Site icon روكب اليوم

تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.. بورتسودان تصدّر حربها للإقليم

تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.. بورتسودان تصدّر حربها للإقليم

تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.. بورتسودان تصدّر حربها للإقليم


روكب اليوم
2026-10-20 09:07:00

ويزيد من خطورة هذا المسار اعتماد الجيش في معاركه على جماعات وميليشيات مرتبطة بالحركة الإسلامية، تمتلك مشروعا سياسيا يتجاوز استعادة سلطة الدولة إلى إعادة بناء نفوذ النظام السابق وتصدير الإرهاب.

وقد وثقت مصادر أوروبية ودولية قتال كتيبة البراء بن مالك الإسلامية إلى جانب القوات المسلحة السودانية، بينما كشفت تقارير صحفية دولية أن شبكات إسلامية وفرت للجيش مقاتلين ودعما عسكريا وبيروقراطيا وماليا، وأن بعض وحداتها تستخدم الأسلحة والمدفعية والمسيّرات بأوامر من الجيش.

مجزرة في سوق أبيي

جاء أحدث إنذار إقليمي من سوق أميت في منطقة أبيي الغنية بالنفط بجنوب السودان والمتنازع عليها مع السودان.

وقال وزير الإعلام المكلف في إدارة المنطقة يوهانا أكول نقور، إن مسيّرات قصفت السوق الإثنين، مما أدى، وفق حصيلة أولية، إلى مقتل 73 شخصا وإصابة 19 آخرين، واتهم المسؤول الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم.

وأكدت منظمة أطباء بلا حدود أنها استقبلت أكثر من 20 مصابا في مستشفى أميث بيك، بينهم حالات حرجة ومصابون بحروق، مما يدعم وقوع هجوم واسع وخسائر بشرية كبيرة.

واستدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير سلطة بورتسودان لدى جوبا، وأبلغته احتجاج الحكومة وقلقها العميق من الهجوم وانعكاساته على أمن المدنيين واستقرار أبيي، وطالبت السلطات في بورتسودان بالامتناع عن الأعمال التي تهدد المدنيين وممتلكاتهم، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرارها، ومعالجة قضايا المنطقة عبر القنوات الدبلوماسية.

ومنطقة أبيي متنازع عليها بين البلدين وتخضع لترتيبات إدارة مشتركة، ولم يحسم وضعها النهائي منذ انفصال الجنوب عام 2011.

ويعتبر سوق أميت مركز تجاري يخدم مجتمعات “الدينكا نقوك” و”المسيرية” والنازحين من حرب السودان، واستهدافه ينقل آثار القتال مباشرة إلى واحدة من أكثر المناطق الحدودية حساسية.

ويُعد القصف انتهاكا خطيرا، يضع سلطة بورتسودان أمام أزمة دبلوماسية مع جوبا، ويفتح الباب أمام احتكاك عسكري في منطقة تنتشر فيها جماعات مسلحة وقوات دولية وتتنازعها مطالب سيادية متعارضة.

سابقة تشاد

حادثة أبيي لم تأت من فراغ، ففي أغسطس الماضي اتهم الجيش التشادي القوات المسلحة السودانية وجماعات متحالفة معها بقصف قافلة مركبات داخل إقليم إنيدي الشرقي، بعد مطاردتها إلى مسافة تجاوزت مئة كيلومتر داخل الأراضي التشادية.

ووضعت نجامينا قواتها في حالة تأهب، وأعلنت احتفاظها بحق الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها.

وأدان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس غارات الجيش السوداني، محذرا من امتداد الحرب خارج الحدود وتهديدها السلام والاستقرار الإقليميين، كما دعا رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف إلى احترام سيادة الدول وحرمة الحدود وممارسة أقصى درجات ضبط النفس.

ويكشف الانتقال من حادثة تشاد إلى قصف أبيي عن نمط يثير القلق، يشمل استخدام المجال الحدودي امتدادا للمسرح العسكري السوداني، من دون اعتبار كاف للحدود وسيادة دول الجوار أو للخسائر المدنية أو لاحتمالات الرد من الدول المجاورة.

جبهة إثيوبيا والاتهامات المنفية

أما الجبهة الأخطر فتقع شرقا، ففي سبتمبر أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي و6 جماعات مسلحة أخرى تأسيس “تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء”، وقالت إن هدفها إسقاط الحكومة المركزية في أديس أبابا.

وبعد أيام، اندلع قتال واسع بين التحالف الذي تقوده جبهة تيغراي المتمردة والقوات الفيدرالية، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من فرض سيطرتها وتستعيد مناطق رئيسية، بينها أجزاء واسعة من إقليم تيغراي وعاصمته ميكيلي.

واتهم قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا القوات المسلحة السودانية، إلى جانب إريتريا، بدعم المعارضة المسلحة، وكررت أديس أبابا لاحقا اتهام الجيش السوداني وسلطة بورتسودان بمساندة التحالف المتمرد.

عودة سياسة المحاور والميليشيات

وترتبط هذه التحركات بتحول أعمق داخل معسكر الجيش، فقد أصبح قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أكثر اعتمادا على شبكات النظام السابق والميليشيات الإسلامية في التجنيد والقتال وإدارة أجهزة الدولة.

وكشفت تقارير صحفية دولية، استنادا إلى مصادر عسكرية، أن الإسلاميين ساهموا بآلاف المقاتلين، ودربوا أعدادا كبيرة من المستنفرين، بينما أقر قيادي في كتيبة البراء بن مالك أن عناصرها تحصل، بأوامر الجيش، على أسلحة خفيفة ومدفعية ومسيّرات.

وبينما ينفي البرهان وجود ارتباط مع الحركة الإسلامية (الإخوان)، فإن الوقائع الميدانية تثبت وجود تحالف عسكري وثيق مع التشكيلات الإسلامية.

ويعيد ذلك إلى الأذهان سياسة نظام عمر البشير، الذي استخدم الجماعات المسلحة والصراعات الحدودية والمحاور الإقليمية أدوات لحماية حكمه، وكانت النتيجة عزلة دولية وعقوبات وحروبا مزمنة وانهيارا متواصلا للدولة.

قصف سوق مكتظ في منطقة أبيي بجنوب السودان، واتهامات الغارات داخل تشاد، والاتهامات الإثيوبية بشأن دعم جماعات تسعى إلى إسقاط الحكومة، ليست ملفات منفصلة، إنها حلقات في مسار يجعل من القوة العسكرية والميليشيات والعلاقات السرية مع الجماعات المسلحة المتطرفة بديلا عن الدبلوماسية وحسن الجوار.

وإذا استمرت سلطة بورتسودان في هذا النهج، فلن تبقى الحرب صراعا سودانيا يمكن احتواؤه داخل الحدود، ستتحول إلى مصدر تهديد لدول الجوار والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، والمسؤولية تبدأ من قيادة الجيش التي ترفض وقف القتال، وتتحالف مع الإسلاميين، وتتعامل مع الحدود باعتبارها امتدادا لساحة الحرب، فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها ثم تنقل نيرانها إلى جيرانها لا تدافع عن السيادة، بل تبدد ما بقي منها، وتدفع السودان نحو مواجهة إقليمية قد يصعب إيقافها، وتمدد خطر الإرهاب في المنطقة بأكملها.



Exit mobile version