Site icon روكب اليوم

مدرسة فقيرة وجامعة بعيدة.. خريطة الفجوة التعليمية في فرنسا |

reuters 6ace9ef4 1791926004

روكب اليوم

تتناول حلقة “المخبر الاقتصادي” غضب طلاب فرنسا من زاوية أبعد من الاحتجاجات نفسها. فالقصة لا تبدأ في الشارع، بل داخل فصل بلا معلم، وحافلة لا تنتظر، ومقعد جامعي قد يكون موجودا لكنه بعيد عن قدرة الطالب.

لم تكن العبارة المكتوبة على لافتة طالبة فرنسية في احتجاج مدرسي مجرد شعار: “عنوان بيتنا لا ينبغي أن يحدد مستقبلنا”. فالطالبة مايسا، التي تدرس في ثانوية لو كوربوزييه في ضاحية أوبرفيلييه شمالي باريس، قالت إنها دخلت امتحان اللغة الفرنسية في العام السابق من دون أن يكون لديها معلم للمادة، وفق ما نقلته وكالة رويترز وعرضته حلقة “المخبر الاقتصادي”.

هذه الحكاية ليست مجرد مشكلة في مدرسة واحدة. إنها مدخل إلى سؤال أكبر ظهر في احتجاجات طلاب الثانويات الفرنسية: ماذا يبقى من وعد التعليم المجاني حين تحدد منطقة السكن، وقدرة الأسرة على الدفع، وإمكان الوصول إلى المؤسسة التعليمية، نوع الفرصة التي يحصل عليها الطالب؟

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

فالتغطية الخبرية للاحتجاجات ركزت على إغلاق المدارس والاشتباكات ومطالب الطلاب، ومنها نقص المعلمين والاكتظاظ وتهالك البنية التعليمية. لكن “المخبر الاقتصادي” يفتح مسارا مختلفا: كيف يتحول نقص بسيط ظاهرا، كحصة ملغاة أو طريق طويل إلى المدرسة، إلى فجوة تتراكم من الثانوية حتى الجامعة ثم سوق العمل.

مدرسة لا تمنح الجميع الوقت نفسه للتعلم

بدأت الشرارة من مجمع أنطوان دو سانت إكزوبيري في كريتاي، جنوب شرقي باريس، حيث أضرب المعلمون في سبتمبر/أيلول بسبب نقص يقارب 10 موظفين بين معلمين وإداريين، قبل أن ينظم الطلاب إغلاقا للمؤسسة، وفق شهادة الطالبة ديليمو التي نقلتها صحيفة لوموند.

لكن الحكاية اتسعت لأن المشكلة لم تكن محصورة في تلك المدرسة. فبحسب بيانات إدارة التقييم والاستشراف والأداء التابعة لوزارة التربية الفرنسية، لم يتلق طلاب مؤسسات المرحلة الثانوية العامة 9.8% من ساعات التدريس المقررة خلال العام الدراسي 2024-2025. وتربط البيانات 7.5٪ بعدم تعويض غياب المعلمين، فيما تعود 2.3٪ إلى إغلاق المؤسسات.

ولا تعني النسبة أن كل الطلاب فقدوا الحصص نفسها أو تأثروا بالطريقة نفسها. هنا تبدأ الفجوة الأهم: حين يغيب معلم، تستطيع بعض الأسر شراء دروس خاصة أو إيجاد بدائل تعليمية، بينما يخسر طالب آخر الحصة من دون تعويض. لذلك لا يصبح نقص المعلمين خللا إداريا فقط، بل يتحول إلى تفاوت في شروط التعليم.

ويظهر أثر نقص المعلمين في الوقت الدراسي المفقود أيضا. فبحسب تقرير للجنة المالية في مجلس الشيوخ الفرنسي، بلغ عدد أيام الغياب الطويلة غير المعوضة للمعلمين في التعليم الثانوي 949,493 يوما خلال العام الدراسي 2023-2024، بزيادة 93.2% مقارنة بعام 2018-2019. ويعرف التقرير الغياب الطويل بأنه ما تجاوز 15 يوما.

ملصقات في فرنسا تحمل رسالة ضد ما يصفه الطلاب بـ”القمع الأمني” لإغلاقات المدارس (الفرنسية)

مبان قديمة وفصول مكتظة

لا تتوقف الفجوة عند المعلم الغائب. فالحلقة تنقل عن بيانات لوزارة التربية الفرنسية أن متوسط عمر مباني الثانويات العامة والتكنولوجية يبلغ 65 عاما، ويرتفع إلى 71 عاما في الثانويات المهنية، بينما لم يخضع للبناء أو التجديد خلال العقد الأخير سوى 15% من هذه المباني.

وفي ثانوية بول إيلوار في سان دوني، تحدثت طالبة تدعى فضيلة لوكالة رويترز عن فصول جاهزة ومشكلات في المياه وانتشار القوارض والحشرات. هذه الشهادات لا تصلح وحدها لتعميم حكم على جميع المدارس، لكنها تفسر لماذا تحولت حالة المبنى إلى مطلب رئيسي في الاحتجاجات.

وحسب بيانات الاستشارة التي طرحتها منصة أغورا الحكومية للطلاب، وعرضتها الحلقة، وضع 48.2% من المشاركين حالة المباني والتكييف والعزل ضمن أولوياتهم، فيما قال 22.5% إن الاكتظاظ في الفصول من أبرز المشكلات. كما تصدر تنظيم الوقت واليوم الدراسي القائمة بنسبة 70%.

ولا يتعلق اليوم الدراسي بالراحة فقط. فالطالبة إيما من ثانوية هنري أفريل في لامبال، غربي فرنسا، قالت للوموند إنها تضطر أحيانا إلى الاختيار بين تناول الغداء واللحاق بحافلة العودة إلى منزلها. أما زميلتها ألينور فقالت إنها تستيقظ عند 5:30 صباحا لتقضي أكثر من ساعة في الحافلة قبل بدء الدروس.

هذه التفاصيل تضع عنوان السكن في قلب القضية. فالمسافة لا تكون عبئا متساويا على طالب يعيش قرب مدرسته وآخر يعتمد على حافلة ريفية بمواعيد محدودة. وعندما تتزاحم الحصص أو تتسع ساعات الفراغ بسبب تعقيد الجداول، يصبح الوقت نفسه موردا غير موزع بالتساوي.

خريطة لموقع مدرستي لو كوربوزييه في أوبرفيلييه وسانت إكزوبيري في كريتاي، حيث برزت شكاوى الطلاب من نقص المعلمين (الجزيرة)

مسارات أكثر تعقيدا

تربط الحلقة جانبا من أزمة الجداول بإصلاح البكالوريا الذي طبق عام 2018، حين ألغيت المسارات التقليدية في الثانوية، مثل العلمي والأدبي والاقتصادي والاجتماعي، واستبدلت باختيارات مواد تخصصية. وكان الهدف توسيع الخيارات أمام الطلاب، لكن النتيجة التي تظهرها شهادات الطلاب في الحلقة هي جداول أكثر تعقيدا، وساعات فراغ طويلة، وأيام دراسية تمتد أحيانا من الصباح إلى المساء.

المشكلة هنا ليست في مبدأ تنويع الاختيارات، بل في قدرة المدرسة على تنظيمها بعدالة. فالخيار لا يصبح حرية حقيقية إذا كان الطالب يفتقد المواصلات المناسبة أو يدرس في مؤسسة لا يتوفر فيها المعلم أو التخصص الذي يحتاجه.

وتقدم الحلقة حالة كيليان مثالا على ذلك. فالطالب، وفق شهادة نقلتها لوموند، لم يحصل على مسار التجارة الذي طلبه، ووجه إلى شعبة صيانة الإنتاج في ثانوية جول ميشليه، ثم وجد أن المؤسسة نفسها تفتقر إلى معلم الاقتصاد والإدارة.

المقعد موجود.. لكن هل هو متاح؟

تبلغ هذه المفارقة ذروتها بعد البكالوريا. فبحسب بيانات وزارة التعليم العالي الفرنسية التي استندت إليها الحلقة، تلقى 577 ألف طالب عرض قبول واحدا على الأقل عبر منصة “باركورساب” في موسم 2026، بينما بقي 126 ألفا من دون عرض، في وقت ظلت فيه 83 ألف مقعد شاغر موزعة على نحو 6 آلاف برنامج.

وجود مقعد شاغر لا يعني بالضرورة أن كل طالب يستطيع الوصول إليه. فقد يكون التخصص مختلفا عن المسار المرغوب، أو في مدينة بعيدة، أو يتطلب انتقالا وسكنا لا تملك الأسرة كلفته. لذلك فإن المفارقة ليست بين مقاعد وطلاب فحسب، بل بين توفر المقعد في النظام وإمكان شغله في حياة الطالب.

وتزداد هذه المسافة وضوحا عند حساب كلفة بدء الدراسة الجامعية. فالحلقة تستند إلى تقرير لاتحاد طلاب فرنسا عن كلفة الدخول الجامعي، وتربطها خصوصا بالسكن والتنقل والاحتياجات اليومية، لا بالرسوم الدراسية وحدها. وهنا تظهر محدودية النظر إلى الجامعة العامة باعتبارها مجانية: فالرسوم المنخفضة لا تلغي كلفة العيش قرب المؤسسة أو كلفة الانتقال إليها.

وتشير الحلقة أيضا إلى بيانات وزارة التعليم العالي التي تفيد باستفادة 656 ألف طالب من منح اجتماعية في العام الدراسي 2025-2026، مع حد أدنى يبلغ 1454 يورو سنويا. وحتى مع وجود المنح، يوضح مسح للمرصد الوطني للحياة الطلابية أن 44% من الطلاب يعملون خلال العام الدراسي، وأن 59% من العاملين منهم يرون العمل ضروريا للعيش، فيما يقول 36% إنهم لا يستطيعون مواصلة الدراسة من دونه.

الشهادة ليست ضمانا

تتجاوز مخاوف الطلاب الوصول إلى الجامعة، إلى ما بعد التخرج أيضا. فبحسب بيانات مركز الدراسات والبحوث (Céreq) حول المؤهلات، يبلغ معدل البطالة بعد ثلاث سنوات من مغادرة التعليم 40% لدى غير الحاصلين على مؤهل. كما يعمل 89% من خريجي التعليم العالي بعد ست سنوات، لكن 27% منهم يشغلون وظائف أدنى من مؤهلاتهم.

دعم الأسرة قد يحدد من يملك الوقت والمال للوصول إلى الشهادة (الجزيرة)

نظام التعليم

في مواجهة الغضب، لا تكفي قراءة الأزمة من بوابة الإنفاق العام فقط. فوفقا لما ورد في الحلقة عن مشروع موازنة التعليم لعام 2027، ترتفع مخصصات التعليم المدرسي من 64.4 إلى 65.5 مليار يورو، لكن المشروع يتضمن إلغاء 1588 وظيفة تعليمية دائمة، منها 1250 في التعليم العام.

تقول الحكومة إن تراجع أعداد الطلاب يبرر جزءا من إعادة توزيع الوظائف، بينما ترى النقابات والطلاب أن النقص القائم في المدارس يجعل تقليص الوظائف خطوة تزيد المشكلة. وهنا ينبغي الفصل بين الموقفين: الأرقام لا تحسم وحدها ما إذا كانت الموازنة كافية، لكن تجربة الطلاب تطرح سؤال توزيع الموارد، لا حجمها الإجمالي فقط.

حين لا يكفي ما تقدمه المدرسة، تصبح المساندة خارجها امتيازا لا يملكه الجميع (الجزيرة)

سؤال عن عقد اجتماعي

لهذا لم يكن لافتا فقط أن يحتج طلاب الضواحي والأرياف، بل أيضا أن ينضم طلاب مؤسسات نخبوية مثل “هنري الرابع” و”لوي لوغران”. فقد قالت طالبة من “لوي لوغران” لوكالة الصحافة الفرنسية إن الامتيازات المتاحة في مدرستها يجب أن تكون حقوقا لكل الطلاب.

هذه الجملة تلخص جوهر الحراك. فالغضب ليس فقط من حصة لم تعقد أو مبنى لم يرمم، بل من تآكل وعد أقدم: أن التعليم العام يمكن أن يعوض تفاوت البداية، لا أن يعيد إنتاجه.

المقاعد قد تكون موجودة، والجامعة قد تظل مفتوحة، والموازنة قد ترتفع. لكن الفرصة لا تبدأ عند إعلان القبول، ولا تنتهي عند باب المدرسة. إنها تتشكل قبل ذلك بكثير، في عنوان البيت، ووقت الحافلة، وحضور المعلم، وقدرة الأسرة على تحمل ما لا يظهر في تعريف التعليم المجاني.

Exit mobile version