روكب اليوم
أما اليوم، فلم يعد القرار بهذه البساطة. فالفنان قد يواصل حضوره ه رغم تقدمه في السن وتغيّر قدراته، فيما يتردد السؤال الأصعب: متى يكون الاستمرار وفاءً للفن والجمهور، ومتى يصبح تمسكا بصورة لم تعد كما كانت؟
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
حين تصبح البطولة جزءا من شخصية الفنان
من الزاوية الفنية، يرى الناقد المصري طارق الشناوي أن مسألة الاعتزال ترتبط بقضية شائكة وحساسة لها علاقة مباشرة بالتكوين النفسي للفنان. فبعض الفنانين لا يتقبلون الانتقال من البطولة المطلقة إلى أدوار ثانية أو موازية، ويفضلون الابتعاد على الظهور في موقع لم يعد يشبه الصورة التي عرفهم الجمهور بها.
ويضرب الشناوي مثالًا بفنانات مثل فاتن حمامة وماجدة، اللتين لم تتقبلا الانتقال إلى موقع البطلة الثانية، بخلاف مديحة يسري ومريم فخر الدين، ومن الفنانين عماد حمدي. لذلك قلّلت فاتن حمامة وماجدة ظهورهما الفني والإعلامي في سنواتهما الأخيرة، بينما كانت هند رستم قد اختارت الاعتزال مبكرا عام 1979، وهي لا تزال في أوج نجوميتها.
صباح.. حين يصبح التراجع واضحا
ويضيف: “أما لدى المطربين، فيدخل عامل القدرة الصوتية بصورة مباشرة؛ إذ يفرض التقدم في العمر تغيرات على الصوت، وإن كانت الخبرة التي يكتسبها الفنان تمنحه أحيانًا القدرة على تجاوز جزء من هذا المأزق”.
ويشير الشناوي إلى صباح التي واجهت في سنواتها الأخيرة مطالبات باعتزالها بعدما بدأ صوتها يتأثر بتقدمها في العمر، في وقت لم تكن فيه تقنيات التجميل والشد متطورة بالقدر الذي بلغته لاحقا. ومع ذلك، بقيت صباح متمسكة بحضورها حتى اللحظة الأخيرة.
كيف تعاملت أم كلثوم مع الزمن؟
في المقابل، تقدم أم كلثوم، بحسب الشناوي، نموذجا مختلفا في التعامل مع الزمن. فقد توفيت في الخامسة والسبعين، ولتراجع قدراتها الصوتية قامت بتسجيل أغنية “حكم علينا الهوى” ولم تقدمها على المسرح. وبعد وفاتها، اكتُشف أنها أجرت بروفات على العود لـ5 ألحان جديدة لكبار الملحنين، بينهم رياض السنباطي، لكنها لم ترَ النور.
وهذا يعني، كما يرى الشناوي، أنها لم تكن تنوي التوقف عن الغناء، وإن كان الصعود إلى المسرح قد أصبح أكثر صعوبة. وكانت أم كلثوم مدركة لتراجع صوتها، إذ كانت “الأطلال” آخر ذروة صوتية لها عام 1966. لذلك بدأ بليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي يراعون قدراتها الجديدة في اختيار المقامات، ويتجنبون وضعها في مواجهة الطبقات الصوتية العليا التي قد ترهق صوتها أو تعرضه للشرخ.
ويخلص الشناوي إلى أن تراجع الفنان لا يعني بالضرورة أن تكون ردة فعله الانسحاب، بل يمكنه إعادة صياغة حضوره عبر مقايضة بين ما يستطيع تقديمه وما ينتظره الجمهور. ويستشهد بجورج وسوف ومحمد منير، موضحا أن حب الجمهور قد يخفف وطأة التراجع؛ ففي حالة الوسوف تراجعت حالته الجسدية والصوتية بوضوح، لكن حضوره الشخصي وطلته وحب الناس له أصبحوا في أحيان كثيرة أقوى من حضوره الصوتي.
حب الجمهور “شفاعة”
لكن الصورة التي يراها الفنان من موقعه قد تختلف عما يراه الجمهور. ومن هذه الزاوية، يصف الناقد الفني الدكتور جمال فياض قرار الاعتزال بأنه موضوع “شائك جداً”، لا سيما عندما يحظى الفنان بحب جماهيري جارف.
ويرى فياض أن قلب الجمهور لا يطاوعه على مطالبة نجمه المفضل بالاعتزال، بل يتعامل معه بمحبة تشبه حب الوالدين لابنهما؛ إذ يظلان متعلقين به في قوته وضعفه، وفي صحته ومرضه.
ويميز فياض بين نموذجين من الفنانين؛ أولهما الفنان الذي بلغ من النجاح ومحبة الناس ما يجعل حضوره مستمرا حتى في غيابه. ويضرب مثالا بفيروز، موضحا أن جمهورها قد يكتفي بظهورها ولو اقتصر على التلويح بيدها، لأن مكانتها تجاوزت الحاجة إلى تقديم أداء فني جديد في كل مرة.
أما النموذج الثاني، فيستشهد عليه بنجاة الصغيرة؛ فقد كان الجمهور متشوقا لرؤيتها، لكن ظهورها لم يلقَ رد الفعل الإيجابي المتوقع. ومن هنا، يرى فياض أن الفنان الذي يرغب في الاستمرار أمام الجمهور عليه أن يختار بعناية كيف يظهر، ومتى، ولماذا؟
ويضيف فياض: “وفي المقابل، هناك فنانون ما زالوا يغنون ويقفون على المسرح، والناس من شدة حبها لهم مستعدة للوقوف أمامهم ومشاهدتهم والغناء معهم، وكأن المسألة أصبحت بين أصدقاء “قاعدين مع بعض”. ويصبح لدى الفنان ما يشبه “الشفاعة” التي تجعله يتجاوز أي تراجع يراه الجمهور فيه.
الناقد بين الحقيقة والمجاملة
ويكمل فياض قائلا: “لكن هذه المحبة تضع الناقد أمام معضلة أخرى: “ويله يقول الحق”، فقول الحقيقة قد يكون جارحا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفنان له تاريخ لا يمكن تجاهله.
لذلك يؤكد فياض أنه ضد القسوة على الفنان صاحب التاريخ، الذي تحول إلى “أيقونة”، وحتى النصيحة في رأيه يجب أن تقدم “بخفر وحذر وذوق ولياقة”، لا بقسوة أو جلد.
كما يرى أن أسوأ أشكال الاعتزال هو الانسحاب المتردد: أن يغيب الفنان عاما ثم يعود للظهور قبل أن يختفي مجددا، لأنه بذلك “يضيّع هيبته”. ويختصر موقفه بشعاره: “الغيبة هيبة للفنان”؛ فإما أن يقرر الغياب، أو أن يبقى ويعرف كيف يستمر بذكاء.
ما الذي يخشاه الفنان بعد الأضواء؟
لا تتعلق صعوبة الاعتزال دائما بعجز الفنان عن إدراك تراجع قدراته. فالدكتورة ليلى شحرور، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي والإعلامي، ترى أن الفن ليس مجرد مهنة، بل هو جزء أساسي من هوية الفنان وقيمته الاجتماعية؛ فهو لا يقول: “أعمل فنانا”، وإنما “أنا فنان”.
ولهذا قد يبدو الاعتزال كأنه تخلٍّ عن الهوية، لا مجرد توقف عن العمل. كما يفقد الفنان المكافآت النفسية التي تمنحه إياها الشهرة، مثل التقدير والشعور بالتأثير، وقد يسمع دعوة الاعتزال كأنها رسالة تقول له: “حان الوقت لتتوقف عن أن تكون الشخص الذي كنت عليه”.
ويضاف إلى ذلك الخوف من النسيان بعد سنوات من الشهرة، مما يدفع بعض الفنانين إلى الظهور بين حين وآخر، وكأنهم يقولون للجمهور: “ما زلنا هنا”.
وقد يتفاقم الصراع عندما يحتفظ الفنان في ذهنه بصورته الشابة، بينما يواجه جسدا تغير بفعل الزمن، خصوصا إذا كانت نجوميته مرتبطة بالمظهر. عندها قد يتمسك بقدرته على الاستمرار، هربا من الاعتراف بتغير صورته ومكانته.
وترى ليلى أن الانتقال من الأضواء ومركز الاهتمام إلى حياة عادية قد يخلق شعورا بالفراغ والحنين إلى زمن النجومية. ومن هنا تطرح السؤال الأعمق: “هل يخاف الفنان اعتزال الفن، أم يخاف اعتزال الصورة التي صنعها لنفسه ولجمهوره؟ وهل يستطيع الانتقال من دور البطولة إلى دور الحكمة من دون أن يشعر بأنه أصبح خارج المشهد؟”.
وفي غياب معيار واضح يحدد موعد الاعتزال، يظل القرار فرديا، تتداخل فيه القدرة والعمر وطبيعة الحضور وعلاقة الفنان بجمهوره. فلم يعد السؤال مقتصرا على قدرة الفنان على الاستمرار، بل يشمل أيضا قدرته على تقبل ما يفرضه الزمن على مسيرته وصورته أمام الناس.

