Site icon روكب اليوم

المشهد الدولي – من القاهرة إلى بكين.. زيارة الرئيس الصيني تقلب موازين الشراكة وتفتح أبواب المستقبل

1788257705 02a6c6a3 57da 4678 b4fb 69a9ab162c20
روكب اليوم

تستعد القاهرة لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة دولة تكتسب أهمية سياسية واقتصادية واستراتيجية استثنائية، باعتبارها أول زيارة له إلى مصر منذ نحو عشر سنوات، وتتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، في مناسبة تعكس عمق العلاقات بين دولتين تمثلان ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا في العالم العربي وآسيا وإفريقيا.

وتأتي الزيارة بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، AbdelFattah Elsisi – عبد الفتاح السيسي في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية–الصينية توسعًا ملحوظًا، لم يعد يقتصر على التجارة والاستثمار والبنية التحتية، بل امتد إلى التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة والفضاء والذكاء الاصطناعي والتعاون الدفاعي والثقافي.

وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية في 30 مايو 1956، قبل أن ترتقي العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014. وفي يناير 2016، قام الرئيس شي جين بينغ بزيارة تاريخية إلى القاهرة، أسهمت في إعطاء دفعة قوية لمسار التعاون بين البلدين.

قمة السيسي وشي.. ملفات إقليمية ودولية على الطاولة

تتصدر القمة المصرية–الصينية بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ برنامج الزيارة، حيث يُنتظر أن تبحث مستقبل الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وسبل تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

ومن أبرز القضايا التي تحظى بأهمية في المشاورات :

المصرية–الصينية تطورات الشرق الأوسط، والحرب في غزة، وأمن البحر الأحمر، والأوضاع الإقليمية، إلى جانب قضايا الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة.

كما تمثل الزيارة فرصة لتعزيز التنسيق بين القاهرة وبكين في المحافل الدولية، خصوصًا في ظل عضوية مصر في بريكس، وتعاون البلدين ضمن أطر مثل منتدى التعاون الصيني–العربي ومنتدى التعاون الصيني–الإفريقي والأمم المتحدة.

70 عامًا من العلاقات.. من الصداقة السياسية إلى الشراكة الشاملة

تحمل الذكرى السبعون للعلاقات المصرية–الصينية دلالة خاصة، إذ انتقلت العلاقة خلال سبعة عقود من التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكة متعددة المستويات تشمل الاقتصاد والتجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والنقل والاتصالات والفضاء والتعليم والثقافة والسياحة.

وفي مقال نُشر بمناسبة الزيارة، أكد الرئيس شي جين بينغ تطلعه إلى تجديد الصداقة مع الرئيس السيسي ووضع رؤية جديدة لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، في إشارة إلى أن الزيارة لا تقتصر على الاحتفال بالماضي، وإنما تستهدف رسم ملامح المرحلة المقبلة.

الاقتصاد والتجارة.. شراكة تتجاوز الأرقام

تمثل العلاقات الاقتصادية محورًا رئيسيًا في الشراكة بين البلدين. وبلغ حجم التجارة الثنائية نحو 19.52 مليار دولار خلال عام 2025 وفق بيانات نقلتها مصادر مصرية، فيما تجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار، مع وجود شركات صينية في قطاعات البناء والطاقة والإلكترونيات والنقل والصناعة والمنسوجات.

وتسعى القاهرة إلى زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية، خصوصًا المنتجات الزراعية والغذائية والمعدنية والهندسية والمنسوجات والمنتجات الجلدية، بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من التوازن في الميزان التجاري بين البلدين.

وفي أغسطس 2026، وقعت شركات مصرية 17 عقدًا تصديريًا مع مشترين صينيين بقيمة تقارب 168 مليون دولار، في مؤشر على تنامي الاهتمام بزيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. حجر أساس في الشراكة

تحتل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس موقعًا متقدمًا في التعاون المصري–الصيني، خاصة من خلال منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–المصرية «تيدا» في العين السخنة.

وتضم المنطقة عشرات الشركات والمشروعات الصناعية الصينية، وتحولت إلى منصة مهمة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق المصرية والإفريقية والإقليمية.

وفي يوليو 2025، جرى الاتفاق على توسيع المنطقة الصناعية التابعة لـ«تيدا» من نحو 7 إلى قرابة 10 كيلومترات مربعة، فيما بلغ عدد الشركات العاملة بها نحو 185 شركة في ذلك الوقت. كما تم توقيع اتفاقيات لإنشاء ثلاثة مجمعات صناعية باستثمارات إجمالية تبلغ نحو 1.15 مليار دولار في قطاعات الألياف الصناعية والإطارات والمنتجات الصحية.

وتبرز كذلك مشروعات صناعية أخرى قيد البحث، من بينها مشروع صيني محتمل لإقامة مجمع لصناعة الألومنيوم باستثمارات تقدر بنحو ملياري دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. عنوان جديد للعلاقات

ومن المتوقع أن يحظى التعاون التكنولوجي بمكانة متقدمة في أجندة المرحلة المقبلة، مع توجه البلدين إلى توسيع الشراكة في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتحول الرقمي، ونقل التكنولوجيا والصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

ويأتي ذلك في إطار توجه مصري لزيادة توطين التكنولوجيا وتعزيز قدرات الدولة في الاقتصاد الرقمي، بالتوازي مع رغبة صينية في توسيع حضور شركاتها التكنولوجية والصناعية في الأسواق الإفريقية.

كما تتضمن الشراكة المصرية–الصينية جانبًا متقدمًا في مجال الفضاء، حيث تم تطوير القمر الصناعي المصري MisrSat-2 بالتعاون بين مهندسين مصريين وصينيين، وجرى إطلاقه من الصين في ديسمبر 2023، إلى جانب إنشاء مركز للتجميع والاختبار في مصر بتمويل صيني.

الطاقة والنقل والبنية التحتية

تعد الطاقة المتجددة والنقل والبنية التحتية من أبرز المجالات التي شهدت تعاونًا متزايدًا بين القاهرة وبكين.

وتشارك الشركات الصينية في عدد من المشروعات المصرية الكبرى، إلى جانب التعاون في قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات النقل والسكك الحديدية.

كما تستهدف الشراكة الجديدة الانتقال من تنفيذ مشروعات البنية الأساسية إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي، وهو أحد المحاور التي ركز عليها البرنامج التنفيذي للشراكة المصرية–الصينية للفترة 2024–2028.

التعاون المالي.. اليوان في مواجهة تحديات التجارة

يشكل التعاون المالي أحد الملفات المهمة أيضًا، خصوصًا مع بحث توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.

وقد بحث البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني تفعيل ترتيبات مبادلة العملات، وزيادة استخدام الجنيه المصري واليوان الصيني في تسوية المعاملات العابرة للحدود، بما قد يساهم في تقليل الحاجة إلى استخدام الدولار في جزء من التجارة الثنائية.

كما شهد عام 2025 توقيع اتفاقيات مالية لتعزيز استخدام اليوان داخل منطقة تيدا وتوسيع قبول شبكة UnionPay في مصر.

التعاون العسكري والدفاعي.. مسار يتنامى

ولا يقتصر التعاون بين القاهرة وبكين على الاقتصاد والتنمية، إذ شهد التعاون العسكري تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.

وفي أغسطس 2026، نفذت مصر والصين تدريبات جوية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة مقاتلات متعددة المهام، وشملت التدريبات التخطيط والعمليات الجوية ومهام قتالية مختلفة.

وجاءت هذه المناورات بعد النسخة الأولى التي نفذها البلدان في مصر خلال أبريل ومايو 2025، بما يعكس تنامي مستوى التواصل والتعاون العسكري بين البلدين.

الثقافة.. الحضارتان المصرية والصينية تلتقيان

يحضر البعد الثقافي بقوة في العلاقات بين القاهرة وبكين، خصوصًا في عام الذكرى السبعين.

ومن المتوقع أن يتضمن برنامج زيارة الرئيس الصيني جانبًا ثقافيًا وتنمويًا، مع ترقب زيارة مواقع ومشروعات مصرية بارزة، وفي مقدمتها المتحف المصري الكبير، الذي يمثل أحد أهم رموز الحضارة المصرية ومشروعًا ثقافيًا وسياحيًا عالميًا.

وتشهد العلاقات الثقافية بين البلدين تعاونًا واسعًا في مجالات الآثار والتعليم والسياحة والإعلام والتبادل الثقافي.

كما استضاف متحف شنغهاي خلال الفترة من يوليو 2024 إلى أغسطس 2025 معرضًا للحضارة المصرية القديمة ضم 788 قطعة أثرية مصرية، واستقطب نحو 2.77 مليون زائر، في واحدة من أبرز الفعاليات الثقافية التي عكست الاهتمام الصيني بالحضارة المصرية.

مصر.. بوابة الصين إلى إفريقيا والعالم العربي

لا تنظر بكين إلى مصر باعتبارها سوقًا اقتصاديًا فقط، وإنما باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي على قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

ومن الجانب المصري، تمثل الصين شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا مهمًا، إضافة إلى كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وقوة دولية مؤثرة يمكن للقاهرة التنسيق معها بشأن العديد من الملفات الإقليمية والدولية.

ولهذا فإن زيارة شي جين بينغ تحمل أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية، لتلامس مستقبل الحضور الصيني في الشرق الأوسط وإفريقيا، ودور مصر في منظومة التعاون بين الصين والدول العربية والإفريقية ودول الجنوب العالمي.

زيارة تحمل رسائل استراتيجية

وبعد عقد من زيارة شي جين بينغ السابقة إلى القاهرة، تبدو الزيارة الجديدة مختلفة من حيث التوقيت والظروف الدولية.

فالعالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، فيما تسعى مصر إلى جذب المزيد من الاستثمارات وتوطين الصناعة والتكنولوجيا وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.

وفي المقابل، تنظر الصين إلى مصر بوصفها شريكًا محوريًا في مبادرة الحزام والطريق، وموقعًا استراتيجيًا يمكن أن يخدم حركة التجارة والاستثمار الصينية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.

ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز للزيارة تبدو واضحة: الانتقال بالعلاقات المصرية–الصينية من مرحلة المشروعات الكبرى إلى مرحلة أوسع عنوانها التصنيع ونقل التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة والتجارة والاستثمار والتنسيق السياسي والاستراتيجي.

وبينما تحتفل القاهرة وبكين بمرور سبعة عقود على تأسيس العلاقات الدبلوماسية، فإن زيارة الرئيس شي جين بينغ تبدو أقرب إلى بداية فصل جديد في العلاقة، أكثر من كونها مجرد احتفال بذكرى تاريخية؛ فصل تسعى خلاله الدولتان إلى تحويل رصيد سبعين عامًا من الثقة السياسية إلى شراكة أكثر عمقًا وتأثيرًا في الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية والسياسة الدولية.


Exit mobile version