روكب اليوم
2026-02-16 12:47:00

ألقى غياب المشترين الآسيويين بظلاله الثقيلة على سوق الذهب، بعدما دخلت كبرى الأسواق في شرق آسيا عطلة السنة القمرية الجديدة، ما أدى إلى انحسار السيولة وتراجع وتيرة الطلب الفعلي على المعدن النفيس.
هذا الفراغ الشرائي المفاجئ حرم الذهب من أحد أهم محركاته التقليدية، ليتحول المسار من صعود متسارع إلى تصحيح حاد في غضون جلسات محدودة.
وكان الذهب قد استفاد خلال الأسابيع الماضية من زخم شرائي قوي تقوده المؤسسات الآسيوية، خصوصاً من الصين التي تُعد من أكبر مستهلكي الذهب عالمياً.
غير أن توقف النشاط المؤسسي والتجاري خلال العطلة السنوية خلق فجوة في جانب الطلب، في وقت بقيت فيه أوامر البيع وجني الأرباح نشطة في الأسواق الغربية، ما أخلّ بتوازن القوى بين العرض والطلب.
جفاف منابع السيولة
مع تراجع أحجام التداول في البورصات الآسيوية، أصبحت تحركات الأسعار أكثر حساسية للأوامر الكبيرة، الأمر الذي ضاعف من حدة التقلبات. وفي ظل غياب المشترين الطبيعيين الذين عادة ما يمتصون موجات البيع، فقد الذهب دعمه المرحلي، ما سمح بامتداد الحركة التصحيحية بوتيرة أسرع من المعتاد.
ويرى متعاملون أن السوق كانت تعتمد ضمنياً على استمرار الطلب الآسيوي للحفاظ على المسار الصاعد، خصوصاً بعد تسجيل مستويات تاريخية فوق 5000 دولار للأونصة. لكن مع دخول عطلة رأس السنة القمرية، اختفى هذا الدعم المؤقت، لتظهر هشاشة الزخم الصاعد أمام عمليات جني الأرباح المكثفة.
الثقل الصيني الغائب
لم يكن التأثير رقمياً فحسب، بل نفسياً أيضاً، فالمستثمرون يدركون أن السيولة الآسيوية تمثل ثقلاً موازناً في سوق الذهب، وغيابها ولو لفترة قصيرة يغير ديناميكيات التسعير.
هذا الإدراك عزز سلوك الحذر، ودفع بعض الصناديق إلى تقليص مراكزها مؤقتاً إلى حين عودة النشاط الكامل بعد انتهاء الإجازة.
رغم تزايد رهانات المستثمرين على استمرار التوترات الجيوسياسية، بدأت رياح التغيير تهب من الشرق، ومع اقتراب عطلة «السنة القمرية» الصينية التي تؤدي عادةً إلى تجفيف السيولة وجني الأرباح من قبل المؤسسات والمتداولين الأفراد، تحول بريق الذهب إلى شحوب مفاجئ، لتبدأ موجة بيع تقنية منظمة استهدفت مناطق الوقف والسيولة أسفل القمم التاريخية.
هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل جاء في سياق دورة تقليدية تشهدها الأسواق الآسيوية قبيل الإجازات الكبرى، حيث تميل المحافظ إلى تقليص الانكشاف على الأصول عالية التقلب، وفي مقدمتها الذهب الذي كان قد صعد بوتيرة شبه رأسية خلال الأسابيع السابقة.
أرقام في مهب تقلب جلستي الصباح
سجلت الشاشات اللحظية تراجعاً متسارعاً كسر حاجز المقاومة النفسي، حيث هبط السعر من:
القمة المسجلة: 5052 دولاراً فجر اليوم الاثنين 16 فبراير 2026.
القاع الحالي: 4964 دولاراً أدنى قاع خلال اليوم الاثنين 16 فبراير 2026.
صافي الخسارة: 90 دولاراً.
هذا التراجع، وإن بدا محدوداً نسبياً من حيث النسبة المئوية، إلا أنه حمل دلالة نفسية قوية بعد كسر مستوى 5000 دولار الذي اعتُبر حاجزاً رمزياً جديداً في مسار المعدن النفيس. وتزامن ذلك مع ارتفاع مؤقت في عوائد السندات العالمية وصعود طفيف في شهية المخاطرة بالأسواق الآسيوية، ما أضعف جاذبية الذهب كملاذ آمن خلال الساعات الحرجة من التداول.
ماذا عن جلسة نييويورك ؟
يرى البعض أن خسارة الذهب في جلسة سيدني وآسيا وأوروبا «استراحة محارب» للمعدن النفيس أكثر من كونه انعكاساً هيكلياً في الاتجاه العام، حيث يترقب المتداولون عودة المؤسسات الصينية إلى السوق بعد انقضاء عطلة القمر، وسط توقعات بأن يظل مستوى 4900 دولار هو خط الدفاع الأول لمنع انزلاقات إضافية.
وفي حال صمد هذا المستوى، فقد يعاود الذهب اختبار قمته التاريخية وربما تسجيل مستويات جديدة، خاصة إذا تجددت المخاوف الجيوسياسية أو عادت رهانات خفض الفائدة العالمية إلى الواجهة.
أما كسر هذا الحاجز هبوطاً، فقد يفتح الباب أمام موجة تصحيح أعمق تعيد ترتيب أوراق السوق قبل أي صعود مستقبلي.
هل يعود الزخم بعد العطلة؟
يبقى السؤال الأهم: هل يستعيد الذهب زخمه الصاعد مع عودة المتعاملين الآسيويين؟ تاريخياً، كثيراً ما شهدت الأسواق انتعاشاً في الطلب بعد انتهاء عطلة السنة القمرية، سواء لأغراض استثمارية أو استهلاكية، ما قد يوفر دعماً جديداً للأسعار إذا تزامن مع استقرار العوامل النقدية العالمية.
إلى ذلك الحين، سيظل الذهب يتحرك في نطاق حذر، مترقباً عودة المشترين من آسيا، الذين أثبت غيابهم أن حضورهم ليس تفصيلاً موسمياً، بل ركيزة أساسية في معادلة التوازن السعري للمعدن الأصفر.
وبين المد والجزر، يبقى الذهب رهينة مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والنفسية، حيث لا تتحرك الأسعار بالأرقام وحدها، بل بتوقعات المستثمرين، وبالقصص الكبرى التي تصنعها العواصم الاقتصادية من بكين إلى وول ستريت.