل القرارات السعودية عرضة لقراءات متناقضة.
والمطلوب من الرياض خطاب مباشر يشرح للجنوبيين ما تدعمه، وما تتحفظ عليه، وكيف ترى ضمان مشاركتهم وحقوقهم في أي تسوية. كما تحتاج العلاقة إلى تواصل منتظم مع المجتمع والسلطات المحلية ومختلف المكونات، وإلى ربط الوعود بخطوات قابلة للمتابعة. وضوح الموقف يساعد على بناء الثقة، خصوصًا حين يشعر المواطن بأن صوته يصل دون وسطاء يحتكرون تمثيله.
ويتحمل الطرفان مسؤولية الابتعاد عن الشطط في الخطاب. فالتخوين والإهانات والتعميمات العدائية قد تدمر جهدًا سياسيًا استغرق بناؤه سنوات، وتدفع الجمهور إلى مواقف تجعل التفاهم أكثر صعوبة. وينبغي أن ينصب النقد على القرارات والسياسات وآثارها، وأن يظل قابلًا للنقاش والتصحيح؛ لأن تحويل الخلاف إلى خصومة مع الشعوب يغلق أبوابًا يحتاج إليها الطرفان.
ومن غير المعقول توقع أن تعادي السعودية منظومة الحكم والقوى السياسية في شمال اليمن لمجرد إثبات صداقتها للجنوب، أو أن تتخلى عن جميع علاقاتها ومصالحها هناك لصالح طرف آخر. فالدولة تبني سياستها على اعتبارات أمنية وسياسية وإقليمية متعددة. وتبقى مواجهة المشروع الحوثي مسألة قائمة بذاتها، لا تستلزم تحويل الشمال وأهله وقواه المختلفة إلى كتلة واحدة معادية للجنوب.
ومن هنا تبرز ضرورة بناء علاقة جديدة تطوي خلافات الماضي من خلال معالجتها، وتبدد المخاوف لدى الجانبين. فمن حق الجنوبيين طلب ضمانات تمنع تجاوز قضيتهم أو تهميش تمثيلهم، ومن حق السعودية طلب تفاهمات تحمي أمنها ومصالحها وتطمئنها إلى استقرار جوارها. ويمكن تحويل هذه المطالب إلى التزامات متبادلة بدل تركها مصدرًا دائمًا للشك.
وعلى القوى الجنوبية أن تفصل العمل السياسي عن المزاعم. فمسعى تحرير الجنوب وتأمينه وحماية حقوق أبنائه يحتاج إلى برنامج واضح: مواجهة الخطر الحوثي، وتوحيد الجهد الأمني والعسكري، وبناء مؤسسات مسؤولة، وتقديم تصور سياسي يحظى بتوافق جنوبي واسع. وكلما اتضحت هذه الأولويات، أصبح الحوار مع السعودية أكثر قدرة على إنتاج مكاسب.
وكسب السعودية وجميع دول الخليج ضرورة لهذا المسعى. فالجنوب يحتاج إلى علاقات تساعده في الدفاع والتنمية والاستثمار والاتصال بالعالم، وتمنح قضيته مساحة أوسع للفهم والتأييد. ومن مصلحته توسيع علاقاته مع المملكة والإمارات والكويت وعُمان وقطر والبحرين، وبناء التعاون مع كل دولة على المصالح المشتركة، وتجنب تحويل التباينات الخليجية إلى خصومات داخل المجتمع الجنوبي.
ويجب أن تكون محاربة الفساد جزءًا أصيلًا من هذه الشراكة. فالمساعدات، مهما اتسعت، لن تحقق أثرها المطلوب إذا تسربت عبر المحسوبية والعقود غير الشفافة وسوء الإدارة. والموقف الجنوبي المسؤول هو المطالبة بكشف الإيرادات والنفقات، وتدقيق مشروعات الدعم، ومحاسبة المقصرين، وربط المسؤولية بالإنجاز. بهذه الخطوات يصبح الجنوب أقدر على طلب المساندة وأجدر بثقة شركائه.
وعلى الطرفين، السعودي والجنوبي، التخلي عن النظرة المسبقة المتجذرة في خلافات الماضي، وتقييم واقع اليوم وفرص العلاقة المستقبلية على أساس الوقائع والمصالح المشتركة. فقراءة كل موقف جديد بمنطق الخصومات القديمة تعمّق الشكوك، وتعطل التفاهم، وتجعل العلاقة أسيرة لصراعات تجاوز الزمن كثيرًا من ظروفها. والمطلوب مراجعة هذه التصورات بصدق، والاعتراف بما تغير، وبناء الثقة عبر التزامات واضحة وخطوات عملية متبادلة. إن معالجة خلافات الماضي واستخلاص دروسها يجب أن تفتح الطريق أمام علاقة تحفظ حقوق الجنوبيين ومصالحهم، وأمن السعودية ومصالحها، وتمنح الطرفين فرصة لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.
إن قوة القضية الجنوبية تُقاس بقدرتها على تحويل عدالة مطالبها إلى سياسة ناجحة. وهذا يتطلب تقدير الدعم السعودي الموثق، والاحتفاظ بحق نقد السياسات، وإزالة الغموض من العلاقة، وتجاوز ربطها بمصائر الأشخاص والتنظيمات. فالحقوق تحتاج إلى مجتمع متماسك، ومؤسسات نزيهة، وأطر سياسية واضحة، وحلفاء تجمعهم مصالح وضمانات يستطيع الطرفان الوثوق.