Site icon روكب اليوم

“شوغر”.. موسم ثان يراهن على الإنسان لا المفاجآت | فن

Sc18 1784647373



روكب اليوم

منذ انطلاقه عام 2024، يسعى مسلسل “شوغر” (Sugar) إلى تقديم معالجة معاصرة لأفلام النوار (Noir) الكلاسيكية، مستعيدا صورة المحقق الخاص الذي يقود المتفرج عبر شوارع لوس أنجلوس المظلمة، لكن بروح مختلفة عن أبطال هذا النوع السينمائي. ويواصل العمل هذا التوجه في موسمه الثاني، المعروض حاليا على منصة “آبل تي في بلس”، والمكون من 8 حلقات.

يستكمل الموسم الثاني رحلة المحقق الخاص جون شوغر، الذي يؤدي دوره كولين فاريل، إلى جانب كيربي، وإيمي رايان، وجيمس كرومويل، وتوني دالتون، مع انضمام عدد من الوجوه الجديدة، أبرزها جين ها، وريموند لي، ولورا دونلي، وساشا كالي، وشيا ويغام، بينما يتولى سام كاتلين إدارة الموسم الجديد، محافظا على الطابع النيو-نواري الذي أصبح السمة الأبرز للمسلسل.

بعد المفاجأة… ماذا بقي لـ”شوغر”؟

فاجأ الموسم الأول متفرجيه، في منتصف حلقاته، بشكل غير متوقع غيّر من طبيعة المسلسل ونوعه الدرامي. فبعدما كان مسلسل “نيو-نوار” (Neo-noir)، تحول بشكل مفاجئ إلى مسلسل خيال علمي، في مزج طازج ومختلف بين الأنواع، ليصبح ذلك من أهم مزايا العمل. لكن الموسم الثاني ينطلق بعدما عرف المشاهدون الحقيقة، ولم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه عنهم، فكان عليه مواجهة تحدي مواصلة الحكاية بعد انكشاف قواعد اللعبة.

يعيد المسلسل، في موسمه الثاني، توجيه اهتمامه نحو الشخصية نفسها، ليحول جون شوغر من محقق يبحث عن حل لغز بوليسي إلى بطل يحمل عبئا وجوديا، يحاول تحديد مكانه في العالم البشري.

يواصل شوغر بحثه الشخصي عن شقيقته دجين، ويتولى التحقيق في اختفاء جي مون، شقيق الملاكم الصاعد داني مون، وهي قضية تقوده إلى عالم الجريمة والفساد في كورياتاون بلوس أنجلوس، حيث تتقاطع العصابات، وتجار المخدرات، وضباط الشرطة الفاسدون مع خيوط بحثه الشخصي. وخلال هذه القضية، يختبر شوغر شعورا متزايدا بالعزلة، ويحاول التوفيق بين انتمائه الأصلي وحياته التي باتت أكثر ارتباطا بالبشر.

تخلص الموسم الثاني من كثير من المبالغات الأسلوبية التي طبعت بدايته، وأصبح أكثر ثقة في منح شخصية جون شوغر المساحة الكافية لإبراز تفاصيلها، فتحول أداء كولين فاريل إلى القلب الحقيقي للمسلسل، وعاد العمل إلى قالب أقرب إلى مسلسلات التحقيقات التقليدية، وإن ظل محتفظا بأناقته البصرية وأجوائه النيو-نوارية.

حين يقلب “شوغر” قواعد النيو-نوار

ينتمي “شوغر” بوضوح، منذ الموسم الأول، إلى تقاليد النيو-نوار، ليس فقط في الطابع البصري، بل لأنه استلهم كل تفاصيل اللغة السينمائية لهذا النوع. لذا تمتلئ حلقاته بشوارع لوس أنجلوس الليلية، والإضاءة منخفضة التباين، والظلال الطويلة، والموسيقى الهادئة التي تستحضر كلاسيكيات الجريمة، فضلًا عن الاقتباسات المباشرة من أفلام مثل “السبات الكبير” (The Big Sleep)، و”الحي الصيني” (Chinatown)، و”تعويض مزدوج” (Double Indemnity). ولا يكتفي المسلسل باستلهام هذه الأعمال، بل يدمج مقاطع منها داخل مشاهده، في تحية صريحة لتراث السينما الأمريكية الكلاسيكية.

غير أن هذا الولاء للنيو-نوار لا يمتد إلى استنساخ شخصياته، فالمسلسل يفكك بوضوح أحد أهم ثوابت هذا النوع، وهي صورة المحقق الخاص. فمنذ أربعينيات القرن العشرين، ارتبط هذا النموذج بأبطال مثل فيليب مارلو أو سام سبيد -وقد جسد الشخصيتين الممثل همفري بوغارت- وهم رجال قساة، ساخرون، يتحركون في منطقة رمادية أخلاقيا، ويخفون هشاشتهم خلف البرود والسخرية.

على الجانب الآخر، يسلك جون شوغر، الذي يؤديه كولين فاريل، طريقا معاكسا تماما، فهو يتعامل مع ضحاياه ومحيطه بتعاطف واضح، ويتجنب العنف كلما استطاع، ويرى البشر أشخاصًا في حاجة إلى المساعدة.

يصبح هذا التحول أكثر وضوحًا في الموسم الثاني، إذ ينقل مركز الثقل من القضية الجنائية إلى الحالة النفسية للبطل. فبينما يقود شوغر التحقيق إلى شبكات الجريمة في لوس أنجلوس، يبقى شعوره بالوحدة هو المحرك الحقيقي للأحداث.

وربما في هذه المفارقة تكمن خصوصية “شوغر”، الذي استعار من النيو-نوار شوارعه المعتمة، وإضاءته، وحنينه إلى هوليوود الكلاسيكية، لكنه يمنح بطله قلبًا لا يشبه قلوب أبطال هذا النوع، ليصبح من أكثر التجارب التلفزيونية المعاصرة وفاء للنيو-نوار من حيث الشكل، وأكثرها تمردا عليه من حيث الجوهر.

إيقاع متأن يخدم بناء الشخصية

امتدت التحولات التي شهدها الموسم الثاني من “شوغر” إلى أسلوب السرد نفسه، ولا سيما إيقاع الحلقات، التي بدت أكثر هدوءا وأقل ميلا إلى الاستعراض البصري مقارنة بسابقه، مما أتاح للمسلسل مساحة أوسع لإظهار طبيعة العالم الداخلي للشخصيات.

أضفى هذا التحول على المسلسل طابعا مختلفا، فأصبح أداء كولين فاريل، والعلاقات بين الشخصيات، هما العامل الأهم في هذا الموسم، الأمر الذي جعل الموسم الثاني أكثر اتزانا، خصوصًا بعدما تخلى العمل عن محاولة الإدهاش المستمر لصالح بناء درامي أكثر نضجا، وهو ما جعل العالم الذي تدور فيه الأحداث أكثر قابلية للتصديق، رغم طبيعته غير التقليدية.

لكن، على الجانب الآخر، أدى هذا التحول إلى بطء في الأحداث، ومال المسلسل إلى التأملات الداخلية، على عكس الموسم الأول. ففي هذا الموسم، تبدو التطورات الكبرى مؤجلة إلى الحلقات اللاحقة، بدلًا من الحفاظ على زخم التحقيق منذ البداية.

غير أن بطء السرد ليس عيبًا في حد ذاته إذا نظرنا إليه كامتداد للحالة النفسية التي يعيشها جون شوغر، فالمسلسل تخلى عن فكرة خلق التشويق عبر المطاردات أو المفاجآت المتلاحقة، وركز على الشعور المتراكم لدى البطل بالوحدة والاغتراب، ليجعلنا، نحن المتفرجين، نختبر العالم من منظور هذا البطل ذي الطبيعة الخاصة، ما يجعلنا نرى الطبيعة البشرية بمنظور طازج، بما تنطوي عليه من شر وخير.

Exit mobile version