
روكب اليوم
Published On 19/7/2026
حققت الهند إنجازا جديدا في مسيرتها الفضائية بعد نجاح شركة “سكاي روت إيروسبيس” (Skyroot Aerospace) في إطلاق أول صاروخ مداري تطوره شركة خاصة داخل البلاد، ليصبح هذا الحدث محطة تاريخية في برنامج الفضاء الهندي، ويجعل الهند ثالث دولة في العالم يتمكن فيها القطاع الخاص من إيصال صاروخ إلى المدار بعد الولايات المتحدة والصين.
ويمثل هذا النجاح ثمرة مسيرة بدأت عام 2020 عندما قررت الحكومة الهندية فتح قطاع الفضاء أمام الاستثمارات والشركات الخاصة بعد عقود كان النشاط الفضائي خلالها حكرا على منظمة أبحاث الفضاء الهندية “إسرو” (ISRO).
وقد مهد هذا القرار لظهور عشرات الشركات الناشئة التي تسعى إلى اقتناص جزء من سوق الإطلاقات الفضائية التجارية المتنامي عالميا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listمن رحلة تجريبية إلى إنجاز مداري
انطلق صاروخ “فيكرام-1” (Vikram-1) صباح 18 يوليو/تموز 2026 من مركز “ساتيش داوان” الفضائي في “سريهاريكوتا” ضمن المهمة التي حملت اسم “آغامان”، وهي كلمة سنسكريتية تعني “الوصول”. وبعد نحو خمس عشرة دقيقة فقط من الإقلاع نجح الصاروخ في وضع حمولاته في مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 450 كيلومترا، معلنا نجاح أول رحلة مدارية للشركة.
وكان الإطلاق قد تأجل لبضع دقائق قبل استئنافه بعد مراجعة الأنظمة الفنية، إلا أن جميع مراحل الرحلة سارت وفق الخطة الموضوعة، حيث أكدت الشركة نجاح أنظمة الدفع، والملاحة، والتوجيه، والاتصالات، والقياس عن بعد، وهو الهدف الأساسي من هذه الرحلة التجريبية التي ستوفر بيانات مهمة للإطلاقات التجارية المستقبلية.
وقالت الشركة في بيان رسمي: “مهمة آغامان نجاح كبير، وسنجري عددا من الرحلات التجريبية قبل الانتقال إلى الإطلاقات التجارية المنتظمة”.
صاروخ صغير بإمكانات كبيرة
يبلغ ارتفاع “فيكرام-1” نحو 22 مترا، وصُمم لحمل حمولات تصل إلى 350 كيلوغراما إلى المدار الأرضي المنخفض، مستهدفا سوق الأقمار الصناعية الصغيرة الذي يشهد نموا متسارعا.
ويتكون الصاروخ من ثلاث مراحل تعمل بالوقود الصلب، إضافة إلى وحدة مدارية تعمل بالوقود السائل لإجراء المناورات النهائية، وتستخدم محركا مطبوعا بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وهي تقنية تطبق لأول مرة في برنامج إطلاق هندي بهذا المستوى، بحسب الشركة.
وحملت المهمة عددا من الحمولات التجريبية والتجارية من مؤسسات هندية ودولية، من بينها قمر تجريبي لشركة “غراها سبيس”، وتقنية تجريبية للشركة الألمانية “دي كيوبد”، وذراع روبوتية من شركة “كوزمو سيرف سبيس” مخصصة لالتقاط الحطام الفضائي مستقبلا، إضافة إلى القمر “سكوب” الذي طورته “سكاي روت” لمراقبة أداء الصاروخ أثناء الرحلة وجمع البيانات الهندسية.
بداية منافسة عالمية
تأسست شركة “سكاي روت” عام 2018 على يد المهندسين “بافان كومار تشاندانا” و”ناغا بهارات داكا”، وكلاهما عمل سابقا في منظمة أبحاث الفضاء الهندية، وحققت أول نجاح لها عام 2022 عندما أطلقت الصاروخ شبه المداري “فيكرام-إس”، لتصبح أول شركة خاصة تطلق صاروخا إلى الفضاء من الأراضي الهندية.
وقال المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة “بافان كومار تشاندانا” إن سوق إطلاق الأقمار الصناعية الصغيرة يعاني نقصا في خدمات الإطلاق مقارنة بالطلب المتزايد، مضيفا: “الطلب على الخدمات التي توفرها الأقمار الصناعية سيواصل النمو، وهنا تكمن فرصة سكاي روت”.
وخلال عام 2026 أصبحت الشركة أول شركة فضاء هندية ناشئة تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في مستقبل القطاع الفضائي الهندي.
اقتصاد فضائي بقيمة 44 مليار دولار
يتزامن هذا الإنجاز مع احتدام المنافسة العالمية في سوق الإطلاقات التجارية، حيث تتنافس الشركات الناشئة مع شركات كبرى مثل “سبيس إكس”، بينما تدعم حكومات عديدة في أوروبا وآسيا شركاتها المحلية لضمان استقلالية الوصول إلى الفضاء وتلبية الطلبين التجاري والدفاعي المتزايدين.
وتسعى الحكومة الهندية إلى رفع مساهمة اقتصاد الفضاء من نحو 8 مليارات دولار حاليا إلى 44 مليار دولار بحلول عام 2033، معتمدة على القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي لهذا النمو.
ووصف الفريق المتقاعد “إيه كيه بهات”، المدير العام لجمعية الفضاء الهندية، هذا الإنجاز بقوله: “يمثل الإطلاق المداري الناجح لفيكرام-1 محطة فارقة في رحلة الهند الفضائية، ويبرهن أن الصناعة المحلية أصبحت قادرة على تنفيذ المهمات الفضائية بصورة متكاملة”.
ويؤكد هذا النجاح أن مستقبل استكشاف الفضاء لم يعد حكرا على الوكالات الحكومية، بل أصبح ميدانا تتقاسم فيه الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية مسؤولية تطوير التقنيات وابتكار حلول جديدة.
ومع كل صاروخ جديد ينجح في بلوغ المدار، تتوسع آفاق المعرفة البشرية، ويترسخ الإيمان بأن الاستثمار في البحث العلمي والابتكار هو الطريق الأقصر نحو التنمية والتقدم وصناعة المستقبل.

