Site icon روكب اليوم

من محطة الحسوة إلى مصافي عدن: الفساد يطارد ما تبقّى من أصول الدولة

214195.webp.webp
روكب اليوم
ما نشرته صحيفة “الأيام” الغراء بشأن تحركات يُشتبه في أنها تستهدف بيع غلايات محطة الحسوة الكهروحرارية وخزانات نفط تابعة لمصافي عدن، لا يكشف عن شبهة فساد في قطاع الكهرباء وحده، بل يفتح ملفًا أخطر يتعلق بقطاعي الكهرباء والنفط، وبكيفية إدارة الأصول الاستراتيجية للدولة والتصرف فيها بعيدًا عن الشفافية والرقابة. فنحن، إذا صحّت هذه المعلومات، أمام قضية تمس ملكية عامة ومنشآت استراتيجية، وتكشف عن نمط بالغ الخطورة: الانتقال من نهب موارد الدولة إلى تفكيك أصولها وبيع ما تبقّى منها. 
  • لماذا تبدو الصفقة مريبة؟ 
تثير الصفقة المزعومة أسئلة لا يمكن تجاوزها. فإذا كانت شركة أجنبية مستعدة لإنشاء محطة كهرباء جديدة بقدرة 400 ميجاوات مقابل الحصول على غلايات يعود عمرها إلى أكثر من أربعة عقود، فما القيمة الحقيقية لهذه الغلايات؟ وما نوع المعادن والسبائك التي تحتويها؟ ومن قام بتقييمها؟ وهل أجري التقييم بواسطة جهة فنية مستقلة؟ وهل طُرحت الصفقة في مناقصة علنية؟ وما الضمانات التي تكفل إنشاء المحطة الجديدة وتشغيلها فعليًّا؟

إن الحديث عن إنشاء محطة قد تبلغ كلفتها مئات الملايين من الدولارات مقابل أصول تبدو، ظاهريًّا، قديمة ومتهالكة، يعني أن هذه الأصول ربما تنطوي على قيمة اقتصادية وصناعية تفوق كثيرًا ما يعرفه الرأي العام. وهنا لا يكفي القول إن الغلايات خرجت من الخدمة؛ لأن خروج الأصل من التشغيل لا يعني سقوط قيمته، ولا يمنح أي مسؤول حق التصرف فيه بعيدًا عن الإجراءات القانونية والمؤسسية.


والأمر ذاته ينطبق على خزانات مصافي عدن. فهذه الخزانات ليست مجرد كتل معدنية قديمة، بل جزء من منظومة استراتيجية مرتبطة بأمن الطاقة والتخزين والاحتياطي النفطي. والتصرف فيها لا يجوز أن يتم باعتبارها خردة، قبل تحديد حالتها الفنية، وكلفة إعادة تأهيلها، وقيمتها الحالية، وحاجة المصفاة المستقبلية إليها. 
  • من فساد العقود إلى فساد الأصول 
الفساد في قطاع الكهرباء ليس جديدًا. فقد ظل هذا القطاع، خلال سنوات طويلة، واحدًا من أكثر القطاعات استنزافًا للمال العام، رغم أن المواطن لم يلمس تحسنًا يتناسب مع حجم الإنفاق.

وسبق أن كشفت تقارير رقابية عن مخالفات جسيمة في بعض مشروعات الكهرباء، شملت صرف دفعات مقدمة كبيرة، وفتح اعتمادات مالية بمئات الملايين من الدولارات، وتأخر تنفيذ المشروعات، وشراء معدات قيل إنها مستعملة، إلى جانب ضعف الرقابة والإشراف وغياب المحاسبة الفاعلة.

وهكذا اتخذ الفساد في الكهرباء صورًا متعددة:

1 . عقود تُبرم من دون منافسة حقيقية.

2 . مشروعات تتضخم كلفتها ولا تكتمل.

3 . معدات تُشترى ولا تدخل الخدمة.

4 . وقود يُستهلك من دون إنتاج متناسب.

5 . صيانة تتحول إلى باب دائم للإنفاق.

6 . محطات تتدهور عمداً حتى يسهل إعلان عدم جدواها.

7 . وأصول عامة يُعاد توصيفها باعتبارها «خردة» تمهيدًا لبيعها بأقل من قيمتها.

إن أخطر ما في الفساد المؤسسي أنه لا يسرق المشروع مرة واحدة، بل ينهبه في كل مراحله: عند التعاقد، وعند التنفيذ، وعند التشغيل، وعند الصيانة، ثم عند إخراجه من الخدمة وبيع أصوله. 

  • المواطن يدفع الثمن مرات عدة 

يدفع المواطن ثمن فساد الكهرباء أكثر من مرة: يدفعه من المال العام عند شراء المحطات والوقود، ثم يدفعه في صورة انقطاعات طويلة، ثم يدفعه مجددًا لشراء الطاقة من المولدات الخاصة أو أنظمة الطاقة الشمسية، ويدفعه مرة أخرى في ارتفاع أسعار السلع والخدمات نتيجة زيادة كلفة الإنتاج والتبريد والنقل.


ولا تتوقف الخسائر عند ذلك؛ فانقطاع الكهرباء يعطل المستشفيات والمدارس والجامعات والمصانع والمياه والاتصالات، ويؤدي إلى تلف الأدوية والأغذية، وإغلاق المشروعات الصغيرة، وفقدان فرص العمل. ولذلك فإن الفساد في قطاع الكهرباء ليس جريمة مالية فحسب، بل جريمة اقتصادية واجتماعية وإنسانية.

فكل ميجاوات مفقودة تعني ساعات عمل ضائعة، واستثمارًا مؤجلًا، ومشروعًا صغيرًا مهددًا، وأسرة تتحمل كلفة إضافية. وكل أصل عام يُباع بصورة مشبوهة يعني تقليص قدرة الأجيال القادمة على إعادة بناء الاقتصاد. 

  • الحسوة ليست مجرد محطة 
تمثل محطة الحسوة جزءًا من الذاكرة الصناعية والاقتصادية لعدن. فقد أُنشئت ضمن مرحلة كان فيها التخطيط العام ينظر إلى الكهرباء باعتبارها قاعدة للتنمية، لا سلعة طارئة ولا موسمًا للعقود والعمولات.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى الغلايات والتوربينات والمنشآت التابعة للمحطة باعتبارها مخلفات يمكن التخلص منها؛ بل يجب إخضاعها لدراسة فنية واقتصادية تحدد إمكان إعادة تأهيلها، أو الاستفادة من أجزائها، أو بيعها عند الضرورة وفق مزاد علني وتقييم دولي مستقل.

أما استبدال أصل قائم بوعد بإنشاء محطة جديدة، فهو أمر يحتاج إلى أقصى درجات الحذر. فالدولة لا تتصرف في ممتلكاتها الاستراتيجية على أساس وعود شفوية أو تفاهمات غامضة. وإن كان العرض حقيقيًّا وجادًّا، فلماذا لا يُعلن للرأي العام؟ ولماذا لا يُطرح في إطار مناقصة دولية شفافة؟ ولماذا لا تُكشف هوية الشركات والمسؤولين والاستشاريين وشروط التعاقد؟ 

  • الفساد لا يعيش من دون بيئة حاضنة 
لا تنحصر المشكلة في المسؤولين الأربعة الذين أشارت إليهم الصحيفة، إن ثبتت صحة المعلومات، بل تمتد إلى البيئة المؤسسية التي تسمح بالتصرف في الممتلكات العامة كما لو كانت ملكًا خاصًّا. فالفساد الكبير لا ينفذه شخص منفرد، بل يحتاج إلى شبكة من الصمت والتغطية والتوقيعات والتقارير الفنية المصممة مسبقًا، وإلى مؤسسات رقابية إما غائبة وإما عاجزة.

وحين تضعف الدولة تتحول الوزارات والمؤسسات إلى إقطاعات، وتصبح المناصب أدوات للتحكم في العقود والأراضي والأصول والإيرادات. وعندها لا يعود السؤال: هل المشروع مفيد للمجتمع؟ بل: من سيحصل على العمولة؟ ومن ستُمنح له الصفقة؟ وكيف يمكن تمريرها بعيدًا عن الرقابة؟

وهذا النمط من الفساد لا يقتصر على قطاعي الكهرباء والنفط. فالخطر نفسه يطول الموانئ والأراضي والمطارات والاتصالات والمياه والممتلكات العامة. وما يبدأ ببيع غلاية أو خزان قد ينتهي بتصفية مؤسسة كاملة، ثم يأتي من يقول إن المؤسسة أصبحت عاجزة وغير قابلة للحياة. 

لا تكفي بيانات النفي العامة. المطلوب اتخاذ إجراءات عاجلة ومحددة:

1 . الوقف الفوري لأي تفاوض أو تصرف يتعلق بغلايات محطة الحسوة أو خزانات مصافي عدن إلى حين استكمال التحقيق.

2 . إعلان وزارتي الكهرباء والنفط رسمياً حقيقة العروض والشركات والأشخاص المشاركين فيها.

3 . تشكيل لجنة فنية وقانونية ومالية مستقلة لتقييم الأصول، تضم خبراء مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة.

4 . نشر نتائج التقييم للرأي العام، بما يشمل الحالة الفنية والقيمة السوقية وقيمة المعادن وإمكان إعادة التأهيل.

5 . مراجعة قانونية لجميع الإجراءات والمراسلات والتفاهمات السابقة.

6 . إحالة أي شبهة فساد أو استغلال للوظيفة إلى القضاء، مع حماية المبلغين والشهود.

7 . منع بيع أي أصل استراتيجي إلا من خلال إجراءات قانونية معلنة ومنافسة شفافة وموافقة الجهات الرقابية المختصة.

8 . إعداد سجل وطني شامل لأصول الدولة، يمنع التصرف فيها أو نقل ملكيتها بعيداً عن الرقابة العامة. 

  • الدولة التي تبيع أصولها بلا حساب تبيع مستقبلها 
إن الشعوب قد تتحمل الفقر ونقص الموارد، لكنها لا تستطيع بناء دولة في ظل فساد يحول مواردها المحدودة إلى غنائم. فعدن لا تعاني غياب الإمكانات بقدر ما تعاني غياب الإدارة الرشيدة والمساءلة وسيادة القانون.

إن قضية الحسوة والمصافي يجب أن تكون لحظة فاصلة. فإما أن تتحرك المؤسسات لكشف الحقيقة وحماية المال العام، وإما أن يتحول الصمت إلى تصريح مفتوح لمواصلة تفكيك ما تبقّى من أصول الدولة.

لسنا ضد الاستثمار الأجنبي، ولا ضد تحديث محطات الكهرباء وإحلال منشآت جديدة محل المتقادمة. لكن الاستثمار الحقيقي يدخل من أبواب الدولة، ويخضع للقانون والمنافسة والشفافية. أما الصفقات التي تُدار بعيداً عن الأضواء، وتُخفى تفاصيلها عن المجتمع، فهي لا تبني محطة كهرباء، بل تبني شبكة جديدة للفساد.

إن الفساد في قطاعي الكهرباء والنفط لا يكتفي بسرقة المال العام؛ بل يسرق الضوء من البيوت، والطاقة من الاقتصاد، والثقة من المجتمع، والمستقبل من الأجيال.

وعندما تصل الأمور إلى بيع الغلايات والخزانات والمنشآت الاستراتيجية، فإننا لا نكون أمام فساد في إدارة الدولة فحسب، بل أمام خطر بيع الدولة نفسها.. قطعةً بعد أخرى.


Exit mobile version