Site icon روكب اليوم

من التمويل إلى الأسواق.. اختلالات تهدد تجربة “المقاول الذاتي” في المغرب | اقتصاد

reuter 1 1785172774

روكب اليوم

اضطر محمد الخلوقي، صاحب مشروع للأثاث الخشبي والديكورات المنزلية المغربية التقليدية، إلى التخلي عن شركته الصغيرة بعد نحو 4 سنوات من تأسيسها، بسبب ضعف التمويل وقلة الأرباح وارتفاع الضرائب مقارنة بأرباحه.

وقال الخلوقي، الذي بدأ مشروعه في 2022، إنه استفاد من برنامج “انطلاقة” الذي وضعته الحكومة المغربية لمساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، أو من يُطلق عليهم المقاولون الذاتيون، إذ أخذ “قرضا من البنك بقيمة 200 ألف درهم (نحو 20 ألف دولار)، بالإضافة إلى بعض المال الذي كان يدخره، ثم استأجر محلا وجلب عمالا لمساعدته.

ونقلت عنه رويترز قوله إن بداية المشروع كانت طموحة وواعدة، “لكنّ الأسعار ارتفعت بشكل كبير في السنتين الماضيتين، خصوصا هذا العام، كما تراجع الطلب وبدأت المشاكل تعترض المشروع، ناهيك عن أن لي شركاء ومتعاونين من العمال يجب أن أدفع أجورهم”.

وتابع: “كذلك الضريبة التي بدت لي في بداية المشروع هينة، كما أُعلن عنها رسميا، ولا تتجاوز 1%، ارتفعت في 2023 إلى 30% بالنسبة للمقاولين الذين تفوق أرباحهم 80 ألف درهم سنويا (نحو 8 آلاف دولار)، وهذا بأي حال من الأحوال لن يجعلني أستمر، لأنني على حافة الإفلاس، خاصة مع ضعف الطلب”.

 

برنامج لدمج الاقتصاد غير المنظم

حالة الخلوقي ليست الوحيدة المتعثرة في البرنامج الذي أطلقته الحكومة المغربية عام 2015 لدمج الاقتصاد غير المنظم، الذي يُقدر بنحو 30 إلى 33% من الناتج المحلي الإجمالي في المغرب.

وقال بنك المغرب المركزي في وقت سابق إن القيمة المضافة للاقتصاد غير المهيكل تبلغ نحو ثلث الثروة الوطنية.

وأطلقت الحكومة عدة برامج للتشغيل الذاتي وتحفيز الشبان -خاصة- على مزاولة أنشطة تجارية أو صناعية أو حرفية بشكل مستقل دون الحاجة إلى تأسيس شركة، وذلك من أجل الحد من ارتفاع البطالة وتعزيز روح المبادرة والابتكار.

وبلغت نسبة البطالة في المغرب 13% عام 2025، بانخفاض طفيف من 13.3% عام 2024، فيما بلغ إجمالي عدد العاطلين نحو مليون و621 ألفا.

رجل يجلس بجوار هدايا تذكارية معروضة للبيع على طول زقاق تصطف على جانبيه متاجر تقليدية في المدينة القديمة المسورة في فاس بالمغرب (رويترز)

التمويل والتأمين يحاصران المشاريع

بدأ برنامج “المقاول الذاتي” بضرائب منخفضة، تبلغ 1% للخدمات و0.5% للتجارة، مع إعفاء من ضريبة القيمة المضافة وإتاحة الاستفادة من خدمات التأمين الصحي والتقاعد، لكنه سرعان ما اصطدم، وفق عدد من أصحاب المشاريع، بصعوبات تمثلت في البيروقراطية وضعف التمويل، بالإضافة إلى ازدواج التأمين الصحي وارتفاع نسبة الضريبة.

وقال عبد المولى، الذي قدم نفسه باسمه الأول فقط ويعمل في مجال الصناعات الجلدية التقليدية بمدينة وزان، الواقعة على بعد 173 كيلومترا شمالي الرباط، إنه وجد نفسه مضطرا إلى دفع نفقات التأمين الصحي الإجباري باعتباره تابعا لوزارة الصناعة التقليدية، وتأمين صحي آخر باعتباره “مقاولا ذاتيا”.

وأضاف: “كان علي أن أتوجه إلى الوزارة لإلغاء التأمين الصحي الإجباري، وكان علي أن أُظهر للبنك تسجيلي لدى صندوق الضمان الاجتماعي حتى أحصل على قرض، غير أن المبلغ كان هزيلا ولم يكف، وتلقيت الدعم من عائلتي. لكنْ نظرا إلى قلة الأرباح وموقع المدينة غير السياحي والضعيف اقتصاديا، وجدت نفسي محاصرا بالديون والضرائب، فلا حل لي اليوم سوى إلغاء المشروع”.

ويقول خبراء إن المشكلة الأساسية في برنامج “المقاول الذاتي” تتمثل في غياب جهة محددة تستمع إلى شكاوى أصحاب المشاريع ومطالبهم، لكنّ الحكومة المغربية رفضت التعليق على أسئلة رويترز بهذا الشأن بعد عدة محاولات اتصال.

وقال عادل مفتاح، وهو مستشار أعمال يقدم خدمات المتابعة والتوجيه ودراسات المقاولات، في تصريحات صحفية إن “النظام الذي قدمته الحكومة على أساس مساعدة النظام غير المهيكل أصبح فخا، لأسباب ضريبية وتمويلية، بالإضافة إلى مشاكل مندمجة، إذ يجب توفير إدارة ومخاطب لدعم هذه المقاولات والبحث في مشاكلهم”.

وأضاف: “لحد الساعة ليست هناك مؤسسة مخاطبة للمقاول الذاتي”.

من جانبه، يعتقد رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، عبد الله الفركي، أن “الإمكانات الحالية غير كافية، ولا ترقى إلى تطلعات الشباب ولا إلى البرامج التي سطرتها الدولة”.

وأضاف: “الشباب يحتاج أيضا إلى منظومة متكاملة تشمل المواكبة، والتكوين (التدريب)، وتبسيط المساطر (الإجراءات) الإدارية، والولوج إلى الأسواق، والتحفيزات الجبائية خلال السنوات الأولى، لأن أغلب المقاولات الناشئة لا تحقق أرباحا في بداية نشاطها”.

وتابع: “بالنسبة للمواكبة، أعتقد أن الحكومة وجميع المؤسسات العمومية المختصة تتبنى مفهوما غير مكتمل لهذا الجانب، فهي غالبا ما تكتفي بتنظيم دورات تكوينية تمتد لبضعة أيام أو أسابيع، وأحيانا شهورا عن بعد، ثم يُترك الشاب لمواجهة تحديات السوق بمفرده، في حين أن المواكبة الحقيقية يجب أن تمتد لعدة سنوات”.

170 ألف منسحب

يدق خبراء ناقوس الخطر بشأن مشروع “المقاول الذاتي”، بعدما أعلن 170 ألف مقاول ذاتي إفلاسهم وانسحابهم في أقل من عام، من بين نحو 440 ألف مقاول.

بطاقة المقاول الذاتي (الصحافة المغربية)

وقال الفركي، الذي تابع هذا المشروع منذ أن كان مشروع قانون بين عامي 2012 و2015: “شاركت في النقاشات التي رافقت إعداده، لأننا كنا نعتبره آلية مهمة لإدماج الشباب والعاملين في القطاع غير المهيكل، لكنْ عند تنزيل البرنامج ظهرت عدة اختلالات. ففي تقديري، لم تتم مواكبته بالشكل المطلوب، كما أن إطلاقه لم يكن في مستوى مشروع وطني بهذا الحجم، إذ تم إعطاء انطلاقته على منصة فيسبوك”.

لكنْ رغم الصعوبات القائمة، لا يزال ثمة من يرى إمكانية تقويم الوضع وإعادة مشروع “المقاول الذاتي” إلى مساره، ومنهم رئيس الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى، رشيد الورديغي، الذي أكد “الحاجة إلى مراجعة عميقة وتطوير بعض جوانب مثل هذه البرامج”.

وقال إن دولا مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا نجحت في دعم المشاريع الصغيرة لأنها “وفرت منظومة متكاملة تشمل التمويل والمواكبة والتكوين والتمثيل داخل هيئات اتخاذ القرار”.

وأضاف أنه من خلال لقاءات جمعته بممثلي هذه المقاولات دوليا، “نجد منظمات المقاولات الصغرى حاضرة في الحوار الاجتماعي وصنع السياسات الاقتصادية، بينما ما زال صوت المقاولات الصغرى في المغرب مغيبا تماما، رغم أنها تمثل غالبية النسيج الاقتصادي”.

واعتبر الورديغي أن “الرهان اليوم ليس إطلاق برامج جديدة، بل بناء منظومة وطنية تستفيد من التجارب الدولية الناجحة، وتمنح المقاولة الصغرى مكانتها كشريك أساسي في التنمية وصنع القرار الاقتصادي”.

Exit mobile version