Site icon روكب اليوم

محمد قحطان أحد عشر عاماً من الإخفاء القسري والابتزاز الحوثي

477041.webp
روكب اليوم

على مدى أحد عشر عاماً، تحوّلت قضية السياسي اليمني البارز محمد قحطان إلى واحدة من أكثر قضايا الإخفاء القسري غموضاً في اليمن. فمنذ اقتحام ميليشيا الحوثي منزله في صنعاء مطلع عملية “عاصفة الحزم” في أبريل 2015، انقطعت أخباره بالكامل، لتبدأ رحلة طويلة من الغموض والابتزاز السياسي، بعيداً عن أي إطار قانوني أو إنساني. لم تتعامل ميليشيا الحوثي مع قحطان كمعتقل سياسي له حقوق مكفولة، بل كملف أمني مغلق وورقة مساومة حساسة. وعلى مدار السنوات الماضية، تنقلت مواقف الحوثيين بين الإنكار والصمت والتسريبات المتضاربة، ثم الدخول في مفاوضات حول مصير رجل لم يُعرف حتى اليوم إن كان حياً أم ميتاً. وفي المقابل، بقيت أسرته محرومة من أبسط الحقوق زيارة، اتصال، إثبات حياة، أو حتى معرفة مصيره الحقيقي. ويُعد محمد قحطان أحد أبرز قيادات التجمع اليمني للإصلاح، ومن الشخصيات الفاعلة في مؤتمر الحوار الوطني، كما كان من أبرز المعارضين لتمدد الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014. لذلك بدا واضحاً منذ البداية أن ميليشيا الحوثي تنظر إليه كخصم سياسي استثنائي، لا كمعتقل عادي. فقبل اختطافه، فرضت عليه إقامة جبرية غير معلنة، ثم اقتحم الحوثيون منزله مع اندلاع الحرب واقتادوه إلى جهة مجهولة، لينقطع أثره منذ ذلك الحين. ما جرى مع قحطان يُصنَّف قانونياً كجريمة إخفاء قسري مكتملة الأركان. ميليشيا الحوثي لم تعلن رسمياً اعتقاله، ولم تكشف مكان احتجازه، ولم تسمح له بالتواصل مع أسرته أو عرضه على جهة قضائية مستقلة، كما رفضت مراراً السماح للصليب الأحمر بزيارته. والأخطر أن ذلك استمر رغم صدور قرار مجلس الأمن 2216، الذي نص على الإفراج عنه مع عدد من المعتقلين السياسيين، بينما أُفرج لاحقاً عن بقية الأسماء وبقي قحطان وحده مجهول المصير. وخلال السنوات الأولى، تمسك الحوثيون بإنكار أي معلومات عنه. ففي مشاورات “بييل” عام 2015، قال رئيس وفدهم محمد عبدالسلام إنه “لا يعرف” شيئاً عن مصيره، رغم تأكيدات لاحقة بأن الملف كان محصوراً داخل دائرة ضيقة في قيادة الجماعة، ما يعكس حساسية القضية سياسياً وأمنياً. وفي يناير 2016، كشف المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد أن الأمم المتحدة نفسها لم تتمكن من الحصول على أي إثبات يفيد بأن قحطان ما يزال على قيد الحياة، بعدما أبلغها الحوثيون بأن “المعلومات غير متوفرة”. وهنا تحولت القضية من اعتقال سياسي إلى واحدة من أخطر قضايا الإخفاء القسري في اليمن. وفي مفارقة لافتة، أصدرت النيابة الجزائية التابعة للحوثيين عام 2019 مذكرة تقضي بالإفراج عن قحطان “لعدم وجود وجه لإقامة الدعوى”، إلا أن القرار بقي حبراً على ورق، دون تنفيذ أو كشف أي معلومات عن مكان احتجازه، ما عزز الشكوك بشأن خضوع الملف بالكامل للحسابات الأمنية والسياسية. ومع حلول عام 2023، انتقلت الجماعة من الإنكار الصريح إلى اعتراف ملتبس، إذ أعلن رئيس لجنة الأسرى الحوثية عبدالقادر المرتضى أن قحطان “أحد ملفات التفاوض”، دون تقديم أي دليل على حياته أو السماح بزيارته. ثم عاد لاحقاً ليؤكد أن الحديث عنه “غير ممكن”، فيما نقل مسؤولون حكوميون أن الحوثيين أبلغوهم مباشرة بأن قحطان “لن يخرج”. بلغت الأزمة ذروتها خلال مشاورات مسقط عام 2024، حين أُعلن عن تفاهم يقضي بإطلاق قحطان مقابل خمسين أسيراً حوثياً، رغم عدم وجود أي تأكيد رسمي بأنه لا يزال حياً. وأثار ذلك غضباً واسعاً بين الحقوقيين والسياسيين، الذين اعتبروا التفاوض على شخص “حياً أو جثة” شرعنة لجريمة الإخفاء القسري وتحويلها إلى أداة مساومة سياسية.

وفي مايو 2026، دخل الملف مرحلة أكثر خطورة بعد تسريب معلومات تفيد بأن الحوثيين أبلغوا الوفد الحكومي بأن قحطان قُتل في غارة للتحالف عام 2015. وإذا صحّت هذه الرواية، فإنها تطرح أسئلة خطيرة لماذا أُخفي الأمر طوال أحد عشر عاماً ؟ ولماذا استمرت المفاوضات حوله ؟ ولماذا مُنعت الزيارات وأُدرج اسمه في صفقات تبادل متعددة ؟ أما إذا كانت الرواية غير صحيحة، فهذا يعني أن ميليشيا الحوثي ما تزال تستخدم مصيره كورقة ابتزاز سياسي حتى اليوم. لم تعد قضية محمد قحطان مجرد قضية تخص حزباً أو أسرة تنتظر عودة أحد أفرادها، بل أصبحت رمزاً لانهيار القانون وتغوّل القوة المسلحة في اليمن، واختباراً حقيقياً لمصداقية المجتمع الدولي في مواجهة جرائم الإخفاء القسري. فكيف يمكن الحديث عن سلام وبناء ثقة، بينما يبقى سياسي بارز مختفياً لأكثر من عقد دون معرفة مصيره ؟ وكيف يُقبل التفاوض على إنسان “حياً أو جثة” دون محاسبة أو كشف للحقيقة ؟ ما هو التفسير القانوني أو السياسي لقبول التفاوض على مصير إنسان “حياً أو جثة” ؟ أليس هذا الإجراء بمثابة ترخيص صريح لاستمرار جريمة الإخفاء القسري كسلاح تفاوضي ؟ كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يصف “السلام” بأنه استراتيجي، بينما يُسمح لميليشيا الحوثي المسلحة بتحويل قرار لمجلس الأمن إلى ورقة ممزقة، واحتجاز سياسي معارض لمدة 11 عاماً خارج إطار أي قانون ؟ وبعد أكثر من 4018 يوماً على اختفائه، يبقى السؤال الذي عجزت كل المفاوضات والوساطات والضغوط الدولية عن انتزاع إجابته من ميليشيا الحوثي أين محمد قحطان ؟.


Exit mobile version