
روكب اليوم
في ليلة الخامس من مارس/آذار 2019، عاش سيرجيو راموس واحدة من أصعب لحظاته مع ريال مدريد، دون أن تطأ قدمه عشب الملعب. من مدرجات سانتياغو برنابيو، شاهد قائد الفريق زملاءه عاجزين عن إيقاف الهجوم الهولندي الذي أمطر شباكهم بأربعة أهداف.
حرمته عقوبة الإيقاف من التدخل لإنقاذ فريقه، الذي ودع دوري أبطال أوروبا على يد أياكس أمستردام من ثمن النهائي، بعدما احتكر اللقب في المواسم الثلاثة السابقة.
وما اعتقد راموس أنه النهاية، كان مجرد بداية لأحد أخطر تدخلات بطل العالم في مسيرته الكروية. توجه راموس إلى غرفة الملابس لمواساة زملائه، وبينما كان اللاعبون يستعدون لمغادرة الملعب بعد الهزيمة القاسية، كان رئيس النادي فلورنتينو بيريز يطرق الباب غاضبا، دون أن يتوقع أن قائده، الذي لم يستطع مواجهة لاعبي أياكس، سيكون مستعدا هذه المرة لمواجهته هو.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listواجه بيريز لاعبيه بما اعتبره تقصيرا في الأداء والالتزام، واصفا الهزيمة بأنها “مخزية”. هنا، تصدى له راموس ورفض تحميل اللاعبين المسؤولية وحدهم، وانتقد تخطيط الإدارة للموسم وسياسة التعاقدات، خصوصا بعد رحيل كريستيانو رونالدو إلى يوفنتوس دون التعاقد مع بديل يعوض أهدافه.
وبحسب روايات نشرتها صحف “آس” و”ماركا” و”إل باييس” و”ABC” الإسبانية، احتد النقاش بين الرجلين أمام اللاعبين حتى هدد بيريز بطرد راموس من النادي، فجاءه رد القائد “ادفع لي مستحقاتي وسأرحل”، مضيفا أنه قدم كل ما لديه من أجل شعار ريال مدريد والنادي ورئيسه.
وبعد ستة أيام، خرج راموس عن صمته، لكنه لم يؤكد تفاصيل المشادة التي تناقلتها الصحف، واكتفى بالقول إن “قضايا غرفة الملابس تناقش وتحل داخلها”، مشددا على أن الجميع يعمل لمصلحة ريال مدريد.
في تلك الليلة، يمتلك الرئيس بيريز سلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل اللاعبين والمدربين، فهذه تقاليد راسخة في ريال مدريد، بينما كان راموس يحمل شارة القيادة ويتمتع بمكانة اكتسبها خلال 14 عاما من العطاء الممتد مع الفريق. ومع أن الرئيس يستطيع الاستغناء عن قائده، فقد وجد نفسه أمام لاعب مستعد لمواجهته علنا داخل الغرفة التي اعتاد الرئيس النزول إليها لمحاسبة الفريق بعد النتائج السيئة.
لم تكن تلك المواجهة سابقة في تاريخ ريال مدريد. فقد عرف النادي مدربين أُقيلوا بعد الفوز بأكبر البطولات، وقادة دخلوا في صدامات مع الرؤساء أثناء الاحتفالات، ولاعبين استطاعوا إجبار الإدارة على الاعتذار. وفي المقابل، نجح مدربون آخرون في كسب ثقة النجوم وإقناعهم بقبول قرارات لم يكن من السهل فرضها عليهم.
تكشف الوقائع التاريخية أن السلطة داخل ريال مدريد لم تكن دائما بيد الشخص الذي يحتل المنصب الأعلى، وأن القرارات التي تبدو محسومة في مكاتب الإدارة قد تواجه يتراجع عنها خوفا من تمرد غرفة الملابس.
ولفهم طبيعة هذه العلاقة أكثر، ينبغي العودة إلى تاريخ مايو/أيار 1998، عندما أعاد مدرب ألماني ريال مدريد إلى قمة أوروبا بعد انتظار استمر 32 عاما، ثم وصله قرار إقالته بعدها.
هاينكس.. بطل أوروبا الذي فقد السيطرة
في 20 مايو/أيار 1998، وقف يوب هاينكس وسط لاعبيه في ملعب أمستردام أرينا يحتفل بفوز ريال مدريد على يوفنتوس الإيطالي بهدف بريدراغ مياتوفيتش. كانت توحي مشاهد الانتصار بأن الفريق الملكي عائلة متحدة تتشارك مع جماهير النادي فرحة التتويج الأوروبي المنتظر منذ عام 1966، بعدما استعصت البطولة على الفريق لأكثر من ثلاثة عقود.
وبعد ثمانية أيام من تلك الليلة، أعلن الرئيس لورينزو سانز إقالة هاينكس.
لم يحاول سانز إخفاء الأسباب المتعلقة بعلاقة المدرب باللاعبين، فقد قال لصحيفة “إل باييس” إن هاينكس “فقد السيطرة على غرفة الملابس”، مؤكدا أن الإدارة اتخذت قرارها قبل النهائي الأوروبي، وأن نتيجة مباراة واحدة لا تكفي لتغيير موقفها، خصوصا وأن الفريق أنهى الدوري الإسباني في المركز الرابع.
كان التوتر بين المدرب والإدارة قد تصاعد قبل التتويج. ففي السابع من مايو/أيار، أي قبل النهائي بأقل من أسبوعين، استدعى سانز هاينكس إلى مكتبه وطالبه بتفسير تراجع النتائج، وسط تقارير عن فقدانه السيطرة على المجموعة، وعن تدهور العلاقة بين الطرفين.
لكن هاينكس لم يقبل تحميله مسؤولية الأزمة وحده، ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد الإقالة، اعتبر أن انتهاء العلاقة قرار مناسب، قائلا إنه لم يعد يستطيع مواصلة العمل في الظروف التي عاشها خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، وانتقد بعض أعضاء مجلس الإدارة ووسائل الإعلام بسبب دورهم في تأجيج التوتر.
وهكذا وجد الرجل الذي أعاد ريال مدريد إلى عرش أوروبا نفسه خارج النادي، فيما استمر اللاعبون الذين قادهم إلى اللقب.
كشفت هذه الواقعة مقدار الأهمية والأولوية التي تمنحها الإدارة المدريدية لعلاقة المدرب بغرفة الملابس. فقد رأى سانز أن الفوز بدوري أبطال أوروبا لا يعالج مشكلة فقدان السيطرة على اللاعبين، بينما رأى هاينكس أن الظروف المحيطة بعمله لم تعد تسمح له بالاستمرار، وعلى رأسها اللاعبين أنفسهم.
وبعد سنوات، لخص فابيو كابيلو، الذي درب ريال مدريد في فترتين، طبيعة العلاقة بين الرئيس والمدرب واللاعبين، قائلا في مقابلة مع صحيفة “آس” الإسبانية عام 2016: “ريال مدريد ناد يصعب العمل فيه للغاية. إذا تجاوز الرئيس المدرب وتحدث مباشرة مع اللاعبين عن مشكلات غرفة الملابس، فقد انتهى أمر المدرب”.
وأوضح كابيلو أن اللاعبين يتناقلون فيما بينهم ما يقوله الرئيس خلال محادثاته معهم، ويستنتجون من تدخله أن مدربهم لم يعد يتمتع بالسلطة اللازمة لإدارة الفريق.
كانت شهادة كابيلو امتدادا لتجارب عاشها بنفسه، في ناد يصعب فيه أحيانا الفصل بين سلطة الرئيس ومكانة النجوم وصلاحيات المدرب. ومع ذلك، فإن اللاعبين أنفسهم لا يتمتعون بنفوذ متساو، مهما بلغت قيمتهم أو موهبتهم.
وقد اكتشف نيكولا أنيلكا هذه الحقيقة عندما انتقل من أرسنال إلى ريال مدريد في صيف 1999، في صفقة ضخمة فاقت قيمتها 30 مليون يورو.
روى المهاجم الفرنسي في الفيلم الوثائقي “أنيلكا.. المثير للجدل” أنه واجه صعوبة في التأقلم مع زملائه الجدد. وكان من أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته أنه كلما جلس على أحد المقاعد داخل غرفة الملابس، جاءه لاعب ليخبره بأن المقعد يخصه، ويطلب منه الانتقال إلى مكان آخر.
كان أنيلكا نجما وصل في صفقة باهظة، لكنه لم يجد مكانا مستقرا للجلوس بين زملائه. وسريعا، تدهورت علاقته بالفريق، ورفض المشاركة في التدريبات خلال الموسم، فعاقبه النادي بالإيقاف. ورغم عودته ومساهمته في الفوز بدوري أبطال أوروبا عام 2000، رحل بعد موسم واحد، معترفا لاحقا بأنه كان صغير السن ولم يدرك حجم التضحيات التي تتطلبها تجربته الجديدة.
تكشف حكاية المقعد جانبا من العلاقات التي تنشأ داخل الفرق الكبرى، حيث تمنح السنوات والأقدمية والإنجازات بعض اللاعبين مكانة لا يستطيع القادمون الجدد الحصول عليها بمجرد توقيع عقودهم.
وكان فرناندو هييرو من أبرز أصحاب تلك المكانة في ريال مدريد. فعندما وصل صراع اللاعبين والإدارة إلى مواجهة مباشرة بعد ثلاث سنوات، تقدم القائد المخضرم لتمثيل زملائه أمام الرئيس، في ليلة انتهت برحيله عن النادي الذي قضى فيه 14 عاما.
“تمرد تشيستو”.. الليلة التي واجه فيها هييرو فلورنتينو بيريز
في 22 يونيو/حزيران 2003، فاز ريال مدريد على أتلتيك بلباو بنتيجة 3-1 في الجولة الأخيرة من الدوري الإسباني، وحسم اللقب التاسع والعشرين في تاريخه بعد منافسة مع ريال سوسيداد استمرت حتى اليوم الأخير.
سجل النجم البرازيلي رونالدو هدفين وأضاف روبرتو كارلوس الثالث، واحتفل لاعبو ريال مدريد بالتتويج أمام جماهير سانتياغو برنابيو، بعدما أنهوا موسما جمع الفريق خلاله مجموعة من أبرز نجوم العالم، يتقدمهم زين الدين زيدان ولويس فيغو وراؤول.
لكن الاحتفالات تحولت إلى واحدة من أشهر الأزمات في تاريخ النادي، فيما بات يعرف لاحقا باسم “تمرد تشيستو”، نسبة إلى المطعم الذي اجتمع فيه اللاعبون بعد المباراة.
بدأ التوتر منذ مراسم الاحتفال في الملعب، حيث دخل هييرو في خلاف بشأن ترتيبات التعامل مع وسائل الإعلام والجمهور، قبل أن يتفاقم الوضع عندما اعترض اللاعبون على قرار السلطات المحلية منع راؤول من رفع علم ريال مدريد في ساحة سيبيليس، المكان التقليدي لاحتفالات الفريق بألقابه.
وفي مطعم “تشيستو”، نقل هييرو استياء المجموعة إلى بيريز، وأبلغه أن اللاعبين يفكرون في مقاطعة بعض الاحتفالات الرسمية المقررة في اليوم التالي. وحضر النقاش أيضا راؤول وغوتي وروبرتو كارلوس، فيما استمرت الاتصالات بين القادة والإدارة حتى ساعات الصباح الأولى.
وبحسب الشهادات التي وردت لاحقا في الفيلم الوثائقي “غالاكتيكوس”، الذي تناول حقبة فلورنتينو بيريز الأولى، أشار هييرو بإصبعه نحو الرئيس خلال النقاش، فما كان من الأخير إلا أن رد عليه قائلا: “لا تشر إلي بإصبعك، فأنا لست حكما”.
وجاءت الرواية على لسان خواكين ماروتو، الذي كان يشغل منصب مدير الاتصال في ريال مدريد آنذاك، فيما استعاد هييرو نفسه جانبا من تفاصيل المواجهة في الوثائقي.
لم يكن الخلاف مجرد اعتراض على ترتيبات الاحتفال، فقد كانت العلاقة بين الإدارة وبعض قادة الفريق تعيش مرحلة من التوتر بشأن مستقبل المدرب فيسنتي ديل بوسكي، الذي قاد ريال مدريد إلى لقبين في دوري أبطال أوروبا ولقبين في الدوري الإسباني خلال أقل من أربعة مواسم.
كان اللاعبون يفضلون استمراره، بينما أرادت الإدارة تغيير الجهاز الفني في إطار مشروعها الذي قام على التعاقد مع أبرز النجوم العالميين.
وبعد ساعات من انتهاء الاحتفالات، أعلن ريال مدريد عدم تجديد عقد ديل بوسكي، كما قرر الاستغناء عن هييرو.
اختلفت تفسيرات القرارين، فقد نفى المدير الرياضي خورخي فالدانو أن يكون رحيل القائد عقوبة مباشرة على التمرد، فيما أقر بيريز بأن ما حدث لم يساعد هييرو، لكنه دافع عن القرار باعتباره جزءا من عملية تغيير أرادتها الإدارة.
أما ديل بوسكي، فقد غادر بعدما حقق نجاحات كبيرة مع الفريق، رغم مساندة عدد من نجومه لاستمراره.
كان هييرو قد خاض 14 موسما بقميص ريال مدريد، وأصبح خلال تلك الفترة أحد أبرز قادته. لكنه وجد نفسه خارج النادي بعد مواجهة رئيسه، تماما كما وجد المدرب الذي حظي بدعم اللاعبين نفسه خارج المشروع الجديد.
وبقي بيريز ليواصل “الغالاكتيكوس”، التي شهدت وصول ديفيد بيكهام من مانشستر يونايتد بعد أيام من رحيل هييرو وديل بوسكي.
كان التعاقد مع النجم الإنجليزي جزءا من طموح الإدارة لتوسيع حضور ريال مدريد الرياضي والتجاري، لكن اللاعب نفسه سيصبح بعد أقل من أربع سنوات طرفا في مواجهة أخرى مع رئيس النادي، تنتهي هذه المرة باعتذار الرئيس أمام الفريق بأكمله.
بيكهام.. عندما أجبر اللاعبون رئيسهم على الاعتذار
في يناير/كانون الثاني 2007، كان ديفيد بيكهام يستعد لإنهاء رحلته مع ريال مدريد، بعدما أعلن اتفاقه على الانتقال إلى لوس أنجلوس غالاكسي الأميركي بنهاية الموسم.
لم يتقبل المدرب فابيو كابيلو القرار، وأعلن أن بيكهام لن يشارك مجددا في مباريات الفريق، رغم استمراره في التدريبات حتى انتهاء عقده.
وبينما كان اللاعب الإنجليزي يحاول التعامل مع استبعاده، جاءت تصريحات رئيس النادي رامون كالديرون لتزيد الأزمة حدة.
ففي لقاء مع طلاب إحدى الجامعات في مدريد، انتقد كالديرون لاعبي الفريق، واتهم بعضهم بالغرور والافتقار إلى الثقافة، قبل أن يسخر من انتقال بيكهام إلى الولايات المتحدة، معتبرا أنه يتجه إلى هوليوود بعدما لم يعد مطلوبا من الأندية الأخرى.
لم يكن الرئيس يعلم أن تصريحاته مسجلة، وأنها ستصل إلى وسائل الإعلام. وعندما انتشرت، حاول احتواء الأزمة بعقد اجتماع مع قادة الفريق الثلاثة، راؤول وغوتي وروبرتو كارلوس.
لكن اللاعبين رفضوا حصر الاجتماع بالقادة، وأصروا على حضور الرئيس إلى مقر التدريبات في فالديبيباس والحديث أمام الجميع.
كان كالديرون يريد تقديم اعتذار ينهي الأزمة، لكنه وجد نفسه أمام مجموعة غاضبة قررت مواجهته بما قاله عنها.
وبحسب مراسل صحيفة “الغارديان” في مدريد سيد لو، استمر الاجتماع نحو ساعة، وتولى عدد من اللاعبين المخضرمين، ومنهم إيفان هيلغيرا وميتشيل سالغادو وفابيو كانافارو وغوتي، الحديث والتعبير عن اعتراضات المجموعة.
ثم وقف بيكهام وبدأ الحديث.
كان اللاعب الإنجليزي معروفا بهدوئه في التعامل مع الإعلام، لكن زملاءه فوجئوا بحدة موقفه. فقد اتهم كالديرون بالكذب وقلة الاحترام. قال لهما إن زملاءه سيحتفظون باحترامه، بينما فقد الرئيس احترامه.
اعتذر كالديرون أكثر من مرة، واستمع إلى انتقادات اللاعبين، قبل أن ينتهي الاجتماع دون اتخاذ إجراءات ضد المشاركين فيه.
وبعد أيام، بدأ كابيلو التراجع عن قراره المتعلق ببيكهام، ثم أعاده إلى المباريات في فبراير/شباط. واستعاد اللاعب الإنجليزي مكانه في الفريق، وأسهم في المنافسة على لقب الدوري الإسباني الذي توج به ريال مدريد في نهاية الموسم.
لم يكن اجتماع اللاعبين مع الرئيس وحده وراء عودة بيكهام، فقد لعب التزامه في التدريبات وحاجة الفريق الفنية دورا في تغيير موقف المدرب. لكن تضامن زملائه معه منح الأزمة بعدا جماعيا، وجعل الإدارة تواجه اعتراضات لم تعد مقتصرة على لاعب غاضب من استبعاده.
انتهت مواجهة بيكهام بتراجع الرئيس وعودة اللاعب إلى الفريق، على خلاف ما حدث مع هييرو قبل أربع سنوات، حين انتهى صدامه مع بيريز برحيله عن النادي. وفي الحالتين، تولى قادة ريال مدريد الدفاع عن زملائهم أمام الإدارة، لكن المواجهتين انتهتا بنتيجتين مختلفتين، عكستا تفاوت موازين القوة والعلاقات بين الرئيس والمدرب واللاعبين.
ومع ذلك، فإن قدرة اللاعبين على الاتحاد في مواجهة الإدارة لم تكن تعني أنهم سيظلون متحدين عندما يصبح الخلاف مع مدربهم.
فبعد سنوات قليلة، وصل جوزيه مورينيو إلى ريال مدريد، وبدأ واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ النادي، قبل أن تتحول خلافاته مع بعض النجوم إلى أزمة قسمت غرفة الملابس نفسها.
مورينيو وكاسياس.. عندما انقسم اللاعبون حول مدربهم
في ديسمبر/كانون الأول 2012، اتخذ جوزيه مورينيو قرارا صادما في ريال مدريد، حين استبعد إيكر كاسياس من التشكيلة الأساسية أمام ملقا، وأشرك الحارس الاحتياطي أنطونيو آدان بدلا منه.
لم يكن كاسياس مجرد حارس مرمى، بل قائد ريال مدريد ومنتخب إسبانيا، وبطل كأس العالم 2010 وبطولتي أوروبا 2008 و2012، وأحد أبرز الرموز الرياضية الإسبانية.
لم يكن استبعاد إيكر كاسياس من تشكيلة ريال مدريد مجرد قرار فني عابر، فقد سبقه أشهر من التوتر مع جوزيه مورينيو، وسط تراجع نتائج الفريق وتصاعد خلافات المدرب مع لاعبيه ووسائل الإعلام. وزادت الشكوك داخل النادي مع تسرب تشكيلات الفريق إلى الصحافة قبل المباريات، وبرز اسم كاسياس في الاتهامات بتسريب المعلومات، دون ثبوت تورطه فيها.
قبل أشهر فقط، كان مورينيو يحتفل بقيادة ريال مدريد إلى لقب الدوري الإسباني برصيد قياسي بلغ 100 نقطة، منهيا هيمنة برشلونة بقيادة بيب غوارديولا. لكن ذلك الإنجاز لم يخفف الضغوط عن المدرب البرتغالي، الذي دخل موسمه الثالث مطالبا بإعادة دوري أبطال أوروبا إلى خزائن النادي، فيما بدأت خلافاته مع بعض أبرز نجوم الفريق تطغى على نتائجه داخل الملعب.
وجاءت إصابة كاسياس لتمنح الأزمة منعطفا جديدا. فقد تعاقد ريال مدريد مع دييغو لوبيز لتعويض غياب قائده، لكن الحارس الجديد احتفظ بمكانه الأساسي حتى بعد تعافي كاسياس، الذي وجد نفسه حبيسا لمقاعد البدلاء، في قرار أثار جدلا واسعا بشأن دوافع مورينيو الحقيقية.
وفي السابع من مايو/أيار 2013، خرج المدرب البرتغالي للدفاع عن اختياره، مؤكدا أنه يفضل لوبيز لأسباب فنية، تتعلق خصوصا بقدرته على التعامل مع الكرات العالية واللعب بقدميه. وشدد على أن اختيار التشكيلة من صميم صلاحيات المدرب، وأن قراراته تستند إلى الدراسة والتقييم، بعيدا عن مكانة اللاعبين أو تاريخهم.
لكن مورينيو لم يكتف بتبرير قراره فنيا، بل مضى أبعد من ذلك عندما ألمح إلى أن كاسياس ربما يفضل العمل مع مدربين آخرين، مثل فيسنتي ديل بوسكي ومانويل بيليغريني، في تصريحات كشفت أن الخلاف بين الرجلين تجاوز المنافسة على مركز حراسة المرمى.
ولم يعد الصراع محصورا بين المدرب وقائده، إذ بدأ يمتد إلى بقية اللاعبين، وكان المدافع البرتغالي بيبي من أبرز من دخلوا على خط المواجهة. فبعد مباراة ريال مدريد أمام بلد الوليد، انتقد بيبي علنا طريقة تعامل مورينيو مع كاسياس، وطالب باحترام أكبر للحارس الإسباني، مذكرا بمكانته وتاريخه الطويل مع النادي.
كان بيبي يعتقد أنه يدافع عن زميله وقائده، لكن تدخله وضعه في مواجهة مباشرة مع مدربه. ولم يتأخر رد مورينيو، الذي اختار أن يكشف أمام الصحفيين عن السبب الذي يعتقد أنه يقف وراء غضب المدافع البرتغالي.
خرج مورينيو في المؤتمر الصحفي التالي، قائلا: “مشكلة بيبي لها اسم واحد، رافائيل فاران”.
كان مورينيو يشير إلى المدافع الفرنسي الشاب الذي نجح في انتزاع مكان بيبي في التشكيلة الأساسية، معتبرا أن انتقادات اللاعب البرتغالي نابعة من إحباطه بعدما فقد موقعه لصالح لاعب أصغر منه سنا.
وأضاف أن من الصعب على لاعب صاحب تاريخ طويل أن يتقبل تراجعه أمام شاب يبلغ 19 عاما، مؤكدا أنه منح فاران الفرصة لأنه يستحق المشاركة.
ثم استبعد بيبي من قائمة المباريات التالية بالكامل.
لم تعد الأزمة تتعلق بحارس مرمى يريد العودة إلى التشكيلة، وإنما بمدرب يتمسك بسلطته الفنية، ولاعبين يعترضون على طريقة ممارستها، وآخرين يواصلون دعمه ويعتبرون قراراته ضرورية لفرض الانضباط.
وكانت العلاقة بين مورينيو وسيرخيو راموس قد شهدت توترات سابقة، كما دخل المدرب في خلافات مع كريستيانو رونالدو بسبب طريقة اللعب، فيما لم تتوقف الصحافة الإسبانية عن تناول الانقسامات داخل الفريق.
وصل الوضع إلى درجة دفعت الرئيس فلورنتينو بيريز إلى المطالبة علنا بوحدة النادي قبل نهائي كأس ملك إسبانيا أمام أتلتيكو مدريد في مايو/أيار 2013.
لكن مورينيو واصل الدفاع عن اختياراته، مؤكدا أنه لا يستطيع اتخاذ قراراته بناء على مكانة اللاعبين أو تاريخهم وحده. خسر ريال مدريد نهائي الكأس أمام جاره أتلتيكو 2-1 وأنهى الموسم دون الفوز بالدوري أو دوري أبطال أوروبا أو كأس الملك، ثم أعلن النادي انتهاء علاقته بالمدرب البرتغالي.
غادر مورينيو بعدما قاد ريال مدريد إلى لقب الدوري عام 2012، وبلغ نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية، لكنه ترك خلفه منقسما حول شخصيته وقراراته.
لم يكن الخلاف مجرد مواجهة بين مدرب يريد فرض الانضباط ولاعبين يرفضون الالتزام، كما لم تكن كل قرارات مورينيو خالية من الأساس الفني. فقد كان استبعاد كاسياس قابلا للنقاش الرياضي، لكن الطريقة التي تطورت بها العلاقة جعلت القرار جزءا من أزمة أوسع داخل النادي.
وبعد أقل من ثلاث سنوات، قدم ريال مدريد نموذجا مختلفا للعلاقة بين المدرب والنجوم، عندما أسند المهمة إلى زين الدين زيدان، الذي اختار طريقا آخر لإدارة فريق يضم كريستيانو رونالدو وسيرخيو راموس وكريم بنزيمة ولوكا مودريتش وغاريث بيل.
زيدان.. كيف أقنع النجوم بما رفضوه من مدربين آخرين؟
في الرابع من يناير/كانون الثاني 2016، أعلن فلورنتينو بيريز إقالة رافاييل بينيتيز، وتعيين زين الدين زيدان مدربا لريال مدريد.
لم يكن الفرنسي قد سبق له تدريب فريق أول في واحدة من الدوريات الأوروبية الكبرى، واقتصرت خبرته على قيادة الفريق الرديف، بعد فترة عمل خلالها مساعدا لكارلو أنشيلوتي.
لكنه امتلك ما لم يستطع بينيتيز اكتسابه خلال أشهره السبعة في المنصب، وهو ثقة لاعبي ريال مدريد وقبولهم لشخصيته وطريقة تعامله.
بعد أقل من أسبوعين من تعيين زيدان، خرج كريستيانو رونالدو بتصريحات كشفت حجم الاختلاف بين المدربين من وجهة نظر اللاعبين.
قال النجم البرتغالي بعد الفوز على سبورتينغ خيخون 5-1 إن زيدان منح الفريق دفعة معنوية، وإن اللاعبين يشعرون بتفاهم أكبر معه، موضحا أن بعض المدربين ينجحون في بناء علاقات أفضل مع لاعبيهم من غيرهم.
ولم يوجه رونالدو انتقادات شخصية إلى بينيتيز، بل أكد أنه كان يؤدي عمله بجدية خلال فترته، لكنه أشار إلى اختلاف طريقة تفكير المدربين، وإلى أن اللاعبين يشعرون بثقة أكبر تجاه زيدان.
لم يعتمد زيدان على علاقاته الجيدة وحدها للنجاح، فقد عمل على عدة تغييرات تكتيكية مثل منح البرازيلي كاسيميرو دورًا رئيسيا في خط الوسط لتحقيق التوازن الدفاعي، ورفع مستوى جاهزية الفريق البدنية، كما تعامل مع مسألة مشاركة النجوم بصورة مختلفة عن بعض أسلافه.
وكانت علاقته مع رونالدو واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.
ففي مقابلة مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” عام 2017، كشف زيدان أنه اتفق مع المهاجم البرتغالي على تقليل مشاركاته في بعض المباريات للحفاظ على جاهزيته خلال المراحل الحاسمة من الموسم.
قال زيدان إن القرار اتخذه بالاشتراك مع رونالدو، بعدما ناقشا الحاجة إلى الراحة، خصوصا أن اللاعب كان يخوض ما بين 60 و70 مباراة في الموسم الواحد خلال سنوات متتالية.
وكان قبول رونالدو الجلوس احتياطيا أو الحصول على راحة في بعض المباريات مؤشرا على طبيعة العلاقة بينهما، إذ استطاع المدرب إقناع أهم نجومه بقرار قد لا يتقبله بسهولة لو شعر بأنه يقلل من مكانته.
لكن المشهد الذي كشف بصورة أوضح طريقة إدارة زيدان لفريقه جاء في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2017.
دخل لاعبو ريال مدريد غرفة الملابس في ملعب الألفية بمدينة كارديف الويلزية، بعدما انتهى الشوط الأول أمام يوفنتوس بالتعادل 1-1. كان الفريق الإيطالي قد نجح في مجاراة منافسه وتهديد مرماه، بينما احتاج زيدان إلى تعديل بعض التفاصيل قبل بداية الشوط الثاني.
ولأن النادي وثق جانبا من حديث المدرب في فيلمه الخاص بالتتويج باللقب الثاني عشر، أصبح من الممكن معرفة ما قاله زيدان للاعبيه بعيدا عن التخمينات والتسريبات.
طلب المدرب الفرنسي من لاعبيه زيادة الضغط على حامل الكرة، والتقارب في الحالة الدفاعية، دون ارتكاب أخطاء تستوجب الإنذار.
ثم انتقل إلى شرح الطريقة التي يريد بها مواجهة تنظيم يوفنتوس، الذي اعتمد على تقدم داني ألفيش وماريو ماندزوكيتش على الطرفين، وطلب من مارسيلو وداني كارفاخال التقدم لإجبار لاعبي الفريق الإيطالي على التراجع.
ووجه تعليمات إلى إيسكو ولوكا مودريتش بشأن التحرك والتمرير وتغيير اتجاه اللعب، مشددا على أهمية توسيع الملعب وعدم حصر الهجمات في العمق.
كان زيدان يتحدث عن مواقع اللاعبين والمساحات والضغط، قبل أن يذكرهم بأن المباراة نهائي أوروبي يتطلب الصبر وتحمل الصعوبات، وأن عليهم مواصلة العمل للوصول إلى الهدف الثاني.
خرج ريال مدريد بعد الاستراحة وسيطر على مجريات الشوط الثاني، وسجل ثلاثة أهداف عن طريق كاسيميرو ورونالدو وماركو أسينسيو، ليفوز 4-1 ويحقق لقبه الأوروبي الثاني عشر.
لم تكن التعليمات وحدها وراء الانتصار، لكن المشهد كشف طبيعة العلاقة بين المدرب ولاعبيه. فقد امتلك زيدان القدرة على مطالبة نجومه بأدوار دفاعية وهجومية دقيقة، والعمل على تنفيذها جماعيا، بعدما نجح في كسب ثقتهم.
واستمر الفريق تحت قيادته في تحقيق النتائج، ليتوج بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية بين 2016 و2018، إلى جانب الفوز بالدوري الإسباني عام 2017.
لم يكن زيدان قد اكتسب تلك الثقة بالود واللطف وحدهما، فقد اتخذ قرارات فنية مهمة وأبقى لاعبين على مقاعد البدلاء، لكنه نجح في تقديم هذه القرارات ضمن مشروع يشعر اللاعبون بأنهم شركاء فيه.
وقد استفاد أنشيلوتي لاحقا من علاقة مشابهة مع عدد من نجوم الفريق، فأتاح له ذلك التعامل مع مجموعة واسعة من اللاعبين والاستفادة من البدلاء في لحظات حاسمة، كما حدث خلال العودة أمام مانشستر سيتي في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2022.
ومع ذلك، فإن نجاح زيدان وأنشيلوتي في إدارة النجوم لم يتحول إلى قاعدة تضمن النجاح لكل مدرب يأتي بعدهما. ففي صيف 2025، عاد تشابي ألونسو إلى ريال مدريد بعد تجربة لافتة في ألمانيا، لكنه واجه تحديا مختلفا عندما حاول تغيير أسلوب عمل الفريق.
ألونسو وفينيسيوس.. حين لم يكن الفوز بالكلاسيكو كافيا
في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فاز ريال مدريد على برشلونة 2-1 في سانتياغو برنابيو، ووسع الفارق بينهما في صدارة الدوري الإسباني.
كان الانتصار مهما لتشابي ألونسو، الذي تولى تدريب ريال مدريد بعد نجاحه مع باير ليفركوزن الألماني، حيث قاد الفريق إلى لقب الدوري دون هزيمة، وقدم أسلوبا يقوم على التنظيم والضغط والعمل الجماعي.
لكن إحدى أكثر لقطات الكلاسيكو إثارة للجدل لم تكن هدفا أو فرصة ضائعة، وإنما رد فعل فينيسيوس جونيور عندما قرر المدرب استبداله.
غادر اللاعب البرازيلي الملعب غاضبا، واحتج على القرار قبل أن يتجه نحو نفق غرفة الملابس، في مشهد التقطته كاميرات التلفزيون وأثار تساؤلات بشأن علاقته بالمدرب.
حاول ألونسو احتواء الموقف بعد المباراة، مؤكدا أنه سيتحدث مع اللاعب، وأن الأهم هو انتصار الفريق. لكن الأسابيع التالية كشفت عن خلافات أوسع بشأن أسلوبه التدريبي وطريقة توزيعه للأدوار.
فقد تحدثت تقارير صحفية عن استياء بعض اللاعبين من كثرة التعليمات الفنية وجلسات تحليل الفيديو ومتطلبات الضغط والعمل الدفاعي، في حين أثارت مسألة مشاركة فيديريكو فالفيردي في مركز الظهير نقاشات إضافية حول طريقة إدارة الفريق.
كان ألونسو يحاول نقل أفكاره التي نجحت في ليفركوزن إلى ناد يضم مجموعة مختلفة من النجوم، اعتاد كثير منهم اللعب بأساليب تمنحهم حرية أكبر في الحركة واتخاذ القرارات.
ولم تكن مقاومة التغيير شاملة، فقد حظي المدرب بدعم بعض اللاعبين، كما واجه صعوبات تتعلق بالإصابات وتوازن التشكيلة وتراجع المستوى البدني والفني.
لكن علاقته بالمجموعة لم تستقر، رغم محاولاته عقد اجتماعات لتحسين التفاهم. وبحسب تحليل نشرته صحيفة “الغارديان” بعد رحيله، لم يحصل المدرب على دعم إداري حاسم في بعض المواقف، ومن بينها الخلاف مع فينيسيوس، وهو ما صعب مهمته في ترسيخ سلطته داخل الفريق.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، خسر ريال مدريد نهائي كأس السوبر الإسباني أمام برشلونة 3-2، قبل أن يعلن النادي انتهاء علاقته بألونسو بالتراضي، بعد نحو سبعة أشهر من توليه المهمة.
لم يكن احتجاج فينيسيوس السبب الوحيد لرحيل المدرب، كما لم تكن النتائج وحدها كافية لتفسير نهاية التجربة. فقد تداخلت خلافات العمل مع صعوبات تطبيق المشروع التكتيكي، وتراجع الأداء، والاختلاف بشأن الطريقة المناسبة لإدارة الفريق.
وعندما غادر ألونسو، أعادت التجربة إلى الأذهان ما قاله كابيلو قبل سنوات عن هشاشة سلطة المدرب عندما يشعر اللاعبون بأن قراراته لا تحظى بدعم كاف من الإدارة.
لكن أكثر المفارقات إثارة جاءت بعد خمسة أشهر، عندما قرر بيريز إعادة مدرب سبق له خوض واحدة من أعنف المواجهات مع غرفة ملابس ريال مدريد.
مورينيو والعودة إلى ريال مدريد
في 11 يونيو/حزيران 2026، أعلن ريال مدريد تعيين جوزيه مورينيو مدربا للفريق لمدة ثلاثة مواسم، حتى نهاية يونيو/حزيران 2029.
عاد البرتغالي بعد 13 عاما من رحيله، ليعمل مجددا تحت رئاسة فلورنتينو بيريز، لكن دون كاسياس وراموس وبيبي، الذين كانوا في قلب الصراعات التي شهدتها ولايته الأولى.
تغير الفريق، وتغيرت أسماء النجوم، وبقي على مورينيو التعامل مع التحدي نفسه، وهو فرض قراراته الفنية على مجموعة تضم لاعبين أصحاب مكانة كبيرة، من بينهم كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وجود بيلينغهام وفالفيردي.
حرص المدرب منذ بداية ولايته الثانية على الحديث عن أهمية العمل الجماعي وتوزيع دقائق المشاركة، وأكد أنه لا يريد الاعتماد على تشكيلة ثابتة في جميع المباريات، لأن كثافة الجدول تتطلب إتاحة الفرصة لعدد أكبر من اللاعبين.
لكن اختبار مورينيو في التعامل مع نجوم ريال مدريد لم يتأخر طويلا، وكانت المفارقة أن أول اختبار علني لسلطته جاء من خارج الملعب، بعد تصريحات حذر فيها لاعبيه من ممارسة أنشطة قد تعرضهم للإصابة.
ففي 25 سبتمبر/أيلول 2026، تحدث المدرب البرتغالي خلال مقابلة مع بودكاست “Bet It Drive Show” عن القيود التي تفرضها كرة القدم الاحترافية على حياة اللاعبين، قائلا “للأسف، لا يستطيع لاعب كرة القدم ممارسة التزلج أو ركوب الدراجة الهوائية، وهناك من يفعل ذلك سرا بعيدا عن أعين النادي. لا يهمني العقد بقدر ما تهمني الطريقة التي يتعامل بها اللاعب مع عمله”.
ومضى مورينيو في شرح موقفه محذرا “إذا سقطت من الدراجة، فقد تغيب عن ثلاث مباريات، أو ربما تتعرض لما هو أسوأ، ككسر في الساق أو كدمة تمنعك من اللعب بأفضل مستوياتك”.
وبعد تسعة أيام، نشر كيليان مبابي عبر حسابه على إنستغرام مقطعا مصورا يظهر فيه مبتسما وهو يقود دراجة هوائية ويرتدي خوذة واقية، في وقت كان يتعافى فيه من إصابة في ركبته اليسرى تعرض لها مع المنتخب الفرنسي أمام تركيا.
أعادت اللقطات تصريحات مورينيو إلى الواجهة، وأثارت تساؤلات بشأن مدى التزام النجم الفرنسي بتوجيهات مدربه، وإن لم يتضح متى صُور المقطع، وما إذا كانت الجولة بالدراجة قد سبقت الإصابة أم أعقبتها.
لكن مورينيو اختار هذه المرة الدفاع عن لاعبه بدلا من الدخول في مواجهة معه. ففي التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، وصف الانتقادات الموجهة إلى مبابي بأنها “سخيفة”، موضحا أن اللاعب كان يستخدم دراجة يوفرها الفندق في سويسرا للتنقل بين مرافقه، وسخر من تضخيم الواقعة قائلا إن البعض يصورها كما لو أن مبابي كان يشارك في طواف سويسرا للدراجات.
وبعد خمسة أيام، وجد مورينيو نفسه أمام اختبار آخر داخل الملعب، عندما تأخر ريال مدريد أمام روما الإيطالي 3-1 حتى الدقيقة 83، في مواجهة الفريقين بدوري أبطال أوروبا يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول.
كان المدرب قد استبدل فينيسيوس جونيور خلال الشوط الثاني، ودفع بإندريك، قبل أن تنقلب المباراة في دقائقها الأخيرة، بعدما سجل كارلوس إسبي وإندريك وأنطونيو روديغر ثلاثة أهداف، ليخرج ريال مدريد فائزا بنتيجة 4-3.
وبعد المباراة، سئل مورينيو عن رد فعل فينيسيوس على استبداله، فأقر بأن شعور لاعب مهم بالإحباط أمر طبيعي، لكنه شدد على رفضه التصرفات التي تتجاوز التعبير عن الغضب، مثل ركل الأشياء أو إلقائها. وأضاف أن البرازيلي كان سعيدا بانتصار الفريق بعد صافرة النهاية، رغم عدم رضاه عن قرار استبداله.
وفي المؤتمر الصحفي ذاته، قدم مورينيو تفسيرا لافتا لما حدث خلال اللقاء، قائلا “مسؤولية الشوط الأول السيئ تقع على المدرب، أما الفضل في الشوط الثاني الجيد فيعود إلى اللاعبين”.
خلال أقل من أسبوعين، تعامل مورينيو مع موقفين كانا قابلين للتحول إلى خلافات علنية مع اثنين من أبرز نجومه، لكنه اختار الدفاع عن مبابي أمام الانتقادات، واحتواء استياء فينيسيوس دون التراجع عن حقه في اتخاذ القرارات الفنية.
بدت هذه المواقف مختلفة في نبرتها عن المواجهات الحادة التي شهدتها ولايته الأولى، عندما رد على انتقادات بيبي بإرجاعها إلى فقدانه مكانه لصالح رافاييل فاران، ودافع بشدة عن استبعاد إيكر كاسياس بوصفه قرارا فنيا لا يجوز أن تتحكم فيه مكانة اللاعب.
ومع ذلك، فإن الأشهر الأولى من تجربة مورينيو الجديدة لا تكفي للحكم على ما إذا كان قد غير طريقته في إدارة النجوم، أم أن علاقته بغرفة الملابس ستواجه مع مرور الوقت الاختبارات نفسها التي أنهت ولايته الأولى قبل 13 عاما.
فقد أظهر تاريخ ريال مدريد أن الانتصارات قد تمنح المدرب مساحة أوسع لفرض قراراته، لكنها لا تضمن استمرار تلك السلطة إذا تدهورت علاقته بالنجوم أو فقد دعم الإدارة.
هاينكس أعاد الكأس الأوروبية إلى مدريد بعد 32 عاما، ثم رحل لأنه فقد السيطرة على غرفة الملابس بحسب رئيسه. وديل بوسكي وهييرو غادرا بعد التتويج بالدوري، إثر مرحلة من الخلافات بشأن مستقبل الفريق وحدود نفوذ قادته. أما كالديرون، فاضطر إلى الاعتذار أمام لاعبيه بعدما طالبوه بمواجهتهم مباشرة.
وفي تجربة مورينيو الأولى، تحولت قرارات فنية إلى أزمة قسمت اللاعبين، بينما استطاع زيدان إقناع نجومه بقبول أدوار وقرارات أسهمت في نجاح الفريق. ثم جاء ألونسو بمشروع مختلف، لكنه غادر قبل أن يكمل موسمه الأول.
لم تثبت هذه الوقائع أن غرفة الملابس كانت أقوى من الرئيس أو المدرب في جميع الأوقات، فقد انتهت بعض المواجهات برحيل اللاعبين، وأخرى بإقالة المدربين، فيما احتفظ الرؤساء بسلطتهم في اتخاذ القرارات الكبرى.
لكنها كشفت أن القرارات لا تحقق أهدافها لمجرد صدورها، وأن قدرة الرئيس على اختيار المدرب لا تضمن قبول اللاعبين به، كما أن حق المدرب في تحديد التشكيلة لا يمنع نشوء خلافات حول طريقة ممارسته لتلك السلطة.
وعندما عاد مورينيو إلى ريال مدريد، وجد نفسه أمام جيل لم يعش صراعاته القديمة مع كاسياس وراموس، لكنه يحمل طموحات ومطالب وتوقعات خاصة به.
ولذلك فإن الإجابة عن السؤال الذي رافق النادي طوال عقود لا تتوقف عند معرفة من يملك صلاحية إصدار القرار، وإنما عند معرفة من يستطيع إقناع الآخرين بتنفيذه.
ففي ريال مدريد، يستطيع الرئيس أن يعين المدرب، ويستطيع المدرب أن يجلس النجم على مقاعد البدلاء، لكن أيا منهما لا يستطيع وحده أن يضمن ما سيحدث عندما يعود الجميع إلى غرفة الملابس.

