
روكب اليوم
Published On 23/5/2026
رسمت صحيفة تلغراف البريطانية صورة شديدة القتامة لمستقبل الأمن الأوروبي، من خلال مقابلة مطولة مع الجنرال البريطاني مايك إلفيس الذي يقود أحد أهم تشكيلات الرد السريع التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وقدم الجنرال تحذيرا مباشرا أوضح فيه أن روسيا أصبحت اليوم أكثر خطورة وفتكا بكثير مما كانت عليه عند بداية غزوها لأوكرانيا عام 2022، مؤكدا أن الغرب لم يستوعب بعد حجم التحول الذي فرضته الحرب الأوكرانية على طبيعة الصراع العسكري في أوروبا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listوانطلق المقال من داخل أنفاق مهجورة أسفل وسط لندن، حيث أقام الناتو مركز قيادة سريا لمحاكاة حرب محتملة مع روسيا، ففي أعماق محطة تشارينغ كروس المغلقة جزئيا، يجلس ضباط وخبراء عسكريون أمام شاشات ضخمة وحواسيب متطورة، يدرسون سيناريوهات المعارك الحديثة ويحللون نقاط القوة والضعف في الجيش الروسي.
وأوضح الكاتب أن اختيار هذه الأنفاق كمقر للقيادة ليس تفصيلا رمزيا، بل يعكس تحولا جذريا في التفكير العسكري الغربي، بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا أن مراكز القيادة التقليدية أصبحت أهدافا سهلة للصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، مما دفع الجيوش الغربية إلى العودة لفكرة “المقار المحصنة تحت الأرض” التي كانت شائعة خلال الحرب الباردة.
خبرة قتالية هائلة
وأكد الجنرال إلفيس أن الخطر الروسي لا يكمن فقط في حجم الجيش ومعداته، بل في الخبرة القتالية الهائلة التي اكتسبها خلال سنوات الحرب، لأن الجنود الروس -حسب وصفه- أصبحوا “مقاتلين متمرسين” خاضوا حرب استنزاف طويلة وعنيفة، مما جعل الجيش الروسي أكثر قدرة على التكيف وأكثر استعدادا للحروب الكبرى.
وذكر المقال بأن الجنرال يقود “فيلق الرد السريع المتحالف”، وهو من أبرز قوات التدخل السريع التابعة للناتو، ويضم عشرات الآلاف من الجنود من بريطانيا ودول أخرى مثل كندا وإيطاليا والسويد.
ويبرز المقال كيف غيّرت الحرب في أوكرانيا شكل الحروب الحديثة، إذ لم تعد الجيوش تعتمد على الجنود والدبابات فقط، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية والقدرة على اتخاذ القرار بسرعة تفوق الخصم، ولهذا يسعى الناتو إلى بناء “مقرات قيادة رقمية” تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات وإدارة المعارك بصورة أسرع وأكثر دقة.
وأشار الجنرال إلى أن الحرب الحديثة أصبحت حربا متعددة الطبقات: حرب صواريخ، وطائرات مسيّرة، وتشويش إلكتروني، واستخبارات رقمية، وتحركات خفية يصعب رصدها، ولذلك فإن البقاء أصبح تحديا أساسيا لأي قيادة عسكرية.
كما لفت المقال إلى أن الحرب في أوكرانيا جعلت التهديد الروسي يبدو قريبا جدا من أوروبا الغربية، ويصف الجنرال المسافة بين لندن وأوكرانيا بأنها “رحلة جوية قصيرة”، في إشارة إلى أن الصراع لم يعد بعيدا جغرافيا أو سياسيا عن العواصم الأوروبية.
بداية مرحلة جديدة
ورغم أن الجنرال لا يعتقد أن روسيا ستبدأ هجوما جديدا فور انتهاء الحرب في أوكرانيا، فإنه يؤكد أن موسكو أوضحت طموحاتها التوسعية مرارا، وأن على الغرب أن يتعامل مع تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين بجدية كاملة.
ويقول الجنرال إن دول أوروبا الشمالية والشرقية، مثل فنلندا وإستونيا والسويد تدرك حجم التهديد الروسي بشكل أوضح بكثير من المجتمعات الغربية البعيدة نسبيا عن الحدود الروسية، التي ما تزال تعيش بعقلية “مرحلة ما بعد الحرب الباردة”، ولم تستوعب بعد أن البيئة الأمنية الأوروبية تغيرت جذريا، وأن “عائد السلام” الذي استفادت منه أوروبا لعقود قد انتهى.
ويوجه الجنرال رسالة سياسية واضحة إلى الرأي العام البريطاني والأوروبي – حسب المقال – مفادها أن الغرب إذا أراد مواجهة روسيا بجدية، عليه أن يعيد التفكير في أولوياته الوطنية، وزيادة الإنفاق العسكري، وتهيئة المجتمعات نفسيا وسياسيا لاحتمال اندلاع صراع أوسع.
وكشف الجنرال عن احتمال تحول مركز القيادة السري تحت لندن إلى مقر عمليات حقيقي خلال السنوات الخمس المقبلة بنسبة 50%، وعندما سُئل إن كان ينظر إلى هذا الاحتمال بتفاؤل أو تشاؤم، أجاب بأنه يراه “نصف فارغ”، في إشارة إلى اعتقاده بأن خطر المواجهة العسكرية مع روسيا أصبح احتمالا حقيقيا لا يمكن تجاهله.
وخلص المقال إلى أن المؤسسة العسكرية الغربية لم تعد تتعامل مع الحرب في أوكرانيا باعتبارها أزمة إقليمية محدودة، بل باعتبارها بداية مرحلة جديدة من الصراع الأوروبي المفتوح، تتطلب إعادة بناء شاملة للعقيدة العسكرية الغربية ولمفهوم الأمن الأوروبي بأكمله.

