
روكب اليوم
Published On 16/7/2026
داخل خيمة كبيرة في جنوب قطاع غزة يرتدي متطوعون قفازات جراحية، حاملين فرش طلاء وينظفون لوحة فسيفساء حجرية بعناية فائقة قبل وضعها في المخزن، وذلك ضمن جهود الحفاظ على التراث الثقافي الذي دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.
وبحسب الأمم المتحدة، فقد تضرر أكثر من 160 موقعا تاريخيا وثقافيا في الأراضي الفلسطينية خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ويعود تاريخ العديد من هذه القطع الأثرية إلى آلاف السنين.
ويقول محمد أبو لاهيا، وهو فنان تشكيلي فلسطيني يشارك في جهود الترميم في مدينة خان يونس بجنوب غزة: “فُقدت أو دُمرت العديد من لوحات الفسيفساء، كليا أو جزئيا”.
ويضيف: “من المهم أن نعمل على إحياء هذا الفن، وتذكير أبنائنا ومجتمعنا به، وإيصال رسالة إلى العالم مفادها أننا ملتزمون بتراثنا وقضيتنا الفلسطينية”.
وإلى جانب الكنوز الأثرية، تتعرض القطع الأثرية الحديثة أيضا لخطر التلف أو الدفن تحت الأنقاض جراء القصف والغارات الجوية. وبحسب الأمم المتحدة، تضرر أو دُمر أكثر من 90% من مباني غزة خلال النزاع.
إرث تاريخي
على مرّ القرون، ترك الفرس واليونانيون والرومان والبيزنطيون والعثمانيون بصماتهم على غزة، فخلفوا مشهدا تاريخيا غنيا بالكنائس والمساجد والموانئ والتحف، التي تضرر الكثير منها خلال النزاع.
يقول مهند أبو لاهيا، مرشد التراث الثقافي في جمعية مياسيم للثقافة والفنون، وهي المنظمة غير الحكومية التي تقود جهود الحفاظ على التراث “هذا الحجر قطعة تُسمى هاونا، وكان يُستخدم لطحن الحبوب والأعشاب. عمره حوالي 5000 عام”.
وخلفه، كانت القطع الأثرية المفهرسة والمخصصة للحفظ مكدسة على رفوف خشبية داخل حاويات بلاستيكية مقاومة للعوامل الجوية.
تحدي القيود
ومع فرض إسرائيل حصارا وقيودا مشددة على البضائع الداخلة إلى قطاع غزة -وهي قيود ساهمت أحيانا في نقص حاد في الغذاء والإمدادات الأخرى- اضطر المتطوعون للعمل دون معدات ترميم احترافية.
وبدلا من ذلك، قاموا بإزالة الغبار برفق عن الفسيفساء باستخدام فرش طلاء عادية، وأنشؤوا محطة مسح ضوئي مؤقتة بتثبيت كاميرا فوق صندوق مبطن بورق أسود.
وسمح الماسح الضوئي المرتجل للمتطوعين برقمنة الصور الفوتوغرافية القديمة والوثائق الورقية، التي تم نقلها بعد ذلك إلى جهاز حاسوب لحفظها.
ويعود تاريخ العديد من القطع إلى القرن العشرين، بما في ذلك أواخر العصر العثماني، وفترة الانتداب البريطاني، والإدارة المصرية. وقد سعى أصحابها إلى إنقاذها من التلف أو الضياع بعد تهجيرهم.
قالت المتطوعة تغريد حجاري، البالغة من العمر 29 عاما “هذا أرشيف ورقي يحتوي على خرائط خان يونس وخرائط هيكلية لمنطقة خان يونس من زمن الانتداب البريطاني”.
وعلى إحدى الطاولات، أعادت ثلاث نساء ترتيب مئات القطع بدقة عالية لإعادة إنشاء فسيفساء معاصرة، مستخدمات نسخة مطبوعة من العمل الفني الأصلي دليلا، وقصّ الزوائد الحجرية باستخدام كماشة النجارة.
ومع ذلك، لا تزال العديد من القطع الأثرية خارج ما يُسمى بـ”الخط الأصفر”، الذي يفصل الأراضي التي سُمح لأهالي القطاع بالنزوح إليها عن المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلية.
وتقول إسرائيل إنها تسيطر الآن على أكثر من 60% من قطاع غزة، بعد أن كانت تسيطر على نحو النصف عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
ويقول متطوعون إن استعادة القطع الأثرية من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل لا تزال بالغة الصعوبة. لكن حجاري قالت إن الجهود مستمرة للحفاظ على كل ما هو في متناول اليد، بما في ذلك الوثائق التي تؤرخ قرونًا من تاريخ غزة.
وأضافت: “لدينا أيضا صحف ووثائق هنا من عهد الانتداب البريطاني والعهد المصري وحتى وصول السلطة الفلسطينية، جُمعت هذه الوثائق من خلال زيارات ومحادثات مع السكان المسنّين، ووثقنا رواياتهم الشفوية لتكون مرجعًا للأجيال القادمة”.

