
وقال وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، إن الحرب على إيران كشفت الحاجة إلى إعادة النظر بصورة شاملة في البنية الأمنية لمنطقة الخليج، والانتقال من سياسة “الاحتواء” التي حكمت الترتيبات الإقليمية طوال العقود الماضية إلى نظام يقوم على إدماج جميع دول المنطقة ويحمّلها مسؤولية أمنها المشترك.
ونقلت وكالة الأنباء العُمانية، اليوم الثلاثاء، عن البوسعيدي قوله، في مقال نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية ، إن “شعوب سلطنة عُمان ودول الخليج تعيش تحت وطأة عواقب حرب ما كان ينبغي أن تقع”، معربا عن أمله في أن تقود التطورات الحالية إلى نهاية فعلية للصراع، وليس إلى مجرد توقف مؤقت للعمليات العسكرية يمكن أن ينهار في أي وقت.
وأوضح الوزير أن إحدى الأولويات المطروحة حاليّا تتمثل في وضع إطار دائم يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، مشيرا إلى “المسؤولية الخاصة التي تتحملها سلطنة عُمان في هذا الملف، باعتبارها، إلى جانب إيران، من الدول المطلة مياهها الإقليمية على المضيق”.
وأكد ضرورة أن تعمل سلطنة عُمان وإيران، بالتعاون مع المجتمع الدولي، على صياغة ترتيبات واقعية ومستدامة ومتوافقة مع القانون الدولي، تضمن حرية العبور وتحمي حركة الملاحة في هذا الممر الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للتجارة والاقتصاد العالميين.
العقود الماضية شهدت إنفاقا عسكريّا ضخما وتوسيعا للقواعد الأميركية في المنطقة وترسيخا لنظام أمني يعتمد على الحماية الخارجية من دون أن يؤدي ذلك إلى بناء أمن مستدام أو منع اندلاع الحروب والأزمات.
وأشاد في هذا السياق بالدور البنّاء الذي تقوم به فرنسا في المناقشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز، لكنه شدد على أن معالجة أوضاع المضيق ينبغي أن تكون جزءا من رؤية استراتيجية أوسع تشمل الخليج والممرات البحرية المتصلة به.
ورأى الوزير العُماني أن النظام الأمني الذي تشكّل في الخليج منذ عام 1979 قام على “فرضية أن إيران تعتبر تهديدا وجوديّا للمنطقة وللمصالح الغربية”، وهي فرضية بحسب رأيه “كانت خاطئة من أساسها”.
وأشار إلى أن “العقود الماضية شهدت إنفاقا عسكريّا ضخما، وتوسيعا للقواعد الأميركية في المنطقة، وترسيخا لنظام أمني يعتمد على الحماية الخارجية، من دون أن يؤدي ذلك إلى بناء أمن مستدام أو منع اندلاع الحروب والأزمات”.
وقال الوزير البوسعيدي إن الحرب الأخيرة كشفت إلى أي مدى كانت سياسة الاحتواء وهما، مضيفا أن “مصادر الخطر الأكبر على أمن الخليج تأتي في كثير من الأحيان من قرارات تتخذ خارج المنطقة، وخصوصا من تل أبيب”.
وطرح تساؤلات حول الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة بناء النظام الأمني الخليجي في ضوء هذه التحولات، مؤكدا أن أي بنية مستقبلية لا يمكن أن تستبعد أيّا من الدول الثماني المطلة على الخليج، وهي دول مجلس التعاون الست إلى جانب إيران والعراق.
وأضاف أن لكل واحدة من هذه الدول مصالح حيوية ومسؤوليات تتناسب مع إمكاناتها وأولوياتها، ولذلك يتعين عليها جميعا المشاركة في تصميم النظام الإقليمي الجديد وتنفيذه وتحمّل الالتزامات المُترتّبة عليه.
وأوضح أن هذا التحول سيتطلب مناقشات صريحة وربما صعبة، ومراجعة بعض المسلّمات التي حكمت العلاقات الإقليمية والدولية لعقود، بهدف التمييز بين الشراكات التي تعزز أمن الخليج وتلك التي قد توجد نقاط ضعف أو مصادر جديدة للتوتر.
ودعا في هذا الإطار إلى مراجعة متوازنة للعلاقات مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن الهدف لا يتمثل في التخلي عن علاقات تاريخية وراسخة، وإنما في إعادة توازنها بما يتلاءم مع الوقائع الاستراتيجية التي كشفتها الحرب.
كما شدد على أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن شمال غرب المحيط الهندي، ومضيق باب المندب، والبحر الأحمر، والموانئ والممرات البحرية المرتبطة بالبنية الاقتصادية واللوجستية للمنطقة.
وقال إن شعوب هذا النطاق الجغرافي الواسع ستستفيد من إنشاء إطار قانوني وعملي قادر على حماية حركة التجارة والملاحة وتعزيز الاستقرار والازدهار المستدامين.
ووصف الوزير الحرب بأنها “كارثة”، مشيرا إلى أنها اندلعت من دون تفويض من الأمم المتحدة، ولم تحقق الأهداف التي أعلنت لتبريرها.
وختم بالتأكيد على أن الأمل يبقى قائما في أن تؤدي تداعيات الحرب إلى إنهاء سياسة الاحتواء التي استمرت قرابة نصف قرن، وفتح الطريق أمام نظام أمني أكثر عدلا وواقعية وفاعلية في منطقة الخليج.
