Site icon روكب اليوم

من سيقود الدبابات؟.. ألمانيا تبحث عن جنود وتصطدم بعزوف الشباب عن الخدمة |

getty 6a5664c3b9 1784046787

روكب اليوم

وسط ارتفاع طلبات رفض الخدمة العسكرية بين الشباب القادرين على أدائها، يتساءل الإعلام الألماني عن أسباب ذلك وعما إذا كان وزير الدفاع الاتحادي قادرا على مواجهة واحدة من أبرز العقبات التي تقف في وجه خطة رفع عدد الجنود في الجيش إلى 260 ألف جندي في موعد أقصاه عام 2035.

ولا يختلف اثنان على أن النقص الحاد في عدد جنود الجيش الألماني يمثل التحدي الأكبر لوزير الدفاع الاتحادي بوريس بستوريوس.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

ففي وقت تواظب فيه حكومة المستشار المحافظ فريدريش ميرتس على شراء أنظمة تسلح جديدة وتوسع انتشار جيشها في منطقة بحر البلطيق، يقف وزير الدفاع أمام هدف معلن وحقيقة لا يمكن تجاهلها: الهدف رفع عدد الجنود في موعد أقصاه عام 2035 إلى 260 ألف جندي، لكن صافي الزيادة في عدد الجنود منذ توليه منصبه قبل ثلاثة أعوام ونصف لم يتجاوز 2300 جندي.

إذن، ألمانيا تبحث عن جنود وتخفق حتى الآن لأسباب متعددة في الحصول على العدد الكافي من الراغبين في الدفاع عن بلادهم، وخاصة من الشباب، مما يدفع الصحافة الألمانية إلى وضع هذه الإشكالية في مقدمة التحديات الأمنية التي تواجه ألمانيا في الوقت الراهن.

“من سيقود الدبابات؟”، تسأل الصحيفة الأسبوعية المحافظة “دي تسايت” ، و”بستوريوس ليس واثقا من استعداد الألمان للدفاع عن بلدهم”، تنقل زميلتها المحسوبة على اليسار الليبرالي “زود دويتشه تسايتونغ” عن الوزير المحبط، فيما تكتفي مجلة “دير شبيغل” بالتحذير من ارتفاع عدد طلبات رفض الخدمة العسكرية بالقول “قفزة كبيرة في عدد الرافضين للخدمة”.

تقول “دي تسايت” إن “أنظمة أسلحة جديدة بالمليارات، ولواء مدرع جديد في ليتوانيا، ومهام جديدة في إستونيا ولاتفيا، وأسطول غواصات يتوسع، ومهمة محتملة لإزالة الألغام البحرية في مضيق هرمز، فمن أين لألمانيا بهذا العدد الكبير من الجنود؟”.

إغراءات لم تفلح

هذا الأمر -كما تضيف الصحيفة- يتضح بصورة خاصة في ليتوانيا، وبسبب عدم وجود عدد كاف من المتطوعين، قد يُلزم الجيش قريبا ألف جندي بالتوجه إلى الدولة الواقعة في منطقة البلطيق، علما أن القيادتين السياسية والعسكرية أكدتا مرارا أن الجنود الألمان سيشاركون في هذه المهمة على أساس طوعي.

ولكن حتى الآن، لم تفلح الإغراءات المالية ولا الحوافز الأخرى في توفير العدد اللازم للواء المؤلف من 4800 رجل وامرأة، ومن المقرر أن يكتمل تشكيله في عام 2027.

هذا التشاؤم لا يقتصر على الصحيفة وغيرها من وسائل الإعلام الألمانية، بل ينسحب على جميع المراقبين الذين يلجؤون في مثل هذه الحالات إلى أرقام وتصريحات وزارة الدفاع، التي تجهر بضرورة تجنيد 20 ألف شخص سنويا لتعويض النقص الذي سيخلفه الجنود والضباط المغادرون والمتقاعدون، فضلا عن الأعداد الإضافية اللازمة لتحقيق الهدف المعلن، وهو رفع العدد إلى 260 ألف جندي بحلول عام 2035.

وتضيف “دي تسايت” أنه عندما تولى بستوريوس منصبه قبل ثلاثة أعوام ونصف، كان يخضع لإمرته حينها 183 ألفا و300 جندي وجندية، أما الآن، فيبلغ عدد الجنود 185 ألفا و600 جندي فقط، مما يعني أن صافي الزيادة في عددهم بلغ 2300 فرد فقط.

جندي من فرقة حماية الوطن عند نقطة تفتيش في مركز لوجستي (غيتي)

استعداد للدفاع

فهل الألمان بالفعل غير مستعدين للدفاع عن بلدهم، كما يتخوف وزير الدفاع؟ هذا التصريح اللافت جاء على لسان وزير الدفاع بستوريوس في كلمة ألقاها في مؤسسة المستشار الألماني السابق “هلموت شميت” ببرلين، وفي إطار إعجابه بطريقة تعاطي المجتمع الأوكراني مع الحرب الروسية على بلاده.

هنا تعلق الصحيفة اليسارية “زود دويتشه تسايتونغ” على هذا التصريح بالقول “يقول بستوريوس إن روسيا قد تختبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المستقبل القريب، وعندها سيواجه المجتمع الألماني اختبارا حقيقيا”.

وأضاف الوزير أن “ما شاهدته خلال زياراتي الأخيرة إلى أوكرانيا يؤكد أن قدرة أي دولة على الدفاع عن نفسها لا تعتمد على قواتها المسلحة وحدها، بل أيضا على صمود مؤسسات الدولة واقتصادها ومواطنيها، فالدولة لا تصبح قادرة على الدفاع عن نفسها من خلال جيشها وحده”.

مسيّرة مزودة برشاش خلال عرض لقدرات الجيش الألماني قرب مونستر في مايو/أيار 2026 (غيتي)

وأشار بستوريوس -بحسب الصحيفة- إلى أن “هناك من ينتقد ارتفاع الإنفاق الدفاعي وقانون الخدمة العسكرية الجديد، لكن علينا أن ندرك مجددا ما الذي ندافع عنه. فالأمر لا يتعلق بالدفاع عن الدولة كمؤسسة، بل عن نمط حياة يقوم على الحرية وتقرير المصير”.

وأضاف “لا يزال المجتمع الأوكراني حتى في السنة الخامسة من الحرب، يقاتل من أجل هذه القيم، ولست واثقا تماما من أن الأمر سيكون كذلك في ألمانيا، على الأقل ليس بعد. فهل نحن، مجتمعا ودولة، مستعدون للدفاع عن أمننا، حتى لو تطلب ذلك تحمل أعباء شخصية؟”.

وفي إطار البحث عن إجابة عن هذا السؤال، نقلت الصحيفة عن الباحثة في الشؤون الدفاعية هيلينا كويس قولها إن “الدعوات العامة والمجردة للمواطنين إلى الانضمام إلى الجيش لا تكفي وحدها”، وإن ألمانيا تحتاج إلى خطاب أكثر إقناعا، وحوافز وقنوات واضحة تشجع المواطنين على المشاركة في تعزيز الأمن والدفاع.

وأكدت الباحثة -وفق “زود دويتشه تسايتونغ”- أن قدرة ألمانيا على الدفاع عن نفسها لا ترتبط فقط بزيادة الإنفاق العسكري ولا بتنفيذ مشروعات تسليح جديدة، بل تعتمد أيضا على استعداد المجتمع للتعامل مع الأزمات.

وأضافت أنه من الإيجابي أن تُفهم الدفاع بصورة متزايدة باعتبارها جزءا من السياسة المجتمعية، لأن الدفاع عن البلاد لا يُحسم في الثكنات العسكرية وحدها، بل يتوقف كذلك على قدرة مؤسسات الدولة والمواطنين على الصمود في أوقات الأزمات.

ودعت الباحثة إلى توفير فرص واضحة للمواطنين للمساهمة في منظومة الأمن الوطني، معتبرة أن تعزيز القدرة الدفاعية يتطلب بناء ثقافة أمنية مشتركة، وليس الاكتفاء بالإجراءات العسكرية وحدها.

مدافع هاوتزر ذاتية الحركة من طراز “بي زد إتش 2000” تستعد للانتشار من مركز لوجستي للسكك الحديدية (غيتي)

تزايد الرفض

كل ذلك يأتي في وقت تسجل فيه أعداد طلبات رفض الخدمة العسكرية ارتفاعا ملحوظا، فوفقا لبيانات المكتب الاتحادي لشؤون الأسرة والمجتمع المدني، تلقى المكتب خلال النصف الأول من العام الجاري 5862 طلبا لرفض الخدمة العسكرية.

ويعد هذا الرقم -على حد قول تقرير لمجلة “دير شبيغل”- أعلى بكثير من إجمالي الطلبات المسجلة خلال عام 2025 والتي بلغت 3867 طلبا، بينما بلغ عدد الطلبات عام 2011، وهو العام الذي علقت فيه ألمانيا العمل بالتجنيد الإجباري 4348 طلبا.

ويرجح أن يكون ارتفاع هذه الطلبات مرتبطا بتزايد القلق من الوضع الأمني في أوروبا، فضلا عن قانون الخدمة العسكرية الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مطلع العام الجاري.

ويظل رفض حمل السلاح وأداء الخدمة العسكرية حقا دستوريا لأسباب ضميرية، شريطة تقديم مبررات شخصية مفصلة.

Exit mobile version