روكب اليوم
2026-05-26 11:33:00
ويعتمد السودان على دول الخليج لتوفير أكثر من نصف احتياجاته من الأسمدة، وفق بيانات أممية.
كما أدت الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى اعتماد البلاد بصورة كاملة على واردات الوقود، ما زاد هشاشة القطاع الزراعي في ظل التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران.
أزمة غذاء تتفاقم
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وسط تراجع التمويل الدولي المخصص للمساعدات الإنسانية.
وتشير تقديرات مدعومة من الأمم المتحدة إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي أكثر من 40 بالمئة من السكان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تقترب بعض المناطق من شبح المجاعة.
ورغم ما يمتلكه السودان من إمكانات زراعية ضخمة جذبت اهتمام مستثمرين خليجيين خلال السنوات الماضية، فإن القطاع ظل يعاني لعقود من آثار الحروب وسوء الإدارة وضعف البنية التحتية.
ويعتمد نحو ثلثي السودانيين على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والمعيشة.
وقال الصادق الأمين، كبير محللي الأمن الغذائي في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) لوكالة رويترز، إن التطورات الإقليمية الأخيرة “عمّقت الضغوط على القطاع الزراعي”، محذرا من احتمال تراجع الإنتاج بأكثر من 40 بالمئة.
كما حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع السودان إلى ما هو “أبعد بكثير من الأزمة الغذائية الحالية”.
ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الزراعة
وفي مشروع الجموعية الزراعي جنوب أم درمان، كان المزارعون يأملون في استعادة النشاط الزراعي بعد خروج قوات الدعم السريع من المنطقة المجاورة للخرطوم قبل عام، إلا أن ارتفاع الأسعار بدد تلك الآمال سريعا.
ووفقاً لاستطلاعات محلية، ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 67 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، فيما تضاعفت أسعار الوقود، خاصة الديزل المستخدم في تشغيل مضخات الري.
ويقول المزارع بشير إسماعيل إن تكاليف التشغيل أصبحت تلتهم أي عائد محتمل من الزراعة، مضيفاً أن “كل الأرباح تذهب لشراء الوقود”.
وفي مؤشر على حجم الأزمة، لم تزرع سوى 500 فدان فقط من أصل 10 آلاف فدان في المشروع حتى الآن، رغم مرور نصف الموسم الزراعي تقريباً، بحسب لجنة المزارعين بالمشروع.
ويشكو مزارعون من غياب الدعم الحكومي، في ظل توجيه الجزء الأكبر من موارد الدولة نحو الإنفاق العسكري.
وقال محمد بلّة، رئيس تجمع مزارعي مشروع الجزيرة، إن الأضرار التي خلفتها الحرب لم تعالج حتى الآن، رغم مرور أكثر من عام على انسحاب قوات الدعم السريع من بعض المناطق الزراعية.
وأضاف أن أسعار الوقود والأسمدة ارتفعت بشكل حاد، بينما بقيت أسعار المحاصيل الزراعية عند مستويات متدنية، ما دفع كثيراً من المزارعين إلى العزوف عن زراعة القمح ومحاصيل أخرى.
الزراعة بين الحرب والانفلات الأمني
وفي ولايات كردفان ودارفور، تتزايد المخاوف من انهيار إنتاج محاصيل استراتيجية مثل السمسم والفول السوداني والصمغ العربي والدخن، في ظل تدهور الوضع الأمني.
ويقول مزارعون إن أعمال النهب وغياب الأمن ونقص المعدات الزراعية تعرقل الاستعداد للموسم الزراعي الجديد، بينما تعرضت جرارات وآليات زراعية للسرقة خلال الهجمات المسلحة، كما جرى تجنيد عدد من العمال الزراعيين للقتال.
وأشار محمد آدم، وهو مزارع نازح من غرب كردفان، إلى أن المزارعين يواجهون أعباء مالية وأمنية خانقة، مع انتشار نقاط التفتيش وعمليات الابتزاز على الطرق.
بدوره، قال خالد عبد اللطيف، المدير في مجموعة “سي تي سي” الزراعية لرويترز، إن إيصال الإمدادات الزراعية إلى مناطق النزاع أصبح عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، مؤكداً أن صغار المزارعين هم الأكثر تضرراً من الأزمة الحالية.
ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الاقتصادية، تتصاعد المخاوف من موسم زراعي ضعيف قد يدفع السودان إلى أزمة غذائية أعمق، في وقت تتراجع فيه قدرة المنظمات الدولية على سد الفجوة الإنسانية المتسعة.
ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع، أودت بحياة عشرات الآلاف، واضطرّت نحو 4.5 مليون شخص إلى اللجوء خارج البلاد، ونزوح قرابة 13 مليونا داخلها، فيما تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة نزوح وكارثة إنسانية يشهدها العالم حاليا.

