Site icon روكب اليوم

من الساحل إلى مأرب.. كيف يعيد طارق صالح رسم خارطته السياسية؟

%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82 %D8%AC%D8%B1%D8%AD%D9%89 copy.webp
روكب اليوم
  • بعقلية الدولة.. المقاومة الوطنية تناور سياسيًّا لسحب نفوذ الإخوان من مأرب
إذا كان الفريق أول ركن طارق صالح قد خسر عمليًّا إمكانية التمدد داخل تعز، بسبب السيطرة الواسعة لحزب الإصلاح على المشهد العسكري والسياسي هناك، فإن مأرب تبدو بالنسبة للرجل الفرصة الأكثر واقعية لتعويض هذا الفراغ. فتعز، رغم قربها الجغرافي من مناطق سيطرة المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، أصبحت بيئة سياسية شبه مغلقة أمام مشروعه، بينما تبدو مأرب أكثر مرونة وقابلية للتفاعل مع تحركاته، بحكم تركيبتها القبلية والعسكرية المختلفة.

مبادرة طارق بدعم جرحى الجيش والمقاومة في مأرب بمليار ريال يمكن قراءتها بأنها توجه ضمن مشروع سياسي يحاول الرجل من خلاله إعادة تشكيل موقعه داخل المعادلة الجمهورية، وبناء صورة قائد يفكر بعقلية الدولة لا بعقلية الجبهة فقط. فالمبادرة الأخيرة التي أعلن فيها تخصيص مليار ريال يمني لدعم جرحى القوات المسلحة والمقاومة في محافظة مأرب، حملت أبعادًا سياسية تتجاوز بعدها الإنساني المباشر، وبدت وكأنها رسالة محسوبة بعناية إلى واحدة من أكثر المحافظات حساسية في الصراع بين المكونات الشمالية.

على الرغم من أن طارق صالح قائد عسكري يقود قوات كبيرة في الساحل الغربي، إلا أن تحركاته الأخيرة تكشف عن شخصية سياسية تحاول التمدد داخل جغرافيا الجمهورية بطريقة هادئة ومدروسة، مستندة إلى خطاب الدولة والوفاء للمؤسسة العسكرية، بعيدًا عن لغة الاستقطاب الحزبي أو المناطقية الضيقة. ومن هنا جاءت مأرب باعتبارها الهدف الأكثر أهمية في هذا التوقيت، مع العلم أن الرجل جاد في أي دعم يقدمه للجرحى بدليل مواقفه مع جرحى الساحل الغربي الذين بنت لهم المقاومة الوطنية مدنا سكنية وتكفلت بعلاجهم.

مأرب ليست محافظةً نفطيةً أو مركزًا عسكريًّا متقدّمًا ضد الحوثيين فحسب، بل تمثّل أيضًا الخزانَ الأهمَّ للقوى العسكرية والقبلية المرتبطة تاريخيًّا بالنظام السابق وحزب المؤتمر الشعبي العام. وهي البيئة التي يدرك طارق صالح جيدًا أنها الأقرب نفسيًّا وسياسيًّا إلى مشروعه؛ ولذلك تبدو مبادرته تجاه جرحى الجيش والمقاومة في مأرب محاولة ذكية لإعادة بناء الجسور مع قطاع واسع من الضباط والقبائل والشخصيات الاجتماعية التي ظلت خلال السنوات الماضية تدور داخل نفوذ حزب الإصلاح، سواء بحكم ظروف الحرب أو التحالفات العسكرية القائمة.

لا تبدو المبادرة عملًا خيريًّا معزولًا، بقدر ما تبدو جزءًا من اشتغال سياسي طويل النفس يسعى من خلاله طارق صالح إلى كسب الثقة داخل المؤسسة العسكرية الوطنية، خصوصاً بين التشكيلات التي كانت في السابق تدين بالولاء للرئيس الراحل علي عبد الله صالح، ثم وجدت نفسها بعد الحرب موزعة بين جبهات مختلفة، أبرزها مأرب.

أدرك طارق مبكرًا أن أي مشروع سياسي مستقبلي لا يمكن أن يقوم فقط على النفوذ العسكري في الساحل الغربي، وأن القوة الحقيقية في اليمن تمر عبر بناء شبكة علاقات مع الجيش والقبائل ومراكز النفوذ الاجتماعية في المحافظات الجمهورية الرئيسية. ومن هنا تبدو مأرب هدفاً منطقياً لتحركاته، ليس فقط لأنها معقل عسكري مهم، بل لأنها أيضًا بيئة قابلة للتفاعل مع خطاب “الدولة والجمهورية” الذي يقدمه الرجل.

يبدو واضحاً أن طارق يحاول تقديم نفسه كقائد جمهوري عابر للاستقطابات التقليدية، خصوصًا مع حالة التآكل التي تعيشها القوى السياسية اليمنية، فهو لا يتحدث بلغة الثأر السياسي أو استعادة الماضي، بل يركز على فكرة “استعادة الدولة” وبناء جبهة جمهورية واسعة، وهو خطاب يجد قبولًا لدى قطاعات واسعة داخل مأرب التي أنهكتها سنوات الحرب والاستقطاب الحزبي.

طارق صالح يغازل مأرب… مليار ريال دعمًا لجرحى الجيش والمقاومة


كما أن اختياره ملف الجرحى بالتحديد لم يكن عشوائيًّا فهذا الملف يحمل حساسية إنسانية ووطنية كبيرة، ويمثل إحدى أكثر القضايا القادرة على اختراق الحواجز السياسية والحزبية. وعندما يخصص قائد عسكري مليار ريال لجرحى الجيش في مأرب، ويتابع بنفسه تحويل المبلغ ويتواصل مع رئيس هيئة الأركان واللجنة الطبية، فإنه لا يرسل فقط رسالة تضامن، بل يبعث أيضاً بإشارة سياسية مفادها أنه حاضر في قلب المعركة الجمهورية، وأنه قادر على لعب دور “الراعي الوطني” للمؤسسة العسكرية.

هنا تكمن براعة طارق السياسية؛ فهو يحاول التمدد إلى مأرب من بوابة الجيش والجرحى والقبائل، لا عبر الصدام المباشر مع القوى النافذة فيها، وهذا الأسلوب يمنحه مساحة أوسع للتحرك، خصوصًا أن المحافظة لا تزال تحت تأثير قوي لحزب الإصلاح الذي تمكن خلال سنوات الحرب من بناء نفوذ سياسي وعسكري واسع هناك.

لكن طارق يدرك أيضًا أن الإصلاح ليس في أفضل حالاته اليوم، وأن هناك حالة تململ داخل بعض الأوساط العسكرية والقبلية من هيمنة الحزب على القرار في مأرب؛ ولذلك تبدو تحركاته وكأنها محاولة لسحب البساط تدريجيًّا من تحت أقدام الإصلاح، عبر بناء تحالفات هادئة داخل البيئة الجمهورية التقليدية التي لا تزال تحتفظ بعلاقات تاريخية مع المؤتمر الشعبي العام ومع إرث الدولة قبل الحرب.

ومن هنا يمكن فهم الحفاوة الكبيرة التي قوبلت بها مبادرته داخل الأوساط العسكرية والشعبية في مأرب. فالكثير من الجرحى والضباط والناشطين لم يتعاملوا مع الخطوة باعتبارها مجرد دعم مالي، بل قرأوها كإشارة إلى وجود قيادة تفكر بعقلية الدولة، وتحاول إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة.

كما أن الخطاب الذي رافق المبادرة ركز بشكل واضح على “وحدة المعركة الجمهورية” وعلى الترابط بين جبهات الساحل الغربي ومأرب، وهي رسائل سياسية بامتياز، تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الجامعة للقوى المناهضة للحوثيين، في مواجهة حالة التشظي والانقسام التي أضعفت المعسكر الجمهوري خلال السنوات الماضية.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن يصف العقيد بشير السامعي المبادرة بأنها “رسالة وفاء من الساحل إلى مأرب”، أو أن يعتبرها كتّاب وناشطون”رسالة جمهورية” و”مليار وفاء في زمن الخذلان”. فهذه التوصيفات تعكس إدراكًا متزايدًا بأن طارق صالح لم يعد يتحرك فقط بوصفه قائدًا عسكريًّا، بل باعتباره لاعباً سياسياً يسعى لبناء موقع وطني أوسع داخل معسكر الشرعية والقوى الجمهورية.

وفي ظل المشهد اليمني المعقد، يبدو أن طارق يحاول الاستثمار في المساحات التي تركتها الأحزاب التقليدية فارغة، مستفيداً من تراجع الثقة الشعبية بالقوى السياسية، ومن حاجة المؤسسة العسكرية إلى خطاب يعيد الاعتبار لفكرة الدولة.

ولذلك فإن تحركاته في مأرب قد لا تكون مجرد خطوة ظرفية مرتبطة بملف الجرحى، بل جزءًا من مشروع سياسي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات داخل المعسكر الجمهوري، وخلق مركز نفوذ جديد قادر على منافسة القوى التقليدية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح.


ختاما.. فإن مأرب تبدو اليوم ساحة اختبار مهمة لطموحات طارق السياسية. فإذا نجح في بناء حضور مؤثر داخل المحافظة، فإنه سيكون قد خطا خطوة كبيرة نحو التحول من قائد عسكري في الساحل الغربي إلى لاعب سياسي وطني يمتلك امتدادات داخل أهم معاقل الجمهورية اليمنية.

Exit mobile version