
روكب اليوم
وجدت قوى المعارضة في إسرائيل نفسها في وضع شائك، إذ لم تتمكن من حسم مقاعد أغلبية في انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي أجريت الأسبوع الماضي، بينما تسعى لتشكيل حكومة طوارئ والإطاحة بحكومة بنيامين نتنياهو.
وأسفرت الانتخابات الإسرائيلية عن حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدا (من أصل 120)، مقابل 48 مقعدا للمعارضة، و19 مقعدا للأحزاب العربية، ما جعل الأخيرة تبرز كقوى مرجحة في معركة تشكيل الحكومة الجديدة، ومفتاح زعيم المعارضة اليهودية غادي آيزنكوت للحصول على تكليف بتشكيلها.
بيد أن قوى الرفض للأحزاب العربية داخل المعارضة الإسرائيلية رجحت عدم الاستعانة بها في تشكيل حكومة إسرائيلية، وبرزت بدلا من ذلك فكرة استمالة الحزبين الممثلين لليهود المتدينين المتشددين، المعروفين باسم “الحريديم”، من معسكر نتنياهو إلى صفوف المعارضة، بما يتيح لآيزنكوت تشكيل حكومة بأغلبية برلمانية دون الحاجة إلى أصوات النواب العرب.
وتعزز هذا الاحتمال، الثلاثاء، عقب اجتماع قادة المعارضة اليهودية بمدينة هرتسليا وسط إسرائيل، إذ أفادت القناة الـ12 الإسرائيلية بوجود “انفتاح أكبر” لديهم على تشكيل حكومة تضم الحزبين الحريديين بدلا من الاعتماد على الأحزاب العربية.
وتكمن المفارقة في أن هذا التوجه يأتي رغم خوض أحزاب المعارضة حملاتها الانتخابية بمواقف مناهضة لإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، وهو أحد أبرز مطالب الحريديم.
ويضع هذا التحول الأحزاب الحريدية في قلب المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة، بعدما كان التركيز منصبا على دور الأحزاب العربية في ترجيح كفة آيزنكوت، وسط تساؤلات بشأن مدى استعداد الحريديم للتخلي عن تحالفهم مع نتنياهو.
من “الحريديم”؟
يطلق اسم “الحريديم” على اليهود المتدينين المتشددين الذين يتبنون تفسيرا محافظا للشريعة والتقاليد اليهودية، ويتميزون بنمط حياة يقوم على الالتزام بتعاليم الحاخامات والعزلة النسبية عن المجتمع العلماني.
ويشكلون نحو 13% من سكان إسرائيل البالغ عددهم قرابة 10 ملايين نسمة، وتتركز تجمعاتهم في القدس وبني براك ومناطق أخرى.
وتحتل دراسة التوراة والنصوص الدينية مكانة محورية في حياتهم، فيما يتمتع كبار الحاخامات بنفوذ واسع في توجيه مواقفهم الاجتماعية والسياسية.
ولا يشكل الحريديم كتلة متجانسة، إذ ينقسمون إلى تيارات من أصول أوروبية وأخرى شرقية، تتباين في بعض مواقفها من المشاركة في مؤسسات الدولة والخدمة العسكرية.
ويمثلهم سياسيا حزبان رئيسيان، هما “شاس”، الذي يستند أساسا إلى قاعدة من اليهود الحريديم ذوي الأصول الشرقية، و”يهدوت هتوراه”، الذي يمثل بصورة رئيسية الحريديم من أصول أوروبية.
وعلى مدى عقود، لعب الحزبان دورا مؤثرا في تشكيل الحكومات الإسرائيلية، مستفيدين من ثقلهما البرلماني للحصول على ضمانات تتعلق بالتعليم الديني والمخصصات المالية والخدمة العسكرية.
الإعفاء من التجنيد
تتصدر قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية مطالب الأحزاب الحريدية، التي ترى أن التفرغ لدراسة التوراة واجب ديني ينبغي حمايته.
وتخشى قطاعات واسعة من الحريديم أن يؤدي التحاق شبابها بالجيش إلى تهديد هويتها الدينية نتيجة الاندماج في المجتمع العلماني.
وتتمسك أحزابهم بالحفاظ على مخصصات المدارس والمعاهد الدينية، واستقلال مؤسسات التعليم الديني، وحماية نمط حياتهم المحافظ.
واستفاد طلاب المعاهد الدينية لعقود من ترتيبات تتيح تأجيل تجنيدهم عند بلوغ سن 18 عاما، عبر تأجيلات متكررة وصولا إلى سن الإعفاء.
بيد أن المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قرارا في 25 يونيو/حزيران 2024 يلزم السلطات بتجنيد طلاب المعاهد الدينية، ويمنع تقديم مساعدات مالية للمؤسسات التي يرفض طلابها الخدمة.
وتسبب القرار في موجة احتجاجات واسعة في الأوساط الحريدية، بينما دعا كبار حاخامات الحريديم إلى رفض التجنيد و”تمزيق” أوامر الاستدعاء.
وتعكس مواقف الأحزاب الحريدية تمسكها بهذا الملف، إذ أعلن رئيس حزب “شاس” أرييه درعي، في 14 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن حزبه لن ينضم إلى أي حكومة مقبلة أو يدعمها ما لم تتم تسوية الوضع القانوني لطلاب المعاهد الدينية عبر تشريع خاص.
وتحولت قضية التجنيد إلى أحد أبرز شروط مشاركة الحريديم في الحكومات، ونقطة خلاف رئيسية مع الأحزاب المطالبة بالمساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية.
ثقلهم في الكنيست
تكشف نتائج الانتخابات الأخيرة أهمية مقاعد الحريديم في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
ومن بين 53 مقعدا لمعسكر نتنياهو في الكنيست، حصل الحزبان الحريديان “يهدوت هتوراه” على 7 مقاعد، و”شاس” على 6 مقاعد، بإجمالي 13 مقعدا.
وحسابيا، فإن انتقال الحزبين معا إلى معسكر آيزنكوت يرفع رصيد المعارضة اليهودية إلى 61 مقعدا، وهي الأغلبية البرلمانية التي تمكنها من تشكيل حكومة دون الاعتماد على أصوات الأحزاب العربية.
أما انضمام “يهدوت هتوراه” وحده، فيرفع رصيد المعارضة إلى 55 مقعدا، مقابل 54 مقعدا إذا انضم “شاس” منفردا، وفي الحالتين تبقى دون الأغلبية المطلوبة.
وتبرز أهمية هذه الحسابات عند مقارنتها بالدور المحتمل للأحزاب العربية، التي يمكن لمقاعدها الـ19 رفع عدد النواب الموصين بتكليف آيزنكوت إلى 67، إذا قررت جميعها دعمه.
إلا أن الحصول على أغلبية التوصيات أمام الرئيس الإسرائيلي لا يضمن بالضرورة تشكيل حكومة تحظى بأغلبية برلمانية مستقرة، ما يفسر بحث المعارضة عن بدائل، وفي مقدمتها استمالة الحزبين الحريديين.
خيار التحالف مع “الحريديم”
بدأ الحديث عن إمكانية استمالة الحريديم مع ظهور مؤشرات على تباين مواقف الحزبين بشأن استمرار التحالف مع نتنياهو، على خلفية الخلاف حول تسوية ملف التجنيد.
وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن استعداد داخل “يهدوت هتوراه” لبحث دعم حكومة بقيادة آيزنكوت، مقابل إقرار قانون يحمي طلاب المعاهد الدينية من التجنيد.
ونقلت عن مسؤول بارز في الحزب أن الإعفاء من الخدمة العسكرية سيكون شرطا أساسيا للتفاهم مع آيزنكوت.
وتعزز الحديث عن هذا الخيار عقب اجتماع قادة المعارضة اليهودية، الثلاثاء، في هرتسليا، وهو الأول لهم منذ الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي، دون دعوة قادة الأحزاب العربية.
وشارك في الاجتماع آيزنكوت وزعيم حزب “معا” نفتالي بينيت والقيادي فيه يائير لبيد، وزعيم “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، وزعيم حزب “الديمقراطيون” يائير غولان.
وبحسب القناة الـ12، أبدى المشاركون انفتاحا أكبر على تشكيل حكومة تضم الحريديم مقارنة بحكومة تعتمد على الأحزاب العربية، لكنهم أجلوا مناقشة التشكيل الحكومي إلى مرحلة لاحقة.
واتفقت أحزاب المعارضة على التوافق بشأن مرشح لرئاسة الكنيست بحلول الاثنين المقبل، دون الإعلان عن أسماء.
وعقب الاجتماع، أعلن قادة المعارضة توافقهم على ضرورة تشكيل “حكومة صهيونية في أقرب فرصة”، استنادا إلى 4 مبادئ طرحها آيزنكوت.
وتشمل هذه المبادئ الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية ومتساوية، والالتزام بقيم وثيقة إعلان الاستقلال، وفرض الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية على جميع المواطنين، وتصنيف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) “منظمة إرهابية” والعمل على القضاء على قدراتها العسكرية وسلطتها في قطاع غزة.
ويبرز هنا تناقض بين اشتراط آيزنكوت الخدمة العسكرية أو الخدمة البديلة للجميع، وتمسك الأحزاب الحريدية بحماية طلاب المعاهد الدينية من التجنيد، ما يجعل التوصل إلى اتفاق معها اختبارا لمبادئ المعارضة المعلنة.
كما يعكس الانفتاح على الحريديم رغبة قادة المعارضة في تشكيل حكومة يصفونها بـ”الصهيونية”، تقوم على الأحزاب اليهودية دون الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيلها أو ضمان استمرارها.
“شاس” يتمسك بنتنياهو
لكن آمال آيزنكوت في استمالة الحريديم تلقت ضربة، الثلاثاء، بإعلان حزب “شاس” أن “مجلس حكماء التوراة”، مرجعيته الدينية العليا، قرر التوصية أمام الرئيس إسحاق هرتسوغ بتكليف نتنياهو تشكيل الحكومة.
وبرر الحزب موقفه بتعهد نتنياهو بمواصلة العمل على تسوية الوضع القانوني لطلاب المعاهد الدينية، منتقدا ما وصفه بحملة الأحزاب اليسارية ضد الحريديم.
وفي مسعى للحفاظ على دعم حلفائه الحريديم، أكد نتنياهو أن حزب “الليكود” والمعسكر اليميني هما الوحيدان اللذان عملا وسيواصلان العمل على تقنين وضع طلاب المعاهد الدينية، بما يسمح لهم بمواصلة دراستهم.
وأوضح، وفق القناة الـ12، أن الحل المقترح جرى التوافق عليه مع قادة الحريديم، ويضمن تجنيد من لا يدرسون في المعاهد الدينية، مع الحفاظ على هويتهم الدينية.
أما “يهدوت هتوراه”، فلم يحسم موقفه بعد، وسط تقارير إسرائيلية عن احتمال امتناعه عن التوصية بأي مرشح خلال مشاورات الرئيس المقررة بدءا من الأربعاء.
وبذلك، أضعف تمسك “شاس” بنتنياهو احتمال انتقال مقاعد الحزبين الحريديين الـ13 معا إلى صفوف المعارضة، وهو السيناريو الذي كان سيمنح آيزنكوت أغلبية برلمانية دون الحاجة إلى أصوات الأحزاب العربية.
ومع استمرار الغموض بشأن موقف “يهدوت هتوراه”، تبقى الأحزاب الحريدية طرفا محوريا في حسابات تشكيل الحكومة، فيما تظل قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد العقبة الأساسية أمام أي تفاهم جديد معها.

