
هناك مشهد مسرحي قديم لسمير غانم في دور شهريار. يأتيه مساعده بنبأ يقول: وجدنا جثة رجل قتيل في كيس، كانت مقطعة إلى أوصال ومرمية في النهر. هنا ينفعل شهريار ويصدر قانوناً بمنع صناعة الأكياس للحد من الجريمة. ربما لا يجسد هذا المشهد حكومة في العالم، بل في التاريخ، كما يجسد “النظام” الألماني المعاصر. في الحرب العالمية الثانية نفذ النظام الألماني محرقة بحق اليهود. مضى وقت طويل حتى أدرك، عقلياً ونفسياً، الحاكم الألماني طبيعة الجريمة. فلم تكن صورة “المسؤولية التاريخية” حاضرة في ذهن كونراد أديناور، مؤسس ألمانيا ما بعد الحرب. بقي الرجل حتى قبل وفاته بأشهر (١٩٦٨) يعلل دعمه لإسرائيل بلغة معادية للسامية، كقوله “تسألونني لماذا ندعم إسرائيل؟ سأجيبكم: لسببين، لنعيد دمج بلادنا في النظام العالمي. أما السبب الآخر: علينا أن لا نقلل من خطورة اليهود في العالم”.
وفي حرب 1973 عندما أمدت ألمانيا الغربية إسرائيل بالسلاح فإن فعلت ذلك في الظلام وتحت غطاء من التضليل الإعلامي. أولاً قامت وزارة الدفاع بنزع كل الملصقات التي تشير إلى بلد المنشأ، ثم أذاعت وسائل الإعلام خبراً يقول إن كمية كبيرة من السلاح الألماني اختفت من مخازن وزارة الدفاع، ومن المحتمل أنه قد جرى تهريبها إلى دولة أجنبية! كان ذلك هو شكل التعاطف الألماني مع المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط. في العام ١٩٩٩ حصل الروائي الألماني مارتن فالتزر على جائزة مرموقة، أظنها كانت جائزة التلفزيون. في حفل الجائزة ألقى خطاباً قال فيه “نريد أن ننعتق من حلزون الإحساس بالذنب، وأن تبعدوا عنا الهراوة الأخلاقية”. في الأيام التالية وقع حوالي ١٢٠٠ شخصية ألمانية رفيعة من قطاع المال والثقافة والإعلام عريضة يؤيدون فيها ما قاله. ما قاله أديناور أمام الإعلام، وما سيقوله فالتزر بعده بثلاثين عاماً، بات من اللامفكر فيه راهناً في ألمانيا. بل يمكن عدّ الرجلين، وفقاً لقواعد السياسة والأخلاق الراهنة، مناهضين للسامية.
الدولة أفاقت أمس الأول، ورأت الدم البريء للتو. لاحظوا أن مستشار ألمانيا لم يزر إسرائيل سوى ٣ مرات بين عامي ١٩٤٩ و ٢٠٠٨، وهو العام الذي وصلت فيه ميركل، ابنة القس الأنجليكاني، إلى السلطة. في فترة حكمها زارت إسرائيل ثمان مرات، واخترعت للساسة من بعدها قانون Staatsräson أو مصلحة الدولة العليا، ويقصد به إسرائيل. كانت الكنيسة الأنجليكانية معزولة داخل ألمانيا الشرقية، العلمانية، حتى 1990. ثم خرجت إلى النور، وعبّرت عن رؤيتها للعالم. يأتي المشروع الصهيوني في قلب رؤيتها للعالم، للتاريخ، وحتى لنهاية التاريخ. مع الأيام تقاربت مع الكاثوليكية – اقرؤوا مقالتي الأخيرة على الجزيرة نت إن شئتم- وعملتا معاً على إنشاء هيكل صهيوني داخل الخيال السياسي الألمانيا الحديث. يمكن القول إن الدين هكّر العلمانية الألمانية على نحو لا رجعة عنه.
لندع هذا التفسير جانباً، ولنأخذ مسألة المسؤولية التاريخية على محمل الجد. لنقل أن ألمانيا فهمت أخيراً جريمة القرن الماضي؟ ما العمل يا شهريار؟ سوف ندعم إسرائيل في كل جرائمها لأننا قتلنا اليهود من قبل.
التي تسمي نفسها “أرض الفلاسفة والشعراء” باتت تتحدث بهذه الطريقة. أمس حلت صحيفة بيلد، الصهيونية، شفرة خسارة ألمانيا للسباق على بطاقة العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن. قالت الصحيفة: التقينا برئيس بوتسوانا السابق وسألناه عن سبب خسارة ألمانيا فقال إن ذلك يعود إلى غضب الأفارقة من نصائح الألمان لهم حول طريقة بناء المراحيض، والتعامل مع الفيلة. ما بدا أنها نكتة جديدة قادمة من بلاد الشعراء والفلاسفة صار صباح اليوم إلى حقيقة سياسية. حتى أن صحف كبرى مثل فرانكفورته روندشاو أخذت هذا المزاح البوتسواني وقدمته كحقيقة جيوسياسية إلى مواطني الشعراء والفلاسفة. ستبحث ألمانيا عن مراحيض هونولولو لتحملها التبعات، ولا يقال إن تأييدها ودعمها اللوجيستي والسياسي للإبادة البشرية في غزة كان سبباً مباشراً. لأننا ارتبكنا إبادة بشرية بحق اليهود فسوف نكفر عن جريمتنا ونساعدهم على ارتكاب إبادة بشرية بحق آخرين. لقد تعلمنا من التاريخ أن لا نقتل اليهود. وتعلمنا أيضاً أن لا ندين أي قتل تتعرض له الشعوب الأخرى كي لا تؤثر إدانتنا على التزامنا تجاه إسرائيل. هذا ما تقوله الفلسفة الألمانية المعاصرة، حتى بلسان هابرماس وغيره: فرادة الهولوكوست. تنبهوا إلى ما ستقولونه كي لا تمسوا تلك الفرادة التي لا سابق لها في التاريخ، ولن تحدث مستقبلاً. ألمانيا بلد مبني على البيروقراطية لا الديموقراطية. تأييدها لإسرائيل نابع عن التزام بيروقراطي لا علاقة له بالديموقراطية ولا التاريخ.
ولأن البيروقراطية فخ غاية في التعقيد فإنه ما من سياسي ألماني قادر على مراجعة اللوائح ومساءلة القواعد. خصوصا وهناك هراوة أخلاقية غامضة في الأجواء، رآها مارتن فالتزر و1200 شخصية ألمانية قبل أكثر من ربع قرن، ولا تجوز رؤيتها الآن. لا تجوز بالمطلق. الموظف السياسي التافه، عادة، والقادم من السوشال ميديا إلى حقيبة الخارجية أو وزارة التعليم هو أقل قدرة وجدارة من أن يقف أمام الإيديولوجيا البيروقراطية تلك، البهيموث الذي لا يرحم حتى نفسه. صارت إسرائيل إلى “سبب وجود الدولة الألمانية”، تقول البيروقراطية بغطاء واسع من الأخلاق والسرديات والمراحيض. من بمقدوره أن “يُعيد السيل مطلَع” كما يقول أهل اليمن؟ أو “يغالب مجرى النهر” كما يقول سعيد خطيبي.
ما العمل إذن مع سخط العالم من مروق ألمانيا عن القانون الدولي؟ كيف نتحاشى الخسارات المتكررة لمرشحي البلاد من مجلس حقوق الإنسان إلى ومجلس الأمن؟ بل وجر البلاد إلى محكمة العدل الدولية؟ ومقاطعة دبلوماسييها في كل الجنوب العالمي بحسب تقرير لدير شبيغل؟ المسألة معقدة والحل بسيط: دعونا لا نتحدث عن المراحيض في نيجيريا مرة أخرى. أو بلغة سمير غانم: قررنا منع صناعة الأكياس للحد من الجريمة. ماذا حل بك يا بلاد الشعراء والفلاسفة؟
كنت حلوة وأنت كتلة من البيرواقرطية المحايدة، تصنع السيارات وتفوز بكأس العالم.
ثم تحولت إلى الديموقراطية وابتعلتك السحابة الغامضة، واتسعت الهوّة بين الموقفين الشعبي والرسمي، في سلوك أبعد ما يكون عن المبادئ الأساسية للديموقراطية!
ما المقصود بالسحابة الغامضة؟ البيان الذي أصدره أمن الدولة الألماني قبل أسابيع حذر من الإشارة إلى قوى غامضة تتحكم بالسياسة، مطلقاً على ذلك اسم “الكراهية المتخفية للسامية”، وقرر أن يعاقَب مرتكبوها بسجن يصل إلى 3 سنوات.
بات أمن الدولة الألماني، كما ترون، يحدد كود الخطاب وقواعد القول، بل ومساحات الحركة.
وبمناسبة هذه الإهانة التي تحلقها بلاد الشعراء والفلاسفة بنفسها على كل صعيد فقد قال 36% من الأوروبيين في استطلاع رأي أجرته [مؤسسة فريديش إيبرت، 2022] إنهم يفضلون حاكماً قوياً على الديموقراطية الانتخابية.
وقال 38.4% من الألمان إنهم يفضلون قادة أكفاء تسند إليهم شؤون البلاد ولا يأتون عبر الانتخابات.
لقد سئم كل هذا.
أعني: الحديث عن مراحيض نيجيريا.

