روكب اليوم
وفي رسالته بمناسبة أسبوع الحكومة، شدد خامنئي على ضرورة تجنب ما يضر بالانسجام الاجتماعي، قبل أن يعود في رسالته بمناسبة أسبوع الوحدة إلى التحذير من الخلافات والتأكيد على التماسك.
وسبق ذلك كشف بزشكيان أن “الحفاظ على الوحدة والانسجام” كان أهم توصية تلقاها خلال اجتماع مطول مع المرشد تناول أيضا الحرب والعقوبات والأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
ويطرح هذا التتابع سؤالا يتجاوز أهمية الوحدة بحد ذاتها: لماذا تحتاج القيادة الإيرانية إلى التشديد عليها بهذا التركيز الآن؟
الوحدة جزء من الردع
يقول الخبير السياسي محسن فرخاني للجزيرة نت إن الوحدة في الظروف الحالية “ليست مجرد توصية أخلاقية أو سياسية”، وإنما أصبحت “مصدرا للقوة والردع”.
ويرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان، عبر ما يصفه بالحرب الإعلامية والمعرفية، تقديم أي خلاف علني بين النخب أو داخل المجتمع باعتباره مؤشرا على ضعف بنية النظام.
ومن ثم، يقرأ فرخاني كلام المرشد باعتباره تحذيرا من تحويل الاختلافات الطبيعية إلى إشارات ضعف في الخارج، لكنه لا ينفي وجود تباينات داخل الطبقة السياسية.
ويقول إن النقاش يدور حول تقييم الكلفة والتهديدات والإستراتيجية المطلوبة، وخصوصا العلاقة بين “المقاومة والردع والتفاوض وضرورة تخفيف الضغوط الاقتصادية”.
وبحسب قراءته، لا يتعلق الخلاف بالأهداف الوطنية الكبرى بقدر ما يتعلق بالطريقة الأكثر فاعلية لتحقيقها.
لكن العبارة الأكثر دلالة في مداخلته هي أن الوحدة لم تعد أمرا بديهيا، بل أصبحت “متغيرا يحتاج إلى إدارة”، بحيث تستوعب مؤسسات اتخاذ القرار اختلاف الرؤى وتحولها في النهاية إلى مشتركة.
خلاف على الأدوات
وتجد هذه القراءة ما يسندها في سجالات سياسية شهدتها إيران خلال الأشهر الماضية.
فبعد التفاهم مع الولايات المتحدة في يونيو/حزيران، وقّع نحو 60 نائبا رسالة تطالب بتوضيحات بشأن مدى التزامه بالخطوط الحمراء الإيرانية، وظهرت انتقادات للرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف، وصلت إلى الحديث عن المساءلة والاستجواب.
ولا تثبت هذه الوقائع وجود انقسام مؤسسي، لكنها تكشف خلافا بشأن أدوات إدارة المرحلة: أين تنتهي وظيفة الردع؟ ومتى يصبح التفاوض وسيلة لحماية المصالح الإيرانية؟ وما حدود المرونة الممكنة؟
وظهر التباين أيضا في خطاب شخصيات قريبة من النظام، فقد دعا حسن خميني إلى الوقوف خلف “جنود الدبلوماسية”، وقال إن نتائج “المصالحة الصحيحة” قد تتجاوز نتائج حروب كثيرة، بينما اتخذ شقيقه علي خميني موقفا أكثر تشددا تجاه التفاوض الهادف إلى السلام مع واشنطن.
ولا يمثل الرجلان مركزين لصنع القرار، لكن التباين يعكس وجود رؤيتين بشأن موقع التسوية والتفاوض في المرحلة المقبلة.
هل يوجد شرخ؟
في المقابل، يرفض الخبير في الشؤون الدولية أشكان ممبيني اعتبار تكرار دعوات الوحدة دليلا على أزمة داخل النظام.
ويقول للجزيرة نت إن التأكيد على الوحدة “كان دائما أحد المبادئ الإستراتيجية للجمهورية الإسلامية”، وإنه لا يرى “أي مؤشر على وجود شرخ في هيكل اتخاذ القرار”.
وبحسب ممبيني، فإن اختلاف الآراء طبيعي، بينما يظل الدفاع عن إيران ووحدة أراضيها وسيادتها أرضية مشتركة بين التيارات، ولذلك يقرأ رسالة المرشد باعتبارها سعيا لتعزيز التنسيق في مرحلة حساسة، لا تحذيرا من انقسام في قمة السلطة.
ويلتقي ممبيني وفرخاني في رفض توصيف الوضع بأنه انقسام، لكنهما يختلفان في تقدير حجم التباينات؛ فالأول يعتبرها اختلافات طبيعية، بينما يقر الثاني بوجود تعدد إستراتيجي يحتاج إلى إدارة.
إدارة الاختلاف
وتبدو هذه النقطة مفتاحا لقراءة خطاب الوحدة.
وشدد بزشكيان مؤخرا على أنه بعد اتخاذ القرار والوصول إلى تفاهم “يجب على الجميع الوقوف خلف ذلك القرار وتنفيذه”، محذرا من اتخاذ قرار ثم نقضه لاحقا.
وهذا يعني أن المشكلة ليست بالضرورة وجود اختلاف قبل اتخاذ القرار، وإنما احتمال استمراره بعد حسمه وتحوله إلى تعدد في الرسائل ومراكز التأثير.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للحديث عن انقسام مؤسسي في قمة النظام الإيراني، لكن توجد خلافات موثقة داخل قاعدته السياسية بشأن أدوات إدارة المواجهة والتفاوض.
ومن هنا، لا تثبت كثافة دعوات الوحدة وحدها أن الانقسام وقع أو مدى اتساعه بالفعل، لكنها تكشف أن إدارة الاختلاف أصبحت إحدى قضايا المرحلة الإيرانية.
وتحاول القيادة تحويل تعدد المقاربات إلى قرار واحد، ومنع الخلاف على الوسائل من التحول إلى خلاف على اتجاه الدولة.
وبهذا المعنى، لا تبدو الوحدة في الخطاب الإيراني الحالي دعوة سياسية فحسب، بل جزءا من معادلة الردع في الخارج، وفي الوقت نفسه أداة لضبط التباينات في الداخل.

