روكب اليوم
2026-05-22 12:47:00

يتزايد حضور الذكاء الاصطناعي كعامل مباشر في إعادة تشكيل سوق العمل، ليس فقط كأداة مساعدة، بل كمحرك يقلّص بالفعل نمو الوظائف في الولايات المتحدة بنحو 16 ألف وظيفة شهرياً وفقاً لتقديرات حديثة صادرة عن غولدمان ساكس.
هذا التحول لم يعد نظرياً.. فبحسب خبراء، فإن الفئات الأكثر عرضة للخطر هي الوظائف المعرفية التي تعتمد على التحليل والإنتاج المكتبي، مثل المحاسبة، والقانون، والمالية، والهندسة البرمجية، وهي مجالات طالما اعتُبرت الأكثر أماناً ومكانة.
لكن المفارقة اليوم أن هذه الوظائف تحديداً هي الأكثر قابلية للاستنساخ عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل بسرعة فائقة وعلى مدار الساعة.
ويؤكد ديفيد شراير، أستاذ الذكاء الاصطناعي والابتكار في إيمبايرال كولدج لندن Imperial College London، أن أكثر الوظائف قيمة، مثل مهندس البرمجيات أو المحاسب أو المحامي، هي نفسها الأكثر عرضة للأتمتة المعرفية، في إشارة إلى التحول العميق الذي يطال مهن الطبقة الوسطى المهنية.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل؛ فكما يوضح أوديد نوف، أستاذ إدارة التكنولوجيا في جامعة نيويورك، فإن الوظائف ليست كياناً واحداً، بل مجموعة من المهام المتغيرة، ما يعني أن الخطر الحقيقي لا يطال الوظيفة كاملة بل أجزاء محددة منها، خصوصاً تلك الروتينية والقابلة للتكرار مثل إدخال البيانات أو معالجة النماذج المالية.
ومن هذا المنظور، يشير تقرير اقتصادي إلى أن الشركات بدأت بالفعل في تقليص ما يُعرف بوظائف القياس أو الإدارة الوسطى مثل التدقيق والامتثال والعمليات، وهي وظائف تعتمد على التكرار والتحقق أكثر من الابتكار، حيث بات الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذها بدقة وسرعة أعلى، وفقاً لرؤية طرحها الرئيس التنفيذي لشركة كلاود فير في مقال صحفي.
في المقابل، لا تزال بعض القطاعات أكثر مقاومة للأتمتة، خاصة تلك التي تتطلب وجوداً جسدياً أو تفاعلاً إنسانياً مباشراً مثل الرعاية الصحية، والضيافة، والحِرف المهنية، حيث يرى الخبراء أن الروبوتات ما زالت تبعد عقداً على الأقل عن استبدال الإنسان في هذه المجالات.
أما الاستراتيجية الأكثر فاعلية لمواجهة هذا التحول، فهي تبدأ من إعادة تقييم الوظيفة، أي تحديد المهام القابلة للتكرار داخل العمل اليومي، ثم تقليل الاعتماد عليها أو أتممتها، مقابل تعزيز المهام التي تتطلب تفكيراً نقدياً أو تواصلاً إنسانياً أو فهماً للسياق المؤسسي.
ويؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي ما زال ضعيفاً في المهارات العاطفية والاجتماعية مثل فهم ديناميكيات الفرق وبناء الثقة، وهي عناصر أساسية في مجالات مثل المبيعات وإدارة العلاقات.
وفي المقابل، يشير شراير إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس عدواً بالضرورة، بل أداة يمكن تحويلها إلى ميزة تنافسية إذا تم تعلم استخدامها بذكاء، من خلال تجربة أدواته المختلفة، ودمجها في العمل اليومي، وحتى بناء تطبيقات بسيطة عبر أوامر نصية دون الحاجة لكتابة أكواد معقدة.
كما يبرز مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي كمرحلة متقدمة، وهي أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ مهام بشكل شبه مستقل، وهو ما يفتح الباب أمام تحول جذري في طريقة العمل داخل الشركات خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذا التقدم، يشدد الخبراء على أن الإنسان لن يُستبعد بالكامل، حتى في مجالات البرمجة، على سبيل المثال، أصبحت المهام الروتينية تُسند إلى الذكاء الاصطناعي، بينما يحتفظ البشر بدور المراجعة والتوجيه واتخاذ القرار النهائي، ما يعيد تعريف الوظائف بدل إلغائها.
وبحسب الرؤية المطروحة في التقرير، فإن المستقبل القريب سيشهد انتقالاً تدريجياً من تنفيذ المهام إلى إدارة الذكاء الاصطناعي نفسه، حيث يصبح العامل البشري أكثر تركيزاً على الإبداع والتوجيه بدلاً من الإنتاج اليدوي المباشر.
(هاداس غولد، روكب اليوم)
