
روكب اليوم
بين صخب شاطئها الذي يمثل المنفذ الوحيد لأهاليها للتنفس والترفيه، وحلم رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحاق رابين بـ”أن تغرق غزة في البحر”، تختزل 365 كيلومترا مربعا قصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي برمتها.
فلم تكن هذه الأرض خرابا بطبيعتها، بل أرضا خرّبها الاحتلال الإسرائيلي وعزلها عبر عقود من التهجير القسري والحصار العسكري والتحصينات الاستعمارية، حاشرا أكثر من مليوني نسمة -غالبيتهم الساحقة من أبناء اللاجئين- في مساحة ضيقة لا تتجاوز 1.3% من أرض فلسطين التاريخية.
وتستعرض الحلقة الأولى من سلسلة “غزة.. حكاية لم تُرْوَ” -تحت عنوان “تاريخ شعب”- قراءة تاريخية وسياسية وثائقية للتحولات الهيكلية التي صاغت واقع قطاع غزة عبر عقود، متجاوزة الاختزال الإعلامي الراهن للقطاع في صور الدمار والقتال.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listكما تقدم الحلقة -التي بثتها منصة “الجزيرة 360” ويمكن مشاهدتها هنا– تفكيكا عميقا لأصول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر شهادات كوكبة من المؤرخين والخبراء وسكان القطاع، مثلما قالت الخبيرة الاقتصادية سارة روي إن الفلسطينيين “لم يُسمح لهم أبدا بأن يصنعوا تاريخهم”.
من الواحة إلى معزل الانتداب
وتثبت المدوّنات التاريخية والآثار الممتدة أن غزة لم تكن مجرد بؤرة صراع مسلحة، بل كانت واحة خصبة وميناء تجاريا زاهرا على “طريق البخور” شهد تعاقب الأنباط والمصريين واليونانيين والعرب، ووصفها الرحالة ابن بطوطة قبل 7 قرون بمدينة الفضاءات الواسعة التي لا تحيط بها أسوار، وسُميت “غزة هاشم” نسبة لضريح جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتحت الحكم العثماني، عاش المسلمون والمسيحيون واليهود جيرانا دون تفرقة، كما يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة، رياض العيلة، إلى أن بددت الحروب هذا التعايش السلمي.
ومع دخول القوات البريطانية غزة عام 1917، أعلنت لندن دعمها لإقامة وطن لليهود متجاهلة الحقوق الوطنية لـ90% من السكان الأصليين.
وحسب آرليت خوري-تادييه مؤلفة كتاب “طفولة في غزة”، اختار المستوطنون الصهاينة الأوروبيون الجدد الانفصال التام والسكن في بؤر ومراكز محصنة نائية خارج المدينة، رافضين الاختلاط بسكانها وتجربة الحياة الهادئة فيها، تمهيدا لقرار تقسيم فلسطين عام 1947 الذي ألحق غزة بالدولة العربية المقترحة قبل أن تفجر الحرب الواقع الميداني برمته.
النكبة وترسيخ واقع اللجوء
وفجّرت حرب 1948 ونكبة فلسطين الواقع الديمغرافي للقطاع؛ إذ أُجبر نحو 200 ألف لاجئ على النزوح ليُضافوا إلى 80 ألفا من السكان الأصليين تحت وطأة التهجير القسري ومجازر العصابات الصهيونية ضمن مشروع “يوآف” الإسرائيلي (عملية عسكرية)، حيث يروي صلاح السوسي قصة أسرته ونزوحها وولادة شقيقه في الطريق إلى غزة.
في هذا السياق، يفند المؤرخ آفي شلايم الأباطيل الإسرائيلية، مؤكدا أن الأرشيف الرسمي الإسرائيلي أثبت حقيقة تعنُّت تل أبيب ورفضها الحاسم لعودة اللاجئين بقرار رسمي صادر عن مجلس الوزراء في يوليو/تموز 1948، وليس بفرارهم المزعوم طواعية.
وأدى هذا التكدس المفاجئ لتأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” عام 1949، لترعى 8 مخيمات تحولت مع العقود إلى بلدات مكتظة تعمل مدارسها بـ3 ورديات ويديرها في الميدان 99% من الموظفين الفلسطينيين، وفق الموظف السابق بالوكالة ديكلان غرينواي.
ورغم وضع القطاع تحت الإدارة العسكرية المصرية دون ضمه، شرعت إسرائيل في تطويقه عبر مشروع “غلاف غزة”، مستحدثة مستوطنات كحصون عسكرية ومناطق إطلاق نار حرة (سفاري)؛ وهو ما وصفه خبير العمارة الجنائية إيال وايزمان بمعادلة استعمارية استيطانية، ترافقت مع مجازر ميدانية كمجزرتي خان يونس ورفح عام 1956 التي راح ضحيتها 275 فلسطينيا وفق تقديرات أممية أوردها الكاتب جو ساكو.
سلب الاقتصاد والمقاومة المعلقة
وعقب احتلال عام 1967، ألغت إسرائيل الحدود وقيّدت التجارة، وبنت أولى المستوطنات الدينية “نيتزر حزاني” عام 1970 تحت حكومة حزب العمل.
وخلال الفيلم، توضح الخبيرة الاقتصادية سارة روي كيف منع الاحتلال التنمية وحظر التصدير المباشر -كحادثة إلقاء مزارع مسن لبرتقاله في البحر بدلا من إتلافه على الشجر- مع فرض مؤشرات استهلاكية شكليا للادعاء بتحسين مستوى المعيشة عبر أعداد الثلاجات والتلفزيونات في بيوت بلا تدفئة.
وفي المقابل، برزت المقاومة عبر حفر الفدائيين للأنفاق الممتدة تحت المزارع والتي اعتبرها وايزمان “الجزء الحر الوحيد من فلسطين”، لتنطلق بعدها الانتفاضة الأولى عام 1987 من مخيم جباليا.
ويوضح الموظف السابق بالأونروا غرينواي أن وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين واجه الحجارة بسياسة رسمية أطلق عليها “تكسير العظام” وتعمد تعويق الصغار وإصابة أطرافهم.
ورغم إعلان الاستقلال بالجزائر عام 1988 وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وعودة ياسر عرفات إلى غزة عام 1994 وسط آمال عريضة بعودة مئات آلاف الفلسطينيين لبناء دولتهم المستقلة، رُحلت القضايا الجوهرية (المستوطنات، والقدس، واللاجئون، والحدود، والمياه) إلى مفاوضات الوضع النهائي المؤجلة التي لم تأتِ أبدا.
وخلصت الحلقة الأولى من سلسلة “غزة.. حكاية لم تُرْوَ” بتأكيد المؤرخ آفي شلايم أن القيادات الإسرائيلية ظلت ترى في غزة مشكلة تتمنى زوالها دون امتلاك الإرادة لمعالجة أسبابها الجوهرية والتاريخية.
Published On 2/10/2026

