Site icon روكب اليوم

الشعب على الباب.. هذا هو الامتحان الأكبر الذي ينتظر البرلمان السوري |

462480 01 02 1779619423



روكب اليوم

بدأ مجلس الشعب السوري الجديد أولى خطواته العملية مع انعقاد جلسته الأولى في مرحلة انتقالية، تشهد إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة من الصراع، وتطرح فيها أسئلة حول دوره، وحدود صلاحياته، والمهام المنتظرة منه، وهل سيكون مجلسا حقيقيا للتشريع والرقابة ومحاسبة السلطة التنفيذية من وزراء ومسؤولين، أم سيبقى مجرد ديكور لتغطية وتمرير قراراتها؟

تعدد المهام

بداية، أنهى شروع  المجلس بمهامه حالة الفراغ التشريعي التي دخلتها سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، وبات يواجه مهام عديدة، تتمحور حول إلغاء قوانين موروثة من نظام الأسد، أو إعادة صياغتها وتعديلها، بما يفضي إلى تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية.

وتبرز أولويات أساسية أمام أعضائه ترتبط بالجانب التشريعي، في ظل وجود العديد من الملفات التي تحتاج إلى إعادة تنظيم قانوني، بدءا من العدالة الانتقالية، مرورا بالملفات الإدارية أو الاقتصادية، وصولا إلى شكل الدولة والنظام السياسي.

لا يتعلق الأمر بإقرار القوانين فقط، بل باعتبار البرلمان إحدى الأدوات الرئيسية لإدارة المرحلة الانتقالية، فالقوانين التي سيقرها خلال الأشهر الأولى لن تقتصر على مناقشة وضع نظامه الداخلي والقضايا المعيشية، بل ستطال التشريعات المرتبطة بالحياة السياسية، وفي مقدمتها قانون الأحزاب، وقانون الانتخابات، اللذان سيحددان آلية تداول السلطة في المرحلة اللاحقة، إلى جانب تشكيل لجان ستتولى مهمة إعداد الدستور الجديد.

إذن، لن يقتصر عمل البرلمان الجديد على دوره في إصدار القوانين، بل يمتد إلى المساهمة في صياغة العقد الدستوري الذي سيحكم البلاد بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، وهي مهمة لم يضطلع بها البرلمان السوري من قبل.

وبالنظر إلى المهام العديدة والهامة، فإن البرلمان الجديد يواجه اختبارا لمدى قدرته على إنتاج قوانين تستجيب لتعقيدات المرحلة الانتقالية، إلى جانب قدرته على بناء علاقة جديدة مع المجتمع السوري تقوم على الرقابة والتواصل، وأن يشكل جهة رقابة ومساءلة مستمرة لعمل الحكومة، والوزراء، والمسؤولين في السلطة التنفيذية، وإن نجح في هذه المهمة سيساهم في بناء الثقة بين المجتمع والدولة، ويضمن إتمام المرحلة الانتقالية بسلاسة أكثر.

المجالس الطيّعة

ينتظر السوريون من نواب المجلس الجديد طرح همومهم وتلبية تطلعاتهم، وأن يقطعوا نهائيا مع ممارسات نواب المجالس التي كانت خلال عقود حكم الأسد، وكان نوابها يصفقون، والوزراء يقررون، ولا يستطيع أي منهم أن يسأل عن الميزانية والإنفاق العام، أو عن الفساد المستشري أو فشل الخدمات.

لقد تعود السوريون طوال خمسة عقود ونيف من حكم آل الأسد، وتعاقب خلالها 13 مجلسا، على أن يكون مجلس الشعب أداة طيعة بيد السلطة التنفيذية، تمرر من خلاله ما تريد من قوانين تصب في مصلحتها، وتخدم أجنداتها، وكان “الحزب القائد” يهيمن على المجلس وأعضائه من خلال ما كان يسمى “الجبهة الوطنية التقدمية”، التي كانت تشكل ما يقارب ثلثي أعضاء المجلس، أما الثلث المتبقي فكان من نصيب مستقلين مؤيدين للسلطة يجيدون التصفيق مثل نظرائهم البعثيين وسواهم.

بقي تشريع القوانين وإصدارها أسير سلطة نظام الأسد، بنسختيه الأب والابن، وانحصر دور مجلس الشعب في إقرار مشاريع القوانين تأتي من السلطة التنفيذية التي يمسكها رأس هرم النظام، من دون أن يمارس المجلس رقابة فعلية على الحكومة، أو يمتلك قدرة مستقلة على صناعة السياسات العامة.

وكانت النتيجة بقاء السلطة التنفيذية دون رقيب أو حسيب، وتعالج جميع الملفات خلف الأبواب المغلقة للسلطة.

يترقب السوريون أداء المجلس خلال الفترة المقبلة، كي يعرفوا ما إذا كان سيتمكن من التحول من غرفة تصويت وتصفيق إلى سلطة رقابة ومحاسبة. ولتحقيق ذلك يحتاج  إلى أدوات دستورية وقانونية، تتمثل في قدرته على سحب الثقة من الحكومة

الرقابة والمحاسبة

يريد السوريون بعد التحول الكبير، الذي حصل في 8 ديسمبر/كانون الأول 2025، أن يقطع المجلس الجديد مع كل ممارسات وسلوكيات المجالس السابقة، وأن يشكل برلمانا يمثلهم بشكل فعلي، عبر تحوله إلى مؤسسة تشريعية فاعلة، وألا يبقى مجرد محطة انتقالية مرتبطة بظروف المرحلة.

يمنح الإعلان الدستوري مجلس الشعب الجديد صلاحيات تشريعية واسعة، إذ سيكون مسؤولا عن إقرار القوانين، وتعديل التشريعات النافذة أو إلغائها، وإقرار الموازنة العامة، والمصادقة على الاتفاقات الدولية، وغيرها من الاختصاصات التشريعية الأساسية.

غير أن هذه الصلاحيات لا تعني أن المجلس سيعمل بمعزل عن السلطة التنفيذية، ما يجعل العلاقة بين السلطتين إحدى أبرز القضايا التي ستخضع للامتحان خلال المرحلة المقبلة.

لذلك يترقب السوريون أداء المجلس خلال الفترة المقبلة، كي يعرفوا ما إذا كان سيتمكن من التحول من غرفة تصويت وتصفيق إلى سلطة رقابة ومحاسبة. ولتحقيق ذلك يحتاج  إلى أدوات دستورية وقانونية، تتمثل في قدرته على سحب الثقة من الحكومة، حيث لا تكفي مساءلة أو استجواب الوزير، بل يجب أن يمتلك البرلمان حق إسقاط الحكومة في حال فشلها في تحقيق مهامها.

غير أن الإعلان الدستوري في سوريا، لا يمنح مجلس الشعب أدوات الرقابة البرلمانية المتعارف عليها في النظم البرلمانية، مثل طرح الثقة بالحكومة أو حجبها، أو الاستجوابات الملزمة للوزراء، والمسؤولين، التي يمكن أن تترتب عليها مسؤوليات سياسية.

تشير المادة (30) من الإعلان الدستوري إلى أن أقصى ما يملكه المجلس بالنسبة إلى الوزراء هو “طرح الأسئلة”، وهو أضعف وسائل الرقابة البرلمانية، كونها تقتصر على الاستيضاح فقط، دون امتلاك سلطة منح الثقة للحكومة أو حجبها أو إقالة وزراء، حيث وضع الإعلان الدستوري مثل هذه الصلاحيات في عهدة رئيس الجمهورية حصرا، وبالتالي اقتصرت صلاحيات المجلس الرقابية على عقد جلسات استماع للوزراء فقط.

يبرز هنا خلاف قانوني هام، حيث إن جلسة الاستماع تتيح للوزير عرض سياساته والإجابة عن أسئلة أعضاء المجلس، لكنها لا تمنح المجلس أدوات دستورية لإلزام الحكومة أو مساءلتها سياسيا، كما هو الحال في البرلمانات ذات الصلاحيات الكاملة، الأمر الذي يحول مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية إلى سلطة تشريعية ذات صلاحيات رقابية محدودة، ويعتمد تأثيرها في أداء الحكومة على قوة النقاش العمومي، والضغط السياسي، أكثر من اعتمادها على أدوات وصلاحيات دستورية ملزمة.

من بين الأدوات التي يمكن أن يلجأ إليها أعضاء المجلس، تشكيل لجان تحقيق في القضايا التي تثير اهتمام الرأي العام، مثل شبهات الفساد، أو سوء الإدارة، أو الفشل في تنفيذ الخطط الحكومية، أو الهدر في الإنفاق العام. وتملك هذه اللجان صلاحية جمع المعلومات، والاستماع إلى المسؤولين، وإعداد تقارير تُعرض على المجلس من أجل اتخاذ ما يراه مناسبا.

كما يملك المجلس صلاحية مناقشة مشروع الموازنة العامة والحسابات النهائية، حيث يمكن للنواب مراجعة أوجه وطرق الإنفاق العام، والتأكد من حسن صرف واستخدام الموارد العامة، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة المالية.

ويميز الإعلان الدستوري بين المساءلة السياسية والمساءلة القضائية، حيث يسند إلى القضاء مهمة المساءلة القضائية عن جرائم الفساد أو إساءة استعمال السلطة أو المخالفات الجنائية، كي ينظر فيها بحسب الإجراءات القانونية النافذة.

يشكل مجلس الشعب الجديد اختبارا حقيقيا لمسار بناء الدولة السورية بعد سنوات طويلة من الصراع. فإذا تمكن من ممارسة صلاحياته الرقابية بصورة مستقلة وفعالة، فسيكون قادرا على تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة، وترسيخ مبدأ خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة

فرص النجاح

لا يتوقف نجاح مجلس الشعب في القيام بدوره الرقابي على النصوص والصلاحيات الممنوحة له فقط، بل على مجموعة من الشروط، أهمها:

  • استقلال المجلس عن السلطة التنفيذية.
  • مدى الحرية التي يتمتع بها النواب في ممارسة الرقابة دون ضغوط أو إكراهات.
  • الشفافية التي تميز عمل الحكومة، وتوفير حرية الوصول إلى المعلومات.
  • استقلالية القضاء التي يمكنها ضمان محاسبة المسؤولين عند ثبوت التجاوزات والمخالفات.
  • لا يغيب عن هذه الشروط ضمان حرية الإعلام الذي يسهم في نقل أعمال المجلس وتعزيز الرقابة المجتمعية.

عموما، يشكل مجلس الشعب الجديد اختبارا حقيقيا لمسار بناء الدولة السورية بعد سنوات طويلة من الصراع. فإذا تمكن من ممارسة صلاحياته الرقابية بصورة مستقلة وفعالة، فسيكون قادرا على تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة، وترسيخ مبدأ خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة، والحد من الفساد وسوء الإدارة، بما يسهم في بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.

بالمقابل، فإن بقاء الرقابة البرلمانية في حدودها الشكلية سيجعل النصوص الدستورية غير كافية لتحقيق التوازن بين السلطات، إذ إن جوهر العمل البرلماني لا يكمن في وجود الصلاحيات فحسب، وإنما في القدرة العملية على استخدامها بصورة مستقلة ومسؤولة، بما يجعل الحكومة خاضعة للمساءلة المستمرة أمام ممثلي الشعب.

بات المجلس الجديد تحت مجهر عموم السوريين لمراقبة أدائه منذ اليوم الأول لانعقاد جلساته، ولاختبار قدرته على إنجاز المأمول منه باستقلالية عن السلطة التنفيذية، بلا تبعية أو وصاية.

ويحدوهم الأمل في أن يتمكن من تجاوز إرث النظام السابق، والتحول إلى مؤسسة تشريعية فاعلة تملك مساحة حقيقية للنقاش وصياغة القوانين ومساءلة السلطة التنفيذية، والتحقيق في ملفات الفساد، ومساءلة الوزارات عن كل ليرة سورية تنفقها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

Exit mobile version