
وشهدت مياه خليج عدن والبحر العربي وباب المندب خلال الأسابيع الماضية سلسلة متلاحقة من الحوادث الأمنية استهدفت سفناً تجارية وناقلات نفط، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من عودة الاضطرابات البحرية إلى أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
ووفقاً لهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، تعرضت عدة سفن منذ مايو الماضي لهجمات مسلحة ومحاولات صعود بالقوة، كان آخرها هجوم استهدف سفينة تجارية على بعد 105 أميال بحرية شمال شرقي عدن، حيث اقترب زورقان مسلحان من السفينة وفتحا النار عليها قبل أن تتدخل فرق الحماية الأمنية وتُجبر المهاجمين على الانسحاب.
كما سجلت الهيئة البريطانية خلال يونيو الجاري حوادث متفرقة قرب السواحل اليمنية والعُمانية، شملت استهداف ناقلات وسفن شحن بإطلاق نار وقذائف صاروخية ومحاولات اقتحام، في تطورات دفعت شركات الملاحة العالمية إلى رفع مستوى التحذير للسفن العابرة في المنطقة.
ويقول خبراء ملاحة دوليون إن تكرار هذه الحوادث يثير مخاوف من عودة نشاط جماعات القرصنة المسلحة في خليج عدن بالتوازي مع استمرار التهديدات الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي، الأمر الذي يضاعف المخاطر على خطوط التجارة الدولية الممتدة بين آسيا وأوروبا. وتشير تقارير ملاحية إلى أن العديد من شركات الشحن بدأت بإعادة تقييم مساراتها البحرية ورفع رسوم التأمين على السفن المتجهة إلى موانئ المنطقة.
وفي اليمن، انعكست هذه التطورات سريعاً على الأسواق المحلية. وأفادت مصادر في القطاع التجاري بأن تكاليف الشحن البحري والتأمين على البضائع الواردة إلى الموانئ اليمنية ارتفعت خلال الأسابيع الأخيرة بنسب تجاوزت 30 في المائة، الأمر الذي أدى إلى زيادة كلفة الاستيراد على التجار ورفع أسعار عدد من السلع الغذائية والاستهلاكية الأساسية.
وتعتمد اليمن على الاستيراد لتغطية أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها الغذائية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة أو ارتفاع في تكاليف النقل ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
غير أن مبررات التجار لم تقنع كثيراً من المواطنين الذين يرون أن موجة الغلاء الحالية لا تتناسب مع التحسن الكبير الذي شهده سعر صرف الريال اليمني في المناطق المحررة خلال الأشهر الماضية. ويشير مواطنون إلى أن أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية واصلت ارتفاعها أو بقيت عند مستوياتها السابقة رغم تحسن قيمة العملة بنحو 45 في المائة مقارنة بمستوياتها المتدنية التي سجلتها نهاية العام الماضي.
ويقول سكان في عدن وحضرموت وتعز إن الأسواق اعتادت التفاعل السريع مع أي تراجع في قيمة العملة المحلية عبر رفع الأسعار، لكنها لا تُظهر الاستجابة نفسها عند تحسن سعر الصرف، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة بشأن آليات التسعير وغياب الرقابة الحكومية الفاعلة على الأسواق.
من جانبه، أوضح الخبير المالي وأستاذ العلوم المصرفية والمالية بجامعة حضرموت الدكتور وليد العطاس أن الأزمة الراهنة لا ترتبط فقط بارتفاع تكاليف الشحن البحري أو التطورات الأمنية في الممرات الدولية، بل تعكس أيضاً اختلالات هيكلية في السوق المحلية وغياب العلاقة الطبيعية بين سعر الصرف وأسعار السلع.
وأكد العطاس أن كثيراً من التجار ما زالوا يحتسبون أسعار بضائعهم وفق مستويات صرف سابقة مرتفعة، على الرغم من التحسن الذي طرأ على قيمة الريال، مشيراً إلى أن ضعف الأجهزة الرقابية وعدم وجود آليات فعالة لمراقبة الأسواق سمحا باستمرار هذه الممارسات على حساب المستهلكين.
وحذر من أن أي قرارات جديدة تتعلق برفع الرسوم الجمركية أو مضاعفة سعر الدولار الجمركي قد تؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، مؤكداً أن الزيادات الأخيرة في الرواتب والتسويات الوظيفية لن تكون كافية لتعويض الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات.
ويرى مراقبون أن اليمن يقف اليوم أمام معادلة اقتصادية معقدة؛ فبينما بدأت مؤشرات نقدية إيجابية بالظهور مع تحسن سعر صرف العملة، جاءت الاضطرابات الأمنية في الممرات البحرية لتفرض ضغوطاً جديدة على الاقتصاد الوطني، الأمر الذي يهدد بإضعاف أثر أي تحسن مالي ما لم تترافق معه إجراءات رقابية صارمة وسياسات اقتصادية قادرة على حماية الأسواق والمستهلكين من موجات الغلاء المتكررة.
