Site icon روكب اليوم

“صفقات مع الشيطان”.. لماذا أصبحت التسويات المؤلمة تحكم السياسة الأمريكية؟ |

afp 6a5bd2d3869f 1784402643

روكب اليوم

طرحت صحيفة نيويورك تايمز أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل في علم السياسة: هل يمكن تبرير التنازل عن المبادئ إذا كان الثمن تحقيق مصلحة وطنية أكبر؟

في حوار مطول بين الكاتب بريت ستيفنز، والصحفي روبرت سيغل، والكاتبة مولي جونغ-فاست، خلص المتحاورون إلى أن السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترمب أصبحت تقوم بصورة متزايدة على ما وصفوها بـ”صفقات مع الشيطان”، أي القبول بخيارات غير مثالية خشية أن يكون البديل أكثر خطورة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

يبدأ الحوار من قضية تعيين تود بلانش وزيرا دائما للعدل. فبريت ستيفنز لا يخفي اعتراضه على ترشيحه، لكنه يرى أن رفضه قد يقود ترمب إلى تعيين شخصية أكثر ولاء وأقل احتراما للمؤسسات، أو الإبقاء على بلانش وزيرا بالوكالة بما يضعف دور مجلس الشيوخ والرقابة الدستورية.

تود بلانش أمام الكونغرس خلال جلسات للنظر في اختياره وزيرا للعدل (أسوشيتد برس)

تجربة ليندسي غراهام

ومن هنا لا يصبح السؤال: “هل المرشح جيد؟” بل “هل البديل أسوأ؟”، وهو منطق يقول المتحاورون إنه بات يفرض نفسه على القرارات السياسية في واشنطن.

ويحتل السيناتور الراحل ليندسي غراهام قلب هذا النقاش. فقد كان من أبرز منتقدي ترمب، قبل أن يتحول إلى أحد أقرب حلفائه داخل الحزب الجمهوري. ويعترف ستيفنز بأنه نظر طويلا إلى هذا التحول باعتباره تخليًا عن المبادئ وسعيًا وراء النفوذ، لكنه عاد بعد وفاة غراهام ليعيد تقييم تجربته.

فبحسب الكاتب، أسهم غراهام في أيامه الأخيرة في دفع مشروع عقوبات على روسيا، وإقناع ترمب بتشديد دعمه لأوكرانيا، والمساعدة في حماية حلف شمال الأطلسي (ناتو) من التراجع الذي كان يخشاه كثيرون.

ومن ثم يُطرح السؤال: لو بقي غراهام معارضًا لترمب وخسر موقعه السياسي، هل كانت أوكرانيا ستصبح أكثر أمنًا؟ ويرى ستيفنز أن الإجابة ليست بالضرورة نعم، وأن بعض “صفقات الشيطان” قد تحقق نتائج يصعب تجاهلها.

مولي جونغ-فاست:
السياسة بطبيعتها تقوم على المساومات، وكثير من السياسيين يخفون جزءا من قناعاتهم لكسب النفوذ وتحقيق أهداف يرونها أكثر أهمية.

صفقات محفوفة بالمخاطر

لكن مولي جونغ-فاست تحذر من أن هذا النوع من الصفقات يظل محفوفًا بالمخاطر، لأن ترمب -في رأيها- يتخذ قراراته بصورة شديدة التقلب، ويتأثر بآخر من يحدثه، وهو ما يجعل أي رهان على التأثير فيه رهانا غير مضمون.

ومع ذلك، تقر بأن السياسة بطبيعتها تقوم على المساومات، وأن كثيرًا من السياسيين يخفون جزءا من قناعاتهم لكسب النفوذ وتحقيق أهداف يرونها أكثر أهمية.

للحزب الديمقراطي معضلة مشابهة

ولا يقتصر هذا المنطق، بحسب الحوار، على الجمهوريين. فالحزب الديمقراطي يواجه هو الآخر معضلة مشابهة مع صعود الجناح الاشتراكي الديمقراطي والغضب المتزايد داخل قواعده.

ويتساءل المشاركون في الحوار: هل يتعين على القيادة التقليدية تقديم تنازلات لهذا التيار حفاظًا على وحدة الحزب، أم أن هذه التسويات قد تدفع الديمقراطيين بعيدًا عن الوسط الذي يحسم الانتخابات الأمريكية؟ ويحذر ستيفنز من أن الانجراف نحو أقصى اليسار قد يمنح ترمب والجمهوريين خصمًا مثاليًا في الانتخابات المقبلة، تمامًا كما استفاد ترمب سابقا من غضب قواعد الجمهوريين.

عدم الخجل والنقاء الأخلاقي

وفي خاتمة الحوار، يقدم ستيفنز خلاصة لافتة مفادها أن السياسة الأمريكية لم تعد صراعًا بين أصحاب المبادئ وأصحاب المصالح، بل بين “من لا يخجلون من شيء” و”من يسعون إلى النقاء الأخلاقي الكامل”.

وبين هذين الطرفين تضيق مساحة السياسي البراغماتي الذي يقبل بتنازلات مؤلمة لتحقيق نتائج ملموسة. ويخلص المتحاورون إلى أن السؤال الذي يواجه السياسيين اليوم لم يعد إذا ما كانوا سيقدمون تنازلات، بل أين يرسمون الخط الفاصل بين البراغماتية والتفريط في المبادئ، في زمن أصبح فيه عقد “صفقات مع الشيطان” جزءا من المشهد السياسي الأمريكي.

Exit mobile version