Site icon روكب اليوم

بعد عقود من الانتظار.. هل يفتح لبنان مطاره الثاني في الشمال؟ |

mtar rynh mcabfwd 1780621708

روكب اليوم

دخل ملف مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات مرحلة جديدة بعد سنوات طويلة من بقائه مطلبا إنمائيا وسياسيا مؤجلا في شمال لبنان، عقب إعلان وزارة الأشغال العامة والنقل إسناد تشغيل واستثمار المطار -في مايو/أيار الماضي- إلى شركة “سكاي لاونج”، في مرحلة تعيش فيها البلاد حربا إسرائيلية تغيّر المعادلات الداخلية.

ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم تجددها في مارس/آذار 2026 بعد وقف إطلاق نار هش استمر نحو 15 شهرا؛ عادت إلى الواجهة المخاوف اللبنانية من الاعتماد على مطار واحد هو مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، الذي واجه تهديدات إسرائيلية بذريعة استخدامه من قِبل حزب الله، وسط تهديدات أوسع للبنية التحتية في البلاد.

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد أعلن سابقا أن مطار رينيه معوض سيشهد حركة تطوير وتأهيل تمهيدا لبدء العمل فيه، وربط تشغيله بمشاريع إنمائية في الشمال. كما استعرض مع وزير الأشغال فايز رسامني -أمس الخميس- الاستعدادات الجارية لإطلاق مشروع تأهيل المطار، تمهيدا لتشغيله في المرحلة المقبلة.

عون (يسار) التقى وزير الأشغال والنقل فايز رسامني لبحث ملف إعادة تشغيل مطار رينيه معوض (الوكالة الوطنية للإعلام)

ما الجديد في الملف؟

أعلن وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني -في 19 مايو/أيار الماضي- فضّ العروض في مزايدة عمومية لتلزيم تشغيل واستثمار مطار رينيه معوض، ورست المزايدة على شركة “سكاي لاونج” اللبنانية.

ووصفت الوزارة الخطوة بأنها محطة مفصلية على طريق إعادة تشغيل ثاني مطار مدني في لبنان بعد عقود من الانتظار.

وشركة “سكاي لاونج” هي شركة لبنانية تعمل في قطاع الطيران الخاص وخدمات المناولة الأرضية، وتتخذ من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت مقرا لها.

وذكرت تقارير لبنانية أن العقد يمتد لأربع سنوات، تحصل الدولة بموجبه على 8% من صافي الأرباح، مع حد أدنى مضمون قدره 200 ألف دولار سنويا، على أن تستفيد الشركة من إعفاءات لفترة محددة مقابل إنشاء مبنى مؤقت وتجهيزه خلال 90 يوما.

ومن المتوقع أن تبدأ الشركة المتعهدة -بعد نحو ثلاثة أشهر- أعمال هدم المبنى القديم وإنشاء صالة مسافرين صغيرة، على أن تستغرق الورشة قرابة عام، مما يرجّح ألا يُفتح المطار أمام الرحلات المدنية قبل النصف الثاني من عام 2027، وفق وسائل إعلام لبنانية.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد عقد اجتماعا -في السراي الحكومي يوم 21 مايو/أيار- خُصص للتحضيرات المرتبطة بإعادة تشغيل المطار، بحضور وزيريْ الداخلية والأشغال ورئيس جهاز أمن المطار، وجرى بحث الإجراءات الأمنية واللوجستية المطلوبة للمرحلة المقبلة.

أين يقع المطار؟

يقع مطار رينيه معوض -المعروف أيضا باسم مطار القليعات- على الساحل الشمالي للبنان في منطقة عكار، على بعد نحو 7 كيلومترات من الحدود اللبنانية السورية، ونحو 25 كيلومترا من مدينة طرابلس.

وتبلغ مساحته حوالي 5.5 ملايين متر مربع، مما يجعله واحدا من أكبر المرافق الجوية غير المشغلة مدنيا في البلاد.

وأنشأ الحلفاء المطار عام 1941 كمطار عسكري خلال الحرب العالمية الثانية، ثم استخدمته شركة نفط العراق في ستينيات القرن الماضي لأغراض مدنية محدودة، قبل أن يتسلمه الجيش اللبناني عام 1966 ويحوله إلى قاعدة عسكرية استُخدمت حينها لتمركز طائرات “الميراج” الفرنسية.

تبلغ مساحة مطار رينيه معوض حوالي 5.5 ملايين متر مربع (الصحافة اللبنانية)

لماذا يحمل اسم رينيه معوض؟

اكتسب المطار رمزية سياسية بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. ففي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، عقد مجلس النواب جلسة في إحدى قاعاته أقر خلالها وثيقة الطائف، وأعاد انتخاب حسين الحسيني رئيسا للمجلس، وانتخب النائب رينيه معوض رئيسا للجمهورية.

وبعد اغتيال معوض في 22 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أُطلق اسمه على المطار.

واستخدمت شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية المطار لفترة محدودة خلال الحرب اللبنانية، ولا سيما بين عاميْ 1988 و1990، لتسيير رحلات داخلية بين بيروت والشمال بسبب صعوبة التنقل البري آنذاك.

ما وضعه الحالي؟

يُستخدم المرفق في وضعه الحالي لأغراض عسكرية ولوجستية مرتبطة بالجيش اللبناني، بعدما تحول منذ عام 1966 إلى قاعدة جوية.

ولا يضم مبنى المطار -بشكله الحالي- مرافق وخدمات تشغيل مدني كاملة كصالات سفر وجوازات وجمارك.

وفي نهاية مايو/أيار الماضي، هبطت في المطار ثلاث طائرات مدنية على متنها موظفون وفنيون من المديرية العامة للطيران المدني، وذلك في إطار تنفيذ اختبارات أرضية لمدرج المطار، وتقييم مدى ملاءمته تقنيا وفنيا لاستقبال طائرات مدنية أكبر، بحسب صحيفة النهار اللبنانية.

ما أهمية إعادة تشغيله؟

تكتسب إعادة تشغيل مطار رينيه معوض أهمية مضاعفة في ظل اعتماد لبنان شبه الكامل على مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت بوصفه المنفذ الجوي الأساسي للبلاد.

فوجود مطار مدني ثانٍ في الشمال يمنح الدولة هامشا أوسع في أوقات الأزمات، سواء لتأمين رحلات بديلة أو استقبال مساعدات أو تخفيف الضغط عن مطار بيروت عند حدوث توترات أمنية.

كما يحمل المشروع بعدا إنمائيا، إذ يمكن أن ينعش اقتصاد عكار والشمال الذي يعد من أكثر المناطق المهمشة اقتصاديا في لبنان، عبر خلق فرص عمل في قطاعات النقل والخدمات الأرضية والسياحة والشحن والصيانة واللوجستيات.

ولا يقتصر الأمر على البعد الاقتصادي، بل يتصل أيضا بكسر المركزية المفرطة حول بيروت، ومنح الشمال بنية تحتية سيادية واقتصادية قادرة على خدمة أبنائه والمغتربين القادمين إليه، خصوصا إذا ارتبط المطار بمرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة.

لماذا بقي الملف معلقا؟

تكرر طرح إعادة فتح مطار القليعات منذ أكثر من خمسين عاما من دون أن يصل إلى التشغيل المدني المستدام، بسبب غياب التوافق السياسي حوله، وتبدُّل الأولويات الحكومية، إضافة إلى هواجس أمنية مرتبطة بقربه من الحدود السورية، وحاجته إلى ترتيبات جوية مع دمشق خلال حكم الأسد، فضلا عن كلفة التأهيل والتمويل.

وقدّرت معطيات -صدرت في عام 2012- كلفة تأهيل هذا المطار بنحو 200 مليون دولار، إضافة إلى استملاكات تقارب مليونيْ متر مربع، على أن يحتاج التنفيذ إلى نحو أربع سنوات، وفق لجنة الأشغال النيابية اللبنانية.

وفي عام 2013، أصدرت “الدولية للمعلومات” -وهي شركة دراسات وأبحاث في بيروت- تقريرا اعتبر أن تأمين اعتماد بنحو 200 مليون دولار لتشغيله ممكن إذا توافر التوافق السياسي، وأن المرحلة الأولى قد لا تحتاج إلى أكثر من 32 مليون دولار، مع فوائد متوقعة في تخفيف الازدحام عن مطار بيروت وتنشيط منطقة الشمال.

غير أن هذه التقديرات تبقى مرتبطة بسياق قديم، ولا تعكس بالضرورة كلفة التشغيل اليوم بعد سنوات من الانهيار المالي والأزمة الاقتصادية في لبنان، وتغير المعايير الأمنية والتقنية.

كذلك، أشارت “الدولية للمعلومات” حينها إلى أن الممانعة في ذلك الوقت لم تكن محصورة في الداخل اللبناني، بل شملت موقفا أمريكيا رافضا لأسباب غير واضحة.

ويكتسب هذا المعطى دلالته من سياق عام 2012، حين كانت الحرب السورية في ذروتها، فموقع المطار القريب من الحدود يجعله مرتبطا عمليا بالمجال الجوي السوري، إذ تحتاج الطائرات إلى المرور في الأجواء السورية قبل الهبوط في القليعات.

ولم ترد أي معلومات جديدة عن موقف أمريكي من إعادة تشغيل المطار، أو تأكيد من الحكومة اللبنانية بخصوص التواصل مع الحكومة السورية الجديدة للتنسيق بهذا الشأن.

ما علاقة تشغيله بحزب الله؟

يحمل تشغيل المطار بعدا سياديا لا يمكن فصله عن النقاش اللبناني حول نفوذ حزب الله وسيادة الدولة.

ويقول مؤيدو تشغيل مطار القليعات إن وجود مطار ثانٍ يخفف احتكار بيروت للمعابر الجوية، ويحدّ من قدرة أي قوة سياسية أو أمنية على التأثير غير المباشر في حركة البلاد عبر نقطة حيوية واحدة.

ويندرج هذا النقاش ضمن سؤال أوسع عن استعادة الدولة سيطرتها على المرافئ والمعابر والبنى الإستراتيجية. لذلك تبدو إعادة تشغيل القليعات -إن تمت بإشراف الدولة والجيش والأجهزة المدنية- خطوة لتعزيز سيادة الدولة وتعدد منافذها.

Exit mobile version