Site icon روكب اليوم

ما فعلته إيران بكارتر قد يذوقه ترمب قريبا |

27766cba c42a 4b29 8cbb d04aba05a09e



روكب اليوم

ما زال أغلب الأمريكيين يتذكرون مقولة جيمس كارفيل، مستشار حملة بيل كلينتون: “إنه الاقتصاد، يا غبي”، التي ترسخت مع الوقت، بل وأصبحت بمثابة قاعدة حديدية في الانتخابات الأمريكية. وقد تظهر استطلاعات الرأي اهتمام الناخبين بالديمقراطية، أو الأمن القومي، أو السياسة الخارجية، لكن عند وصولهم إلى مراكز الاقتراع فإنهم يتذكرون عادة محطة الوقود التي توقفوا عندها ذلك اليوم، أو كشوف حسابات بطاقات الائتمان التي يتعين عليهم سدادها خلال أيام.

يدرك دونالد ترمب هذه الحقيقة أكثر من معظم السياسيين الأحياء، إذ وصل إلى البيت الأبيض عام 2016 مستفيدا من القلق الاقتصادي، ثم تضرر جزئيا من اقتصاد حطمته جائحة كورونا في عام 2020، قبل أن يعود إلى السلطة في عام 2024 مستندا إلى وعد واضح بالقضاء على التضخم، وخفض أسعار البنزين إلى أقل من دولارين للغالون “خلال اثني عشر شهرا”.

ولكن الآن، وبعد أقل من عامين على بدء ولايته الثانية، ينهار ذلك الوعد أمام الأعين، بينما تقترب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 كقطار مسرع لا يمكن تجاهله.

“أنا لا أهتم بانتخابات التجديد النصفي”

وخلال واحد من أحاديثه المتكررة التي أكد فيها للصحفيين ضرورة فتح مضيق هرمز، قال ترمب إن إيران تعتقد أنها تستطيع “الانتظار حتى تنتهي ولايتي”؛ بسبب اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وأضاف أنه “لا يهتم بانتخابات التجديد النصفي”.

وعندما خاض ترمب انتخابات الرئاسة عام 2024، فاز بولاية ثانية مدعوما بتفوق واضح في ملفات الاقتصاد، والتضخم وأسعار الطاقة. وبعد عام ونصف فقط، بدأت تلك المزايا تتحول إلى نقاط ضعف محتملة، مع تزايد استياء الناخبين من ارتفاع الأسعار قبل انتخابات الخريف المقبلة.

وارتفع التضخم الأمريكي إلى 3.8% على أساس سنوي في أبريل/نيسان، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023، وكان جزء كبير من هذا الارتفاع نتيجة القفزة الكبيرة في أسعار الطاقة التي استمرت منذ بدء الحرب مع إيران. كما ارتفعت أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، ووصل متوسط سعر غالون البنزين العادي (الأرخص) إلى 4.50 دولارات.

ولا يوافق على أداء ترمب في ملف التضخم سوى 26% من الأمريكيين، بينما لا تتجاوز نسبة الرضا عن أدائه في ملف أسعار البنزين 21%، مع وجود استياء ملحوظ حتى بين بعض مؤيديه. ويرى المحللون أن هذه ليست مجرد مشكلة سياسية عابرة، بل أزمة انتخابية كبرى بكل المقاييس.

فخ هرمز
تجسد أزمة مضيق هرمز كيف أصبحت الجغرافيا السياسية والاقتصاد وجهين للمشكلة السياسية نفسها، إذ إنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تستورد كمية محدودة من النفط عبر الخليج العربي، فإن أسعار وقود السيارات داخليا تتأثر مع كل ارتفاع في أسعار النفط العالمية.

وأشار وزير الطاقة كريس رايت إلى أن عصر البنزين الرخيص قد توقف مؤقتا، محذرا من أن العودة إلى أسعار تقل عن ثلاثة دولارات للغالون قد لا تحدث قبل عام 2027، وهو ما يعني أن معاناة الناخبين عند محطات الوقود ستستمر إلى ما بعد يوم الاقتراع.

ومع اضطرار الأمريكيين لتغيير أنماط إنفاقهم؛ بسبب ارتفاع سعر البنزين بأكثر من 50% منذ بداية الحرب، بدأ الديمقراطيون بالفعل في بناء إستراتيجيتهم الانتخابية حول هذه القضية المؤثرة. ويشير هؤلاء إلى أن تكلفة ملء خزان الوقود لم تكن بهذا الارتفاع منذ أغسطس/آب 2022، حين ركز الجمهوريون بلا هوادة على أسعار الوقود، واستعادوا السيطرة على الكونغرس. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن في الاتجاه المعاكس.

رؤساء تراجعوا أمام الاقتصاد.. سجلّ التاريخ
ولا يعد ترمب أول رئيس أمريكي يواجه هذا الاختبار الصعب، الذي يضغط فيه القلق الاقتصادي على الحسابات الانتخابية، إذ لا يبخل علينا التاريخ بأمثلة لرؤساء أمريكيين اتخذوا أو فشلوا في اتخاذ قرارات مصيرية في عام الانتخابات.

وخلال فترة الركود الاقتصادي في 1974-1975، اتبع الرئيس الأمريكي وقتها جيرالد فورد أسلوب المصارحة الاقتصادية، ورفعت حملته شعار “اقضوا على التضخم الآن”، في إشارة إلى العجز عن مواجهة التضخم. ومع تعمق الركود، وجد فورد نفسه مكشوفا سياسيا، وخسر أمام جيمي كارتر عام 1976.

ومثّل الديمقراطي جيمي كارتر وأزمته مع النفط عام 1979 المثال الأكثر ارتباطا بما يحدث اليوم، حيث عطلت الثورة الإيرانية إمدادات النفط العالمية، فامتدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في مختلف أنحاء الولايات الأمريكية. واضطر كارتر ورئيس بنك الاحتياط الفدرالي وقتها بول فولكر لاختيار العلاج الصعب، برفع أسعار الفائدة إلى نحو 20%. تم القضاء على التضخم وقتها، لكن رئاسة كارتر انتهت أيضا، ليصل الجمهوري رونالد ريغان إلى البيت الأبيض بفوز كاسح عام 1980.

وفي عام 1990 رفع جورج بوش الأب (الجمهوري) الضرائب بعد أن تعهد خلال حملته الانتخابية الشهيرة قائلا: “اقرؤوا شفتي: لا ضرائب جديدة”. ورغم أن القرار كان مبررا من الناحية المالية في رأي الكثير من المحللين، فإنه كان كارثيا سياسيا، ومهد الطريق مع ركود 1991-1992 أمام فوز بيل كلينتون مرشح الحزب الديمقراطي.

أما كلينتون نفسه، فقد رفع الضرائب عام 1993 لمعالجة العجز المالي قبل الانتخابات. ورغم أن القرار تسبب في خسارة حزبه انتخابات 1994، لكن النتيجة النهائية كانت فائضا في الموازنة واقتصادا مزدهرا، وإعادة انتخابه بسهولة عام 1996.

وفي عام 2008، واجه جورج دبليو بوش انهيار النظام المالي العالمي قبل أسابيع من الانتخابات. واضطر إلى الاختيار بين التمسك بأيديولوجية السوق الحرة، أو إقرار خطة إنقاذ البنوك بقيمة 700 مليار دولار. واختار الرئيس المهزوز الإنقاذ، وهو ما يعتقد أنه أنقذ الاقتصاد العالمي، لكنه ساهم أيضا في خسارة الجمهوريين البيت الأبيض.

ثم جاء باراك أوباما الديمقراطي، الذي ورث الأزمة وأقر حزمة تحفيز اقتصادي؛ إنقاذا لصناعة السيارات في عام 2009. وعوقب حزبه في انتخابات 2010، لكن الاقتصاد تعافى، وفاز أوباما بولاية ثانية عام 2012.

خطر عبارة “لا أهتم”
عندما يقول ترمب إنه لا يهتم بانتخابات التجديد النصفي، فربما يعبر ذلك عن تصميم إستراتيجي حقيقي تجاه إيران، إلا أن تجاهله للانتخابات لا يعني بالضرورة تجاهل الضغوط الاقتصادية التي قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات أكثر واقعية وبراغماتية.

لا أدعي هنا أن الأنظمة الديمقراطية مثالية، لكن من مزاياها أن المحاسبة الانتخابية تجبر القادة في النهاية على الشعور بآثار السياسات التي يطبقونها. أما الرئيس الذي يعتقد أنه فوق هذه المحاسبة، فقد يستمر في نهج ثبتت أضراره لفترة أطول مما ينبغي.

ويرى بعض الإستراتيجيين الجمهوريين الآن أنه حتى لو انتهت الحرب مع إيران قريبا، فقد لا يشعر الناخبون بتحسن أوضاعهم المالية قبل انتخابات التجديد النصفي، في تأكيد على القاعدة القاسية للسياسة الاقتصادية: الألم يشعر به فورا، أما التعافي فيحتاج إلى أشهر أو سنوات.

ورغم التحفظات على الشخصية والأسلوب، لا ينكر كثيرون أن ترمب سياسي بارع، تحدى التوقعات مرارا، ما يخلق احتمالية لامتلاكه خطة لإنهاء الأزمة مع إيران، وخفض الأسعار قبل نوفمبر/تشرين الثاني.

لكن تاريخ الرؤساء الأمريكيين والانتخابات يعلمنا درسا واحدا لا يتغير: يمكنك أن تقول إنك لا تهتم بالاقتصاد، ويمكنك أن تقول إنك لا تهتم بالانتخابات، لكن الناخب الأمريكي الذي يملأ خزان سيارته بالوقود صبيحة يوم الانتخابات، سيقرر وقتها إذا كان ذلك صحيحا أم لا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
Exit mobile version