
روكب اليوم
بعد أقل من ثلاث سنوات على تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل هوليوود، بدأت مؤسسات ومهرجانات سينمائية حول العالم الانتقال من مرحلة مناقشة التكنولوجيا إلى منحها مساحة فعلية داخل أجندتها، سواء عبر مسابقات مستقلة أو عروض خاصة أو جوائز مخصصة، في مؤشر إلى أن الأفلام المنتجة بأدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد تجارب تقنية، بل أصبحت تسعى إلى انتزاع اعتراف مؤسسي داخل صناعة السينما.
ويأتي أحدث هذه المؤشرات مع إعلان مهرجان ريبلاي لأفلام الذكاء الاصطناعي (Reply AI Film Festival) تأهل عشرة أفلام قصيرة إلى نهائيات دورته الثالثة، بعد اختيارها من بين أكثر من ثلاثة آلاف فيلم من 76 دولة، على أن تُعرض وتُكرّم في مدينة فينيسيا بالتزامن مع الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، بحسب البيان الرسمي للمهرجان.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsend of listولا يعد مهرجان “ريبلاي” حالة منفردة، إذ شهد العام الحالي توسعا في المبادرات المخصصة لهذا النوع من الإنتاج.
البداية من فرنسا
ولا يعد مهرجان “ريبلاي” حالة منفردة، إذ شهدت الأشهر الأخيرة توسعا ملحوظا في المبادرات السينمائية المخصصة للذكاء الاصطناعي. فقد استضافت مدينة كان الفرنسية في21 و22 أبريل/نيسان 2026 الدورة الثانية من المهرجان العالمي لأفلام الذكاء الاصطناعي (World AI Film Festival – WAIFF)، الذي جمع مسابقات وعروضا وندوات مخصصة بالكامل للأفلام المنتجة بأدوات الذكاء الاصطناعي، بعد أن كان قد أطلق نسخته الأولى عام 2025، في خطوة عكست طموحه إلى ترسيخ هذا النوع من السينما داخل المشهد الدولي.
وفي يونيو/حزيران 2026، استضاف مهرجان تريبيكا (Tribeca Festival) في نيويورك العرض الأول لفيلم “أحلام البنفسج” (Dreams of Violets)، الذي وُصف بأنه أول فيلم روائي طويل مُولد بالكامل تقريبا بالذكاء الاصطناعي يشارك في مهرجان سينمائي دولي كبير، وهو ما أثار نقاشًا واسعا حول مستقبل هذا النوع من الإنتاج.
ورغم ذلك فإن المهرجانات السينمائية الكبرى تتعامل بحذر مع هذه الموجة. وبينما تحتضن فعاليات وندوات تناقش أثر الذكاء الاصطناعي على مستقبل الصناعة، فإنها لم تسمح بعد بفتح مسابقاتها الرسمية أمام الأفلام المنتجة بالكامل بهذه الأدوات، في ظل استمرار النقاش حول حقوق الملكية الفكرية، ودور الفنان، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية، وهي القضايا التي تصدرت إضرابات هوليوود الأخيرة.
وسط هذا المشهد، يقدم مهرجان “ريبلاي” نفسه كمنصة لاستكشاف ما يسميه “المخيلة الجديدة” (Imaginatio Nova)، وهي رؤية تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي لتوسيع الإمكانات الإبداعية للمخرجين، لا لاستبدالهم.
ويرأس لجنة تحكيم الدورة الحالية المخرج الإيطالي الحائز على جائزة الأوسكار غابرييل سالفاتوريس، وتضم أيضا المخرج روب مينكوف، والمخرجة كاثرين هاردويك، ومنتجين ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي والمؤثرات البصرية، وفق الموقع الرسمي للمهرجان.
ولا يقتصر القاسم المشترك بين الأفلام المتأهلة على استخدامها أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يتجاوز ذلك إلى توظيف هذه التقنيات لتجاوز قيود الإنتاج التقليدي. فبحسب البيان الرسمي للمهرجان، استخدم المشاركون نماذج توليد الصور والفيديو لبناء مدن تاريخية، ومحاكاة مشاهد حروب وكوارث، وإنتاج رسوم متحركة ولوحات متحركة، وتجسيد شخصيات وأماكن كان تنفيذها يتطلب ميزانيات كبيرة أو فرق إنتاج متخصصة، مما أتاح لصناع أفلام مستقلين تنفيذ رؤى بصرية كانت خارج إمكاناتهم سابقا.
قائمة ريبلاي
وتعكس القائمة النهائية تنوعا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل العملية السينمائية، سواء في كتابة السيناريو أو تصميم الشخصيات أو بناء البيئات أو المؤثرات البصرية.
وتضم القائمة النهائية فيلم “وجه لا تحبه إلا الأم” (A Face Only a Mother Could Love) للمخرج الكندي روبرت جوديت، الذي يوظف الذكاء الاصطناعي لتحقيق رؤية بصرية كان يصعب تنفيذها بإمكانات إنتاج مستقلة، والفيلم الصيني “روضة أطفال المعمرين” (Kindergarten for the Elderly)، الذي يتخيل مستقبلا يخلو من الأطفال وتفرض فيه أنظمة ذكاء اصطناعي مفهوما قسريا للسعادة، معتمدا على النماذج التوليدية لمحاكاة الشخصيات المتقدمة في العمر.
وتضم القائمة الفيلم الإيطالي “عد إلى المنزل” (Go Home) للمخرج سيموني باراديسو، الذي يعيد بناء نيويورك في نهاية القرن الماضي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والفيلم البريطاني “كيف” (How) للمخرج مايك بينيون، الذي يحول تجربة شخصية مع ضعف البصر إلى تجربة سينمائية بصرية يصعب تنفيذها بالإنتاج التقليدي.
وتشمل الأعمال المتأهلة أيضا فيلم الرسوم المتحركة “التنقيط” (Stipple) للمخرجين أليكس ناغافي وإزرا لي، والفيلم الإسباني “أنا الصغير” (Little Me)، إضافة إلى الفيلم الصيني “حدث ذات مرة على نهر الدنيبر” (Once Upon a Time on the Dnipro) للمخرج يي وانغ، والفيلم الصيني “راكب” (Passenger) للمخرج يوانبو سونغ، وفيلم “طفل البحر” (Sea Child) للفنان الإسباني إيباي أباد، وأخيرا فيلم الخيال العلمي “موقع إلكتروني” (Website) للمخرج الصيني جيازي لي، وفق القائمة الرسمية التي نشرها المهرجان.
ويتنافس المشاركون على عدد من الجوائز، من بينها الجائزة الكبرى للمهرجان، وجائزة الجمهور، وجائزة “الذكاء الاصطناعي من أجل الخير” (AI for Good Award)، التي تُمنح بالشراكة مع مبادرة AI for Good التابعة للاتحاد الدولي للاتصالات (International Telecommunication Union – ITU)، لتكريم الأعمال التي توظف الذكاء الاصطناعي لخدمة أهداف التنمية المستدامة.
وبينما لا تزال السينما التقليدية تنظر بحذر إلى هذا التحول، تشير الزيادة المطردة في عدد المهرجانات والمنصات التي تستضيف أفلام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استقطابها مخرجين معروفين وأعضاء لجان تحكيم من الصف الأول، إلى أن النقاش لم يعد يدور حول إمكانية صناعة فيلم بالذكاء الاصطناعي، بل حول الموقع الذي سيشغله هذا النوع من الأفلام داخل الصناعة في السنوات المقبلة.

