
كشف السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، مايكل راتني، عن تحول جذري في موقف القيادة السعودية تجاه جماعة الحوثي، مؤكداً أن سياسة خفض التصعيد والتعايش السابقة لم تعد مقبولة لدى الرياض، خاصة عقب الاستهداف الأخير لمطار الرياض والأعيان المدنية.
وأوضح راتني، في مقابلة مع “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” عقب زيارة أجراها للرياض، أن الهجمات الحوثية الأخيرة غيّرت نمط التفكير السياسي والأمني لدى المسؤولين السعوديين، ليتجه نحو ضرورة إنهاء التهديد الحوثي وعدم الدخول في هدَن أو ترتيبات مجتزأة.
معضلة الرد وتوقعات التصعيد مرحلياً
وأفاد الدبلوماسي الأمريكي السابق بأن الخيارات السعودية تواجه معضلة بالغة الصعوبة؛ إذ تدرك الرياض قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات غير متكافئة تستهدف البنية التحتية المدنية والاقتصادية، مما يحتم عليها الموازنة بين استخدام التفوق العسكري وبين حماية سمة المملكة كوجهة آمنة للاستثمار.
ويرى راتني أن السعودية تتجه نحو مسار من مرحلتين: يركز أولاً على تكثيف الضربات الجوية والضغط العسكري على مواقع الجماعة ومصادر تهديدها، يليه البحث عن مخرج مرحلي يوقف التصعيد أو يحد من تداعياته، مع إمكانية تهيئة الرأي العام السعودي لتحمل بعض الضربات الانتقامية المحتملة.
مساعي تأمين باب المندب وثغرات الجبهة اليمنية
وكشف راتني أن أبرز الأهداف الراهنة للرياض يتمثل في إبعاد الحوثيين عن المواقع التي سيطروا عليها مؤخراً بالقرب من مضيق باب المندب، بالتنسيق مع القوات التابعة للحكومة اليمنية عبر تقديم الإسناد الجوي والدعم الاستشاري.
وحذر راتني من أن التباين وعدم التماسك بين الفصائل والتشكيلات اليمنية المناهضة للحوثيين يحد من قدرة التحالف والقوات الحكومية على ترجمة التفوق الجوي إلى نجاحات برية حاسمة على الأرض.
استقلالية القرار الحوثي والأبعاد الأيديولوجية
وحول طبيعة العلاقة بين الحوثيين وطهران، أوضح راتني، أن الجماعة باتت تتمتع باستقلالية أكبر في اتخاذ قراراتها ولم تعد مجرد وكيل خاضع بالكامل لإيران، مما يعني أن أي اتفاق أو تهدئة مع طهران لن يضمن بالضرورة امتثال الحوثيين أو إنهاء تهديداتهم في البحر الأحمر.
وأشار إلى أن بعض التغطيات الغربية تغفل البعد الأيديولوجي الشديد للحركة الحوثية وطموحاتها التي تتجاوز الحدود اليمنية، مؤكداً أن خطر الجماعة يمتد ليمس سلامة الملاحة الدولية واستقرار الدول المطلة على البحر الأحمر.
غموض الموقف الأمريكي والتحفظ على الخيار الإسرائيلي
وبشأن الدعم الدولي، أشار راتني إلى وجود حالة من الغموض تحيط بموقف واشنطن وحدود التدخل العسكري الأمريكي، راجعاً ذلك لضغوط قيود الصيانة والذخائر لدى القوات الأمريكية، إلى جانب الحسابات السياسية الداخلية للإدارة الأمريكية.
وفيما يتعلق بالتقارير عن تعاون إقليمي، أكد راتني تحفظ السعودية الشديد على أي تعاون عسكري علني مع إسرائيل ضد الحوثيين لما يرتبه من تكلفة سياسية وإعلامية باهظة، مشدداً على أن الرياض تركز بالأساس على استعادة الدعم الأمريكي المباشر.
غياب البديل السياسي ومستقبل التسوية
وأشار راتني إلى أن إضعاف الحوثيين أو استهداف قيادتهم لن يكون كافياً لحل الأزمة اليمنية ما لم يُمكن بديل سياسي يمني يتمتع بالمصداقية والقدرة على إدارة البلاد، مؤكداً أن السعودية باتت مترددة في العودة لترتيبات دفع الرواتب أو تقديم تنازلات مالية وسياسية للجماعة في الوقت الراهن.

