Site icon روكب اليوم

تربية الخيل في تونس.. إرث واستثمارات يصطدمان بارتفاع التكلفة وتراجع الدعم | ثقافة

image 1784381306

روكب اليوم

تونس – بين وقع الحوافر في ساحة تدريب ترابية وأصوات الريح التي تمر بين المرابط، يربت الصادق اليفرني على عنق حصانه قبل أن يمنحه إشارة مألوفة. ينطلق الجواد في سلسلة حركات مدروسة، يرفع قائمتيه الأماميتين ثم يدور حول فارسه في انسجام يعكس سنوات من التدريب المتواصل.

لا جمهور هنا ولا تصفيق، فالمشهد جزء من التمارين اليومية التي يحافظ بها اليفرني على جاهزية حصانه استعدادا للعروض التقليدية.

يقول اليفرني للجزيرة نت إن الفروسية بالنسبة إليه ليست مجرد هواية، بل إرث عائلي تناقلته الأجيال، غير أن هذا الإرث بات يواجه ضغوطا متزايدة تهدد استمراره، في ظل ارتفاع كلفة التربية وتراجع الدعم.

بروز سياحة ركوب الخيل في المنتزهات و المركبات الرياضية (الجزيرة)

هوية محلية

لا تُختزل الفروسية في تونس في مهارة ركوب الخيل أو العروض الاستعراضية، بل ترتبط بمنظومة ثقافية واجتماعية متجذرة في التاريخ، توارثتها العائلات جيلا بعد جيل باعتبارها جزءا من الهوية المحلية.

من جانبه، أكد الفارس فتحي اليفرني للجزيرة نت أن الحفاظ على هذا الإرث أصبح مكلفا للغاية، موضحا أن أسعار الأعلاف والرعاية البيطرية ومستلزمات الخيل من سروج وصفائح وأدوية ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما جعل الاستمرار في تربية الخيل تحديا يوميا.

وأضاف أن عددا من المربين اضطروا إلى بيع خيولهم بعدما أصبحت الكلفة تفوق قدرتهم المالية، معتبرا أن هذا الإرث الثقافي لا يحظى بالدعم الكافي من الدولة رغم رمزيته في المهرجانات والأعراس.

وتعود جذور الخيول البربرية في تونس، وفق المؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيل، إلى أكثر من ألف سنة قبل الميلاد لدى قبائل شمال أفريقيا، حيث استُخدمت في فترات تاريخية مختلفة، من الحقبة القرطاجنية بقيادة حنبعل إلى الفتوحات الإسلامية التي أدخلت الخيول العربية إلى البلاد، لتتشكل عبر القرون هوية فروسية محلية خاصة.

الفروسية إرث ثقافي قديم في تونس (الجزيرة)

ولا تزال الخيول إلى اليوم حاضرة في الأعراس والمهرجانات الشعبية، حيث تقدم عروض الفروسية بلباس تقليدي وحركات مدروسة يتطلب إعدادها تدريبات طويلة. غير أن المقابل المالي لها لا يتجاوز في الغالب 150 دينارا (نحو 50 دولارا)، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء محدود من التكاليف.

وأشار الصادق اليفرني إلى أن كلفة الحصان الواحد تتراوح بين 3000 دينار (نحو 1000 دولار) و5000 دينار (نحو 1700 دولار) سنويا دون احتساب الأدوية والصفائح والرعاية البيطرية، في وقت يتراجع فيه الإقبال على عروض الفروسية بشكل ملحوظ.

عدد من المربين بدؤوا في التخلي عن خيولهم بسبب غلاء التكلفة (الجزيرة)

تحديات

لا تقتصر التحديات على الفروسية التقليدية، بل تمتد إلى قطاع تربية الخيل الموجه للرياضة والسباقات والسياحة الفروسية، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع المتطلبات التقنية والتدريبية.

ويؤكد الطبيب البيطري المتخصص في طب الخيول أمين الرقيعي للجزيرة نت أن طبيعة تربية الخيل تختلف جذريا حسب الغاية من استخدامها، فهناك خيول مخصصة للعروض التراثية، وأخرى للسباقات، وأخرى لرياضات القفز على الحواجز أو القدرة والتحمل، ولكل منها برامج تغذية ورعاية مختلفة.

ويضيف أن الخيول الرياضية تحتاج إلى أعلاف خاصة ومكملات غذائية دقيقة، إلى جانب متابعة بيطرية مستمرة وتدريب منتظم، ما يرفع كلفتها بشكل كبير مقارنة بالخيول المخصصة للترفيه أو العروض التقليدية.

ويشير الرقيعي إلى أن قطاع الخيل في تونس يشهد منذ تسعينيات القرن الماضي تراجعا تدريجيا، نتيجة تقلص دور الدولة وانخفاض نشاط سباقات الخيل، إضافة إلى غياب الدعم سواء في الأعلاف أو التحفيزات، وهو ما أدى إلى عزوف عدد من المربين عن الاستمرار.

وتعد الأعلاف من أبرز أعباء المربين، إذ يتراوح سعر كيس العلف المركب بين 35 دينارا (نحو 12 دولارا) و50 دينارا (نحو 17 دولارا)، بينما يبلغ سعر قنطار الشعير نحو 50 دينارا، إلى جانب تكاليف الأدوية والمكملات الغذائية الضرورية لصحة الخيول.

تملك تونس حوالي 25 ألف حصان من مختلف السلالات الموجودة في البلاد (الجزيرة)

شغف مرهِق

من ناحيته، يمثل محمد أنور الزكري أحد المربين الذين قضوا أكثر من 35 عاما في تربية الخيل العربية الأصيلة. يقول إن هذا المجال يقوم على الشغف قبل أي شيء آخر، لكنه أصبح اليوم مرهقا ماديا.

ويضيف للجزيرة نت أن الحصان العربي يحتاج إلى عناية يومية دقيقة، وتغذية خاصة، ووقتا طويلا من التدريب، غير أن غياب الدعم العمومي لجميع مجالات الفروسية، سواء في السباقات أو القفز أو التربية، جعل استمرار المربين أكثر صعوبة.

وتضم تونس، وفق المؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيل، نحو 26 ألف رأس من الخيل، تشكل الخيول العربية البربرية والبربرية حوالي 20 ألفا منها، إلى جانب ما بين 5 آلاف و6 آلاف من الخيول العربية الأصيلة، ونحو ألف من الخيول الإنجليزية، إلى جانب سلالات محلية نادرة.

وتتفاوت أسعار الخيول العربية في تونس بشكل كبير حسب العمر والنسب والتدريب، إذ تبدأ من حوالي 2000 دينار (نحو 700 دولار) للمهرات، وقد تتجاوز 50 ألف دينار (نحو 17 ألف دولار) للخيول المشاركة في البطولات، ما يجعل هذا القطاع قائما بين الهواية والاستثمار في آن واحد.

وفي سياق متصل بأزمة قطاع الخيل الرياضية، يقول رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالخيول البربرية منجي كرعود للجزيرة نت إن الفاعلين في القطاع يواجهون “غضبا متزايدا” بسبب تواصل تدهور وضع سباقات الخيل.

وأضاف كرعود أن قطاع السباقات عرف تراجعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، إذ انخفض عددها من نحو 90 سباقا سنويا إلى حوالي 48 فقط، بالتوازي مع تراجع الميزانية المخصصة للجوائز، ما انعكس سلبا على منظومة تربية الخيول ككل.

الحصان العادي الاستعراضي يستهلك بين 3000 و 5000 دينار سنويا (الجزيرة)

مرحلة دقيقة

من جانبها، أكدت وزارة الزراعة -في بيان لها- اهتمامها بدعم القطاع وتذليل الصعوبات التي تعترضه مع الحفاظ على البنية التحتية وتهيئتها. ودعا وزير الزراعة عز الدين بن الشيخ -خلال زيارة سابقة إلى إسطبل سيدي ثابت بمحافظة أريانة- إلى إعطاء أهمية أكبر للقطاع العام ومزيد من تأطير المربين لتنمية قطاع تربية الخيل والتحسين الوراثي للخيول.

بينما تتقاطع الفروسية التقليدية مع الرياضة والسياحة والاستثمار، يتفق المربون والاختصاصيون على أن القطاع يعيش مرحلة دقيقة، تتطلب إعادة نظر في آليات دعمه وتنظيمه.

ففي ظل ارتفاع التكاليف وتراجع المداخيل، يخشى الفاعلون في هذا المجال أن يتحول هذا الموروث الممتد لقرون إلى نشاط محدود النطاق، إذا لم تُعتمد سياسات تحافظ على الخيل بوصفها جزءا من التراث التونسي من جهة، وقطاعا اقتصاديا وسياحيا واعدا من جهة أخرى.

 

Exit mobile version