روكب اليوم
2026-07-27 18:02:00

وهذا السعر لا يقيس التضخم وحده؛ فالزبائن لا يشترون السعرات الحرارية بقدر ما يدفعون مقابل الندرة والحرفية والقصة المصاحبة للمنتج؛ من نكهات محدودة الإصدار إلى مكونات محلية ومخبوزات تُصنع داخل المتجر، فهي سوق تستطيع فيها الشركات الصغيرة تحويل علبة آيس كريم إلى «تجربة» تُسوّق عبر منصات التواصل وتباع قبل نفاد الكمية، وفق روكب اليوم.
بدأت قصة «إيه تو زد» في 2020، عندما تعطلت وظيفة مؤسسها زاك فرا في المبيعات، فاستعان بآلة منزلية لصنع الآيس كريم وبدأ نشر ابتكاراته على الإنترنت، ومع تراكم مئات الطلبات، تحول المشروع الجانبي إلى نشاط يعتمد على دفعات أسبوعية محدودة ومواعيد استلام معلنة مسبقاً.
هذا النموذج يجمع ثلاث سمات خلّفتها الجائحة، وهي سهولة تأسيس علامة تجارية عبر وسائل التواصل، وانخفاض التكلفة الأولية للبيع المباشر، واستعداد المستهلك لدفع علاوة مقابل منتج يصعب الحصول عليه؛ فالكمية المحدودة لا تقلل مخاطر الهدر فحسب، بل تخلق إحساساً بالإلحاح والانتماء إلى مجتمع صغير من المتابعين.
ومع ذلك، لا يعني دفع 15 دولاراً أن المستهلكين فقدوا حساسيتهم للأسعار، فقد اتجه الأميركيون على نطاق واسع إلى العلامات التجارية الخاصة ومتاجر التخفيضات، وسجل نمو مبيعات متاجر القيمة 11.6% مقابل 2.3% لدى المتاجر التقليدية، بحسب بيانات «نيلسن آي كيو» التي أوردتها رويترز.
وبحسب روكب اليوم فإن الرسالة تبدو متناقضة ظاهرياً، حيث المستهلك يوفر في مشترياته اليومية كي يحتفظ بمساحة لإنفاق انتقائي على متعة صغيرة.
تزداد شعبية الآيس كريم الفاخر بينما تتسع الفجوة بين أصحاب الأصول وبقية الأسر، فقد ارتفع إنفاق أعلى 10% من الأسر دخلاً بنحو 62% بين الربع الثالث من 2020 والفترة نفسها من 2025، بمعدل يفوق بقية شرائح الدخل، وفق مراجعة نشرها بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس.
على الخط الصاعد من حرف «K»، استفادت الأسر الأعلى دخلاً من ارتفاع أسعار المنازل والأسهم ومن تثبيت رهون عقارية بأسعار فائدة منخفضة قبل موجة التشديد النقدي.
وتشير تقديرات حديثة إلى وجود نحو 45 مليون أسرة أميركية تتمتع بدرجة مرتفعة من الأمان المالي، ما يمنح الاستهلاك قوة تفوق ما توحي به مؤشرات الثقة المتشائمة، وفق رويترز.
أما الخط الهابط، فتقف عليه أسر استنفدت مدخرات الجائحة وتواجه إيجارات وفوائد بطاقات ائتمان وتكاليف معيشة أعلى، حيث انخفض معدل الادخار الشخصي إلى 2.6% في أبريل 2026، وهو من أضعف مستوياته منذ خمسينيات القرن الماضي، بينما تزايدت حالات التأخر في سداد قروض السيارات والبطاقات، وفق رويترز.
لهذا لا يمكن تفسير طوابير الآيس كريم بأنها دليل على رخاء شامل، إنها تعكس جزئياً قدرة الأثرياء على مواصلة الإنفاق، لكنها تكشف أيضاً سلوكاً مختلفاً لدى أصحاب الميزانيات المحدودة، وهو التخلي عن المشتريات الكبيرة واستبدالها بمكافأة فورية يمكن التحكم في تكلفتها.
تصف متاجر الآيس كريم هذه المنتجات بأنها «أكواب دعم عاطفي»؛ فمبلغ 15 دولاراً أعلى كثيراً من سعر علبة تقليدية في متجر بقالة، لكنه يظل أقل من تكلفة عشاء فاخر أو رحلة قصيرة أو سلعة كمالية، ومن هنا تأتي جاذبيته، المتمثلة في قدر محدود من الرفاهية لا يحتاج إلى قرار مالي كبير.
يقول مؤسس «سادبوي كريمري» في دنفر إن زبائنه يبحثون عن تجربة راقية تفضل الجودة على الكمية، بينما يؤكد مؤسسو متاجر أخرى أن قاعدة العملاء لا تقتصر على الأحياء الغنية؛ فبعض المستهلكين يشترون المنتج باعتباره استثناءً محسوباً أو وسيلة لدعم مشروع محلي، وفق روكب اليوم.
ويرى خبراء أسواق المال أن هذه النزعة لا تلغي أزمة القدرة على تحمل التكاليف، فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 3.5% على أساس سنوي في يونيو، وزادت أسعار الغذاء 3%، فيما لا يزال التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وفق مكتب إحصاءات العمل الأميركي، ومع تراكم زيادات الأسعار منذ الجائحة، أصبح المستهلك أكثر انتقائية: يساوم على الأساسيات، لكنه قد يدفع علاوة في منتج يمنحه شعوراً واضحاً بالقيمة.
على الورق، لا يبدو الاقتصاد الأميركي في أزمة، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي 2.1% في الربع الأول، وارتفع الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي 0.3% خلال مايو أيار، وفق مكتب التحليل الاقتصادي، كما استقر معدل البطالة عند 4.2% في يونيو حزيران، رغم تباطؤ خلق الوظائف إلى 57 ألف وظيفة، بحسب مكتب إحصاءات العمل.
وبحسب الخبراء تخفي قوة الأرقام الإجمالية تفاوتاً في التجربة اليومية؛ فالشركات تحقق أرباحاً قوية والأسهم تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي، بينما يرى كثير من الأميركيين أن الأجور والدخول المتاحة لا تواكب تكاليف السكن والطاقة والغذاء، حتى مرونة الاستهلاك أصبحت معتمدة بصورة متزايدة على الأسر المالكة للأسهم والعقارات.
ويروا أن هنا تكمن دلالة علبة الآيس كريم ذات الـ15 دولاراً، وهي إنها ليست برهاناً على أن الأميركيين لا يهتمون بالأسعار، بل على أنهم يعيدون ترتيب أولوياتهم، فاقتصاد ما بعد الجائحة لا يتوقف فيه الإنفاق، لكنه يصبح أكثر انقساماً وانتقائية وعاطفية؛ الأغنياء يشترون التجربة بلا تردد، والآخرون يشترونها على فترات باعتبارها رفاهية صغيرة تمنحهم إحساساً مؤقتاً بالسيطرة.
