
روكب اليوم
في قلب باب المندب، ثمة جزيرة صخرية تعرف باسم “ميون”، لا تتجاوز مساحتها 13 كيلومترا مربعا، غير أن موقعها طالما منحها قيمة دفعت الإمبراطوريات الكبرى، على مر العصور، إلى السعي للسيطرة عليها، باعتبارها مفتاحا للتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
شهدت جزيرة ميون في مطلع القرن السادس عشر وصولا برتغاليا قصير الأمد؛ بهدف السيطرة على طرق التجارة الشرقية خاصة التوابل، غير أن البرتغاليين لم يقيموا فيها وجودا دائما، وتخلوا عن المشروع بسبب ندرة المياه وصعوبة الاستيطان. وقد احتلت شركة الهند الشرقية البريطانية الجزيرة لفترة وجيزة عام 1799، قبل أن تعود بريطانيا إليها عام 1857 وتبقيها تحت سيطرتها حتى انسحابها من عدن عام 1967. أصبحت “ميون” بعدئذ جزءا من الدولة الجديدة في جنوب اليمن، مع فشل محاولة بريطانية لتدويلها. وخلال الحرب الباردة، عززت الدولة الجنوبية علاقاتها السياسية والعسكرية مع الاتحاد السوفياتي؛ فتحولت عدن، ومعها مواقع مثل ميون وسقطرى، إلى نقاط ذات أهمية للحضور البحري السوفياتي في خليج عدن والبحر الأحمر.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listمع اندلاع الحرب اليمنية وسيطرة الحوثيين على صنعاء عادت “ميون” إلى الواجهة، بعدما انتزعت قوات يمنية مناهضة للحوثيين الجزيرة منهم عام 2015، بمساندة من التحالف العربي بعد فترة وجيزة من سيطرتهم عليها. بقيت “ميون” تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة إلى أن انسحبت منها في 10 سبتمبر/أيلول الجاري، قبل أن تصل إليها في اليوم التالي قوارب تحمل مقاتلين حوثيين مؤذنة بسيطرة حوثية على الجزيرة والمضيق الإستراتيجي. وقد قال الحوثيون إن عملياتهم لا تستهدف الملاحة الدولية، وأن السفن يمكنها المرور بأمان، باستثناء السفن السعودية التي زعموا إنها “تخضع لحصار بحري”. وبحسب تقارير صحفية، فضّلت واشنطن في هذه المرحلة تجنب تدخل عسكري مباشر أوسع في باب المندب، بينما ركزت اتصالاتها على حماية مصالحها.
هنا تتجاوز قصة “ميون” حدود الحرب اليمنية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اضطلعت البحرية الأمريكية بدور يتجاوز حماية سفنها ومصالحها إلى تأمين جانب أساسي من تدفقات التجارة والطاقة عبر البحار. وهي مفارقة يلتفت إليها بروس جونز، الباحث في شؤون الأمن الدولي والإستراتيجية في معهد بروكينغز، حين يشير إلى أن الولايات المتحدة ورثت بعد الحرب جانبا من الوظيفة التي أدتها البحرية الملكية البريطانية في حماية طرق التجارة، لكن المستفيدين من هذه الحماية تغيروا بمرور الوقت. فالأسطول الأمريكي لم يعد يؤمِّن فقط الطرق التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل طرقا تمر عبرها تجارة وطاقة تستفيد منها أيضا قوى منافسة مثل الصين وروسيا، وهو ما يضع واشنطن أمام سؤال عن مواصلة تحمُّل كلفة نظام ينتفع به الآخرون أيضا من وجهة نظرها.
ولا يبدو هذا السؤال جديدا، فقد واجهت بريطانيا واقعا مشابها عند انسحابها من عدن عام 1967. ولم يكن القرار مبنيا على فقدان الإمبراطورية قدرتها على إرسال السفن والجنود إلى المنطقة، بل على سياق أوسع كانت فيه لندن تعيد النظر في الأعباء العسكرية والإستراتيجية التي تستطيع أو تريد الاستمرار في تحملها مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها. ولم يكن أثر القرار عسكريا فحسب، إذ إن إعلان نهاية الوجود البريطاني دفع القوى المحلية إلى إعادة حساباتها؛ استعدادا لبيئة لم تعُد فيها لندن ضامنا بالطريقة نفسها.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة في 2026 تقف حيث وقفت بريطانيا في الستينيات، فواشنطن ما تزال تملك تفوقا بحريا عالميا وشبكة واسعة من القواعد والحلفاء، كما أن رفض التدخل في أزمة بعينها (حتى الآن) لا يعني التخلي عن حماية النظام البحري كله. لكن باب المندب يعيد طرح سؤال حول ما يحدث حين تبدأ القوة المهيمنة في تقليص بعض الوظائف التي تحملت كلفتها لعقود. فهل يعكس الموقف الأمريكي الحالي امتناعا تكتيكيا فرضته أولويات اللحظة؟ أم تحولا أوسع في طريقة ممارسة واشنطن لهيمنتها؟ وإذا كانت الولايات المتحدة أقل استعدادا لتحمل أعباء حراسة الممرات، فهل يكون ذلك مؤشرا على صعود قوة عظمى جديدة مستعدة لوراثة جانب من الدور الذي انتقل يوما من الإمبراطورية البريطانية إلى الولايات المتحدة؟ أم أن هذه الوظيفة ستخرج من أسر الواحد لتتوزع هذه المرة بين قوى متعددة؟
ممر واحد وأكثر من حارس
لم تكن حراسة باب المندب دائما وظيفة تؤديها قوة عظمى واحدة. فقبل أن تجعل قناة السويس المضيق جزءا من أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا بقرون، كانت أهميته تنبع من شبكة مختلفة من التجارة والموانئ تمتد بين مصر واليمن وشرق أفريقيا والهند، وكانت السيطرة على هذه الشبكة تُمارس من البر والموانئ أكثر مما تُمارس من البحر.
ويقدم “طواف البحر الإريتري”، وهو دليل ملاحي وتجاري كتبه تاجر مجهول في القرن الأول الميلادي، صورة مبكرة لهذا العالم، إذ يصف المضيق بأنه ممر ضيق تقسمه جزيرة سماها “ديودوروس” (ميون حاليا)، كما يرد فيه ذكر قرية ساحلية تُدعى “أوسيلس” بوصفها مرسى ومكانا للتزوُّد بالمياه عند مدخل البحر الأحمر. وبعدها تقع “العربية السعيدة” (عدن على الأرجح)، التي يقول النص إنها كانت في زمن أسبق محطة تتجمع فيها بضائع مصر والهند. أي أن أهمية المنطقة سبقت قناة السويس والطرق البحرية الحديثة بقرون طويلة، لكنها كانت تقوم آنذاك على التحكُّم في نقاط التبادل والتموين أكثر من السيطرة المستمرة على سطح البحر.
“أهمية المنطقة سبقت قناة السويس والطرق البحرية الحديثة بقرون طويلة”
وقد ظل هذا المنطق حاضرا بعد ظهور الإسلام، وإن تغيَّرت المراكز التي تستفيد منه. وبحلول القرنين التاسع والعاشر، أصبحت عدن مركزا تجاريا، ثم زادت أهميتها مع انتقال مركز الثقل السياسي في العالم الإسلامي من العراق إلى مصر في العصر الفاطمي، ما منح طريق البحر الأحمر حصة أكبر من تجارة الشرق، وربط عدن أكثر بمصر والبحر المتوسط.
وبعد استيلاء الأيوبيين على اليمن في القرن الثاني عشر، أدركوا سريعا ما يمكن أن يَدُرَّه ميناء عدن من إيرادات، فوسَّعوا الإشراف على التجارة ونظموا الجمارك، كما أنشأوا دوريات بحرية لتأمين السفن داخل المجال البحري للمدينة، قبل أن يواصل الرسوليون، وهم سلالة ذات أصول تركمانية خلفت الأيوبيين في حكم اليمن، تطوير هذا النظام. غير أن الهدف لم يكن ضمان حرية الملاحة بالمفهوم الذي تبنَّته القوى البحرية الحديثة، بقدر ما كان جذب السفن إلى الميناء وضمان وصولها، ثم تحويل حركتها إلى إيراد ونفوذ.
وتكشف واقعة حصار عدن عام 1134 حدود هذا النموذج. فقد أرسل حاكم جزيرة قيس، المنافسة تجاريا لعدن، قوة بحرية تمركزت قبالة الميناء لحصاره واعتراض السفن القادمة إليه، إلى أن كُسِر الحصار بعد نحو شهرين عبر أسطول لأحد كبار التجار يدعى راميشت، ما يعني أن الحماية في ذلك العصر كانت مجزأة بين سلطة الميناء والتُجَّار وأصحاب السفن، بلا قوة مهيمنة تتولى إبقاء البحر مفتوحا أمام الجميع.
لكن هذه المعادلة تغيَّرت مع وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي في أواخر القرن الخامس عشر، إذ سعوا إلى فرض شروط للمرور وإعادة توجيه تجارة التوابل نحو طريق رأس الرجاء الصالح. وبعد انتصارهم على التحالف المملوكي الكُجراتي (الهندي) عام 1509، هاجموا عدن عام 1513 ضمن محاولة أوسع لاختراق مدخل البحر الأحمر. ويذهب المؤرخ أليكسيس ويك إلى أن الخطر البرتغالي تجاوز نطاق التجارة، إذ هدَّد شبكة سياسية واقتصادية ودينية ربطت مصر بالحجاز واليمن وشرق المتوسط، واعتمدت عليها أيضا إمدادات الحجاز وخدمات الحج.
هنا اقترب معنى السيطرة خطوة من المفهوم الذي سيصبح مألوفا في القرون التالية، إذ تجاوز امتلاك الميناء إلى التحكُّم في حركة السفن نفسها، وتحديد من يمر وبأي شروط وإلى أي طريق تتجه التجارة. وجسَّد نظام التصاريح البرتغالي المعروف باسم “كارتاز” هذا التحول، إذ أُلزمت السفن بالحصول على تصريح يتيح لها الإبحار دون التعرض لهجوم برتغالي، في محاولة لإخضاع جزء من الملاحة الإقليمية لنظام تنظمه القوة البحرية الجديدة. ورغم أن النظام لم يكن مطلق الفعالية، لكنه مثَّل طموحا مختلفا جذريا عن نموذج الميناء الوسيط.
استوجب ذلك من المماليك، ثم من العثمانيين، توسيع المواجهة نحو اليمن والبحر الأحمر وخليج عدن. ولكن أيا من الطرفين لم يحقق سيطرة كاملة. فقد عجز البرتغاليون عن إغلاق طرق البحر الأحمر، وعجز العثمانيون عن إخراجهم من المحيط الهندي، ومن ثمَّ نشأ توازن توزَّعت فيه القدرة والكلفة بين أكثر من قوة.
غير أن صعود بريطانيا واستيلاءها على عدن عام 1839، في سياق تأمين الطريق إلى مستعمراتها في الهند، بالتزامن مع انتشار الملاحة البخارية وبروز الحاجة إلى محطات ثابتة للتزوُّد بالفحم؛ كل ذلك ضاعف من أهمية السيطرة على عُقَد الطريق البحرية وجعلها جزءا من بنية الإمبراطورية نفسها. ثم ضاعف افتتاح قناة السويس عام 1869 من أهمية باب المندب، فصارت حماية الطريق جزءا من أعباء الإمبراطورية البريطانية، وترسخ نموذج جديد أصبحت بموجبه حماية الطريق البحري إحدى وظائف القوة المُهَيمنة.
البحر الذي يستنزف الإمبراطورية
في صباح 16 فبراير/شباط 1966، جلس اللورد فرانك بيزويك، مبعوث الحكومة البريطانية، أمام قادة اتحاد الجنوب العربي، من حكام وممثلي عدن وسلطنات ومشيخات الجنوب، وأبلغهم أن القوات البريطانية ستغادر قاعدة عدن عند الاستقلال، وأن المعاهدات الدفاعية القائمة ستنتهي معه.
لم يكن القرار مجرد استجابة للأزمة المتفاقمة في عدن، حيث واجهت بريطانيا منذ عام 1963 تمرُّدا مسلحا ضد حكمها. فبعد ستة أيام من رسالة بيزويك، عرض وزير الدفاع دينيس هيلي مراجعة للسياسة الدفاعية البريطانية، انطلقت من أن القوات أصبحت مُوزَّعة على التزامات تفوق الموارد المتاحة لها، وأنه على لندن إعادة الموازنة بين انتشارها الخارجي وبين ما تستطيع توفيره من رجال ومعدات وإنفاق، بعدما اتسعت الفجوة بين أدوارها العالمية والموارد التي تستطيع تخصيصها لها. وبذلك، لم يكن الانسحاب من عدن تعبيرا عن عجز عسكري مباشر بقدر ما كان جزءا من مراجعة أوسع لما يستحق الاحتفاظ به من أعباء القوة الإمبراطورية.
“لم يكن الانسحاب من عدن عجزا عسكريا مباشرا بقدر ما كان جزءا من مراجعة أوسع لما يستحق الاحتفاظ به من أعباء القوة الإمبراطورية”
هنا يظهر ما يمكن تسميته ضريبة الهيمنة؛ فامتلاك القوة اللازمة لحماية طريق بحري لا يعني أن استخدامها بلا ثمن، لأن الحراسة تتطلب فرقا وجنودا وقواعد ومرافق إمداد منتشرة، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاستجابة لأزمات متزامنة، وتحمل مخاطر الدخول في نزاعات بعيدة عن الأراضي الوطنية. وتبدو هذه المعضلة أوضح في الحالة الأمريكية، حيث يتزامن اتساع الالتزامات العالمية مع تقادم أجزاء من الأسطول، وتأخر الصيانة، وبطء دخول سفن جديدة إلى الخدمة، إلى حد دفع البحرية إلى تمديد أعمار بعض مُدمِّراتها إلى ما بعد عمرها التصميمي، فيما تحذر تقارير رقابية أمريكية من أن مشكلات الصيانة تُقلِّص فعليا عدد القطع المتاحة للعمليات.
وتزداد كُلفة هذه المعضلة لأن جزءا مُهِمًّا من التصوُّر الأمني البحري الأمريكي يقوم على ما يسميه بروس جونز “اللعب في الملعب الخارجي”، أي دفع خطوط الدفاع بعيدا عن السواحل الأمريكية ومواجهة التهديد قبل وصوله إليها. ومع اتساع هذا التصور، امتد جدار الأمن الأمريكي عبر شبكة عالمية من السفن والقواعد والاستخبارات والمراقبة والموانئ الأجنبية، حتى إن جونز يُقدِّر أن بعض طبقاته تدفع الحدود الأمنية الفعلية للولايات المتحدة إلى نحو سبعة آلاف ميل خارج سواحلها.
وتجاوز هذا المنطق الانتشار العسكري المباشر إلى نقل بعض أدوات الأمن نفسها إلى موانئ أجنبية، في ما يُعرف بـ “اللعب في ملعب الخصم”. فبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أنشأت واشنطن مبادرة أمن الحاويات، التي تعتمد على فحص بيانات الشحنات ومراقبتها في عشرات الموانئ قبل تحميلها على السفن المتجهة إلى الولايات المتحدة. وبحلول عام 2019، كان نحو 80% من الواردات البحرية الأمريكية يأتي من موانئ مشاركة في البرنامج، بينها موانئ رئيسية في أوروبا وآسيا والصين، فيما تستطيع السلطات الأمريكية إصدار أمر بعدم تحميل شحنة مشتبه بها على سفينة متجهة إلى السوق الأمريكية. وبهذا امتد منطق “الملعب الخارجي” من ملاحقة الخطر في البحار البعيدة إلى محاولة اعتراضه عند نقطة منشئه، قبل أن يبدأ رحلته نحو السواحل الأمريكية.
حرب عصابات بحرية
غير أن امتداد جدار الأمن الأمريكي إلى هذه المسافات، بما يفرضه من كلفة واستنزاف للقدرات، لا يعني أن واشنطن تملك السيطرة المطلقة على البحر أو تستطيع منع كل تهديد يمر عبره. فالقوة التي تحتاج إلى انتشار دائم لحماية الملاحة قد تواجه خِصما لا يحتاج إلى السيطرة على البحر أصلا، بل يكفيه أن يجعل استخدامه أكثر خطرا أو كلفة.
هنا يظهر الفارق الذي يضعه جيفري تيل، الباحث المتخصص في القوة البحرية، بين السيطرة البحرية والمنع البحري. فالأولى تمنح قوة ما حرية استخدام مساحة بحرية لأغراضها، في نطاق مكاني وزمني مُحدَّد، بينما يكفي في الثانية حرمان الخصم من الاستخدام الآمن للبحر دون أن يكون الطرف المانع قادرا على استخدامه بحرية. ويُشبِّه تيل هذا النمط بحرب عصابات في البحر، إذ تستطيع قوة أضعف أن تختار لحظة الهجوم ومكانه، لتضرب ثم تنسحب، بدلا من الدخول في مواجهة متكافئة مع الأسطول الأقوى.
وتخلق هذه المعادلة نوعا آخر من الاستنزاف للقوة الحارسة، لأن الطرف الأضعف لا يحتاج إلى حسم المعركة أو السيطرة المستمرة على البحر، بينما يتعيَّن على الطرف الذي يريد إبقاء الطريق مفتوحا أن يراقب ويحمي ويعترض التهديدات بصورة متكررة، في مواجهة خطر يمكن أن يتجدَّد كلما بقيت أدوات إطلاقه ومصادره قائمة. وبهذا يمكن لتهديد محدود الكلفة نسبيا أن يفرض على الطرف المقابل التزاما أوسع وأطول زمنا.
“يمكن لتهديد محدود الكلفة نسبيا أن يفرض على الطرف المقابل التزاما أوسع وأطول زمنا”
هذا الاختلال في الكُلفة ربما يُفسِّر جانبا من حذر واشنطن الحالي من الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة عند باب المندب (بالتزامن مع اشتعال لا يقل خطورة في هرمز)، رغم أن هذا يظل تفسيرا محتملا، لا سببا معلنا وحيدا للقرار الأمريكي، لا سيَّما أن الحوثيين أعلنوا أن عملياتهم تستهدف “فئات محددة من السفن”، وأن الملاحة الدولية يمكن أن تستمر، وهو ادعاء ينبغي التمييز بينه وبين الأثر الفعلي لهجماتهم على شركات الشحن وحركة التجارة. فهذا الانتقاء، أيا كان مدى نجاحه عمليا، يُبقِي الباب مفتوحا أمام المفاوضات، إذ القيود المُوجَّهة إلى خصم بعينه يمكن تخفيفها أو رفعها مقابل تسوية، على نحو يختلف عن محاولة إغلاق المضيق أمام الجميع.
وليس هذا التمييز جديدا على باب المندب. ففي حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، استخدمت مصر المدخل الجنوبي للبحر الأحمر للضغط على الملاحة الإسرائيلية دون أن تغلق المضيق أمام حركة السفن الدولية كلها. وكانت القوة المصرية الموجودة في المنطقة تضم مدمرات وغواصات اعترضت أو ردعت السفن المتجهة إلى ميناء إيلات، بما أدى عمليا إلى وقف الملاحة الإسرائيلية عبر البحر الأحمر، بينما ظلت سفن أخرى قادرة على المرور. وتشير محاضر مجموعة العمل الخاصة في واشنطن في 6 نوفمبر/تشرين الثاني إلى أن سفينة شحن أمريكية واصلت طريقها عبر البحر الأحمر إلى جدة، رغم ما كان يوصف بـ”الحصار المصري” آنذاك؛ بل رأى مسؤولون أمريكيون في الاجتماع أن الإجراءات القائمة لا تشكل حصارا بحريا كاملا بالمعنى القانوني الدولي، وإن كانت كافية عمليا لردع السفن المرتبطة بإسرائيل.
وعليه، تحوَّل الضغط البحري إلى ورقة مساومة سياسية. فمع الانتقال من الحرب إلى ترتيبات وقف إطلاق النار، أصبح تخفيف القيود عند باب المندب جزءا من التفاوض حول الأسرى وإمداد الجيش المصري الثالث وتنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار. وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني، نقل برنت سكوكروفت، نائب مساعد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون لشؤون الأمن القومي آنذاك، رسالة من وزير الخارجية المصري إسماعيل فهمي تؤكد أن مصر ستلتزم بتخفيف الإجراءات عند باب المندب إذا وفت إسرائيل بالتزاماتها. وكانت محادثات سابقة بين وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر والرئيس المصري أنور السادات قد تضمنت بالفعل تفاهما شفهيا بأن تخفف مصر القيود هناك مع تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار.
مصاعب تنتظر الوريث
على جانب آخر، لا تعد أدوات الحراسة الأمريكية موردا منفصلا عن بقية القوة البحرية الأمريكية، فهي جزء من الأسطول ذاته الذي تحتاجه واشنطن للحضور والردع والاستعداد للقتال في مسارح أخرى، وفي مقدمتها المحيطان الهندي والهادئ. ومن ثم، لا تُقاس كلفة حماية الممرات البحرية فقط بثمن الصواريخ التي تُطلق لاعتراض مُسيَّرة أو صاروخ، أو بعدد أيام انتشار مدمرة في البحر الأحمر، بل أيضا بما يسميه الاقتصاديون والإستراتيجيون “تكلفة الفرصة البديلة”.
يعني ذلك أسئلة على شاكلة: أين ستكون هذه السفينة إذا لم تكن هنا؟ وأي مهمة أخرى أكثر فائدة كان يمكن أن تؤديها؟ وأي قدر من الجاهزية والتدريب والعمر التشغيلي استُهلك في مهمة الحراسة بدلا من الاحتفاظ به لمواجهة أزمة أخرى؟ وهي معضلة يؤكدها جيفري تيل حين يخلص إلى أن البقاء في الخطوط الأمامية بصورة مستمرة يستهلك جاهزية الأسطول الأمريكي ويُجهد السفن وأطقُمها، بما قد يخفض توافرها وجودتها للقتال، فضلا عن أن الانتشار البعيد قد يأتي على حساب التدريب والاستعداد لحرب أكبر.
“الأمن الذي توفره الولايات المتحدة لطرق الملاحة الدولية لا يخدم أمريكا وحلفاءها وحدهم”
وهنا تظهر مفارقة أخرى؛ فالأمن الذي توفره الولايات المتحدة لطرق الملاحة الدولية لا يخدم أمريكا وحلفاءها وحدهم، وإنما تستفيد منه أيضا القوى التي تستعد واشنطن نفسها لاحتمال مواجهتها، وفي مقدمتها الصين. فبحسب وزارة النقل الصينية، يُنقل نحو 95% من بضائع التجارة الخارجية الصينية بحرا، وهو ما يجعل بكين شديدة الاعتماد على بقاء خطوط الملاحة الرئيسية مفتوحة وآمنة. وإذا قيس الأمر بالقيمة لا بحجم البضائع، تظهر بيانات صينية أحدث أن الواردات والصادرات المنقولة بحرا مثَّلت 61.5% من إجمالي تجارة السلع الصينية في عام 2025.
يدفع ذلك النقاش في واشنطن نحو مسألة توزيع الأعباء؛ فإستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، تربط أولوية ردع الصين بمطالبة الحلفاء والشركاء بتحمل نصيب أكبر من مسؤوليات الدفاع في مسارح العمليات الأخرى، ما يعيدنا إلى المقارنة مع عدن في الستينيات. لم تعتبر بريطانيا آنذاك أن الموقع فقد أهميته، بقدر ما أعادت النظر إلى موقعها داخل ثنائية القوة والالتزامات. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستكرر حتما المسار البريطاني، أو أن أي تقليص مؤقت لحضورها في البحر الأحمر سيكون دليلا قاطعا على اختلال نهائي بين مسؤوليات القوة وكلفتها، فضلا عن أن يكون إعلانا بالتنازل عن موقعها العالمي. لكن التجربة البريطانية تظل مفيدة في جانب آخر، وهو أنها تكشف أن تقليص أعباء القوة المهيمنة لا يؤدي تلقائيا إلى ظهور قوة أخرى قادرة على حملها.
ولم تشهد السنوات التالية لخروج بريطانيا من عدن انتقالا منظما إلى وريث واحد، إذ اقترب جنوب اليمن من الاتحاد السوفياتي، ما منح موسكو تسهيلات ومواقع في المنطقة، منها “ميون”. أما على الضفة الأفريقية فقد تبدلت الاصطفافات بدورها، فانتقلت إثيوبيا من علاقة وثيقة بالولايات المتحدة إلى المعسكر السوفياتي، بينما دفعت حرب أوغادين الصومال إلى الاتجاه المعاكس بعد أن كانت موسكو شريكها الرئيسي. ما يعني أن حسابات الحكومات المحلية والصراعات الإقليمية لعبت دورا حاسما في إعادة تشكيل التحالفات.
لذلك لا ينبغي وصف ما أعقب الخروج البريطاني بالفراغ، فالأدق أن الانسحاب أعاد توزيع الفرص والمخاطر. ومن هنا، يصبح احتمال التراجع الأمريكي أعقد من مجرد سؤال عمَّن يمكنه أن يحل محل واشنطن. فامتلاك أدوات الحضور يختلف عن القدرة على الاستمرارية أو تحمل مسؤوليات الحراسة. والصين نفسها تُقدّم مثالا على ذلك، فلديها في جيبوتي أول قاعدة عسكرية لها خارج البلاد، كما تملك أكبر قوة بحرية في العالم من حيث عدد سفن القوة القتالية، وفق تقدير البنتاغون، ومع ذلك، فإن دورها في تأمين الملاحة في المنطقة لا يزال محدودا.
وتزداد التحديات التي تواجه أي وريث عند الانتباه إلى أن الولايات المتحدة نفسها، رغم خطابها المتكرر عن تحمل نصيب كبير من كلفة حماية النظام البحري، لم تؤد وظيفة الحراسة بالطريقة البريطانية المنفردة. فقد بنت حول قوتها البحرية شبكة من الحلفاء والشركاء، كما في القوات البحرية المشتركة التي تضم اليوم عشرات الدول. وهكذا لا تكمن الهيمنة الأمريكية في حجم الأسطول وحده، بل أيضا في قدرتها على تنظيم قوة الآخرين وربطها بشبكة تقودها. ولذلك فإن وراثة دورها في باب المندب لن تتطلب من أي قوة قادمة سفنا وقواعد فحسب، بل شبكة مماثلة قادرة على تحويل القوة إلى نظام مستدام للحراسة.

