
روكب اليوم
بعد 10 سنوات على تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، عاد الجدل مجددا حول ما إذا كان قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي (بريكست) قد حقق وعوده، أم أنه بات عبئا اقتصاديا وسياسيا يدفع قطاعات متزايدة للمطالبة بإعادة النظر في العلاقة مع أوروبا.
وعادت القضية إلى الواجهة بعد أن وصف وزير الصحة البريطاني السابق ويس ستريتينغ بريكست بأنه خطأ كارثي، ودعا إلى إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي (بريترن).
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listوكان ستريتينغ قد استقال من منصبه وأعلن السبت الماضي نيته منافسة رئيس الوزراء كير ستارمر، بعد أن تكبد حزب العمال الحاكم خسائر قاسية في الانتخابات المحلية الأخيرة.
واستعرضت صحيفتا تايمز وغارديان البريطانيتان -في تقريرين- العلاقة بين أوروبا وبريطانيا واحتمال عودة المملكة المتحدة إلى أحضان بروكسل، كما انتقدت آن ماكيلفوي -رئيسة التحرير التنفيذية في موقع بوليتيكو”- القرار، ووصفته بأنه “عالم من الأوهام والأمنيات”.
1. لماذا عاد النقاش إلى الواجهة؟
مناورة سياسية
ترى ماكيلفوي في مقالها بصحيفة آي بيبر البريطانية أن الإعلان مجرد مناورة سياسية، يريد ستريتينغ بها تمييز نفسه عن ستارمر الذي لم ترضِ جهوده بتحسين العلاقة مع بروكسل الناخبين.
ويتيح الإعلان لستريتينغ أيضا تمييز نفسه عن منافسه الآخر على زعامة الحزب: عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام الذي وصفت ماكيلفوي مواقفه من “بريكست” بأنها ضبابية.
كما يهدف ستريتينغ إلى استقطاب الناخبين التقدميين المؤيدين لـ”بريترن” قبل الانتخابات العامة المرتقبة عام 2029، والتقدم بذلك على حزبي المحافظين وإصلاح بريطانيا اليمينيين.
عوامل محلية وعالمية
واكتسبت قضية “بريترن” زخما لعدة أسباب متداخلة، أبرزها تزايد القناعة داخل قطاعات من النخبة السياسية والاقتصادية بأن “بريكست” لم يحقق المكاسب الاقتصادية الموعودة.
فبحسب تقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية، يرى معظم الاقتصاديين أن خروج بريطانيا من الاتحاد أدى إلى تراجع الناتج الاقتصادي البريطاني بنسبة تراوح بين 6% و8% حتى الربع الأول من عام 2025، بسبب القيود التجارية والبيروقراطية الجديدة.
كما أن حكومة ستارمر، التي وعدت منذ وصولها للحكم عام 2024 بـ”إعادة ضبط” العلاقات مع أوروبا، لم تحقق حتى الآن اختراقات كبرى، إذ ما تزال المفاوضات بشأن التجارة والطاقة وتنقل الشباب تسير ببطء، وسط خلافات مستمرة مع بروكسل.
وتضاف إلى ذلك التحولات الجيوسياسية العالمية؛ فالحرب الروسية في أوكرانيا، وتراجع الثقة بالعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، وتصاعد المخاوف الأمنية ونفوذ الصين، كلها دفعت أصواتا بريطانية وأوروبية إلى الحديث عن ضرورة بناء شراكة أوثق بين لندن وبروكسل، بحسب تايمز.
وساهمت استطلاعات رأي حديثة في إعادة النقاش، إذ أظهر استطلاع لـ”يوغوف” الشهر الماضي أن 63% من البريطانيين يريدون علاقة أقرب مع الاتحاد الأوروبي، بينما يؤيد 55% إعادة الانضمام إليه، طبقا لما نقلته صحيفة غارديان.
2. ما حالة العلاقات الأوروبية البريطانية؟
رغم التوترات التي تلت “بريكست”، شهدت العلاقات بين لندن وبروكسل خلال العامين الماضيين محاولات تهدئة وإعادة تقارب تدريجي.
فقد أعادت بريطانيا الانضمام إلى برنامج “هورايزن” الأوروبي للأبحاث العلمية، كما ستعود إلى برنامج “إيراسموس بلس” للتبادل التعليمي ابتداء من عام 2027، ولو بشكل محدود في البداية، كما تقول صحيفة غارديان.
وتسعى حكومة ستارمر أيضا -طبقا لغارديان- لإبرام اتفاقات جديدة مع الاتحاد تشمل المنتجات الغذائية والزراعية، وتنسيق تجارة الانبعاثات الكربونية، إلى جانب برنامج لتنقل الشباب يسمح للبريطانيين والأوروبيين بالعيش والعمل مؤقتا لدى الطرف الآخر.
لكن هذه المحاولات ما تزال محدودة التأثير -حسب رأي الصحيفة- لأن هناك عدة ملفات عالقة مثل مدى مساهمة بريطانيا في الصناديق الأوروبية، أو مدى التزامها بالقواعد التنظيمية للاتحاد.
وترى بروكسل أن أي تقارب أوسع يجب أن يقابله التزام بريطاني أكبر بالقوانين الأوروبية، في حين تحاول لندن من جهتها الحفاظ على هامش الاستقلال السياسي والقانوني الذي حصلت عليه بعد “بريكست”.
3. ما العوائق أمام إعادة الانضمام؟
خطوط حمراء
تؤكد غارديان أن العقبة الأساسية تكمن في “الخطوط الحمراء” التي وضعتها حكومة العمال الحالية، والتي تشمل رفض العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة، ورفض الاتحاد الجمركي، ورفض حرية تنقل الأفراد.
وبدوره يصر الاتحاد الأوروبي على أن أي دولة تريد علاقة أعمق مع التكتل يجب أن تقبل بالقواعد الأوروبية، بما في ذلك حرية الحركة والالتزام بالتشريعات المشتركة.
ولكن في الوقت ذاته، يواجه أي حديث عن إعادة الانضمام معارضة سياسية داخلية قوية، خصوصا من حزبي “إصلاح المملكة المتحدة” والمحافظين، الذين يتهمون حكومة ستارمر بمحاولة “إلغاء بريكست من الباب الخلفي”، وفق ما نقلته غارديان.
تخوف من العواقب
وتلفت الصحيفة إلى تصاعد أصوات من داخل حزب العمال نفسه، تحذر من أن إعادة فتح ملف العلاقة الأوروبية قد يدفع مزيدا من الناخبين نحو اليمين الشعبوي، خاصة في مناطق انتخابية حساسة دعمت “بريكست” سابقا.
وتشير ماكيلفوي في مقالها إلى أن حديث ستريتينغ الحماسي عن العودة للاتحاد يتجاهل أسئلة معقدة تتعلق بشروط الانضمام الجديدة، وحجم المساهمات المالية المطلوبة، ومدى استعداد البريطانيين لقبول قواعد أوروبية أكثر صرامة.
كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه قد يفرض شروطا مختلفة هذه المرة، إذ قال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي إن بريطانيا لن تحصل على الامتيازات والاستثناءات السابقة نفسها التي كانت لديها (مثل بعض الإعفاءات التنظيمية) وستعامل كأي دولة جديدة تقدم للاتحاد، وقد تُطالب حتى باستخدام اليورو.
4. كيف يمكن تحقيق “بريترن”؟
لن تكون عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي سريعة ولا مباشرة، بل ستحتاج على الأرجح إلى سنوات من التفاوض والإجراءات السياسية، طبقاً لتايمز.
لكن الوصول إلى العضوية الكاملة سيتطلب، وفق الرؤية الأوروبية، قبول بريطانيا بمبدأ “تقاسم السيادة”، أي الالتزام بقواعد وتشريعات يضعها الاتحاد الأوروبي جماعيا، وهو ما ظل أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش البريطاني منذ استفتاء عام 2016.
ووفق تقدير غارديان، يخشى القادة الأوروبيون أيضا أن تعاود حكومة بريطانية مستقبلية بقيادة نايجل فاراج التراجع عن أي اتفاق جديد، مما قد يدفعهم للمطالبة بضمانات قانونية وسياسية صارمة قبل أي خطوة كبرى.

