روكب اليوم
فقد جاءت تلك الشهادة لتمنح التحولات الجارية في الشرق الأوسط إطارا سياسيا وإستراتيجيا أكثر وضوحا، خصوصا بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
لم تكن شهادة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي مجرد جلسة اعتيادية ضمن آليات الرقابة العسكرية الأمريكية، بل بدت أقرب إلى إعلان إستراتيجي شامل عن شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، وطبيعة التوازنات الأمنية الجديدة.
ومن خلال النقاشات التي دارت في واشنطن، سواء داخل جلسات مراكز الدراسات أو في أروقة التفكير الإستراتيجي الأمريكي، بدا واضحا أن الولايات المتحدة بعد حرب إيران لا تستعد للانسحاب من الشرق الأوسط كما كان يعتقد خلال العقد الماضي، بل تعمل على إعادة تعريف طريقة حضورها فيه، عبر نموذج أقل كلفة وأكثر اعتمادا على التكنولوجيا، والشبكات الإقليمية، والحلفاء المحليين.
منذ نهاية الحرب الباردة، ظل الشرق الأوسط يشغل موقعا متناقضا في التفكير الإستراتيجي الأمريكي.
فمن جهة، اعتبرته واشنطن ساحة حيوية لا يمكن التخلي عنها بسبب النفط وأمن إسرائيل والممرات البحرية ومكافحة الإرهاب؛ ومن جهة أخرى، بدا في كثير من الأحيان عبئا استنزف القوة الأمريكية في العراق وأفغانستان، وأعاق انتقال الولايات المتحدة إلى أولوياتها الكبرى في آسيا.
لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026 أعادت خلط هذه المعادلة بالكامل، ليس لأنها أدخلت المنطقة في طور عسكري جديد فحسب، بل لأنها كشفت أيضا أن الشرق الأوسط لا يزال جزءا بنيويا من النظام العالمي الذي تحاول واشنطن قيادته.
وربما يكمن الجدل الحقيقي اليوم لا فيما إذا كانت واشنطن قد انتصرت عسكريا بعد حرب إيران أم لا، بل فيما إذا كانت تلك الحرب قد دشنت فعلا شرق أوسط جديدا ضمن الرؤية الأمريكية، أم هي مجرد جولة أخرى في صراع مفتوح يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة؟
فالحرب، رغم نجاحها في تدمير جزء كبير من القدرات الصاروخية والبحرية والجوية الإيرانية، لم تنهِ جوهر المعضلة الإيرانية بالنسبة للولايات المتحدة، بل ربما دفعت بها إلى مرحلة أكثر تعقيدا.
واشنطن بين الاستنزاف والاستقرار
إن هذا التحول يثير تساؤلات بالغة الأهمية.. هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على هذا النموذج من دون الانزلاق مجددا إلى استنزاف طويل في الشرق الأوسط؟
فالتجربة التاريخية تشير إلى أن القوة العسكرية الأمريكية قادرة على تدمير البنى التقليدية بسرعة هائلة، لكنها أقل قدرة على إنتاج ترتيبات سياسية مستقرة. وهذا تحديدا ما يجعل الملف السوري في قلب معادلة الشرق الأوسط وبشكل بالغ الأهمية في التفكير الأمريكي الجديد.
فسوريا، بعد سنوات من الحرب والانهيار، أصبحت اليوم اختبارا حقيقيا للرؤية الأمريكية لما بعد إيران. ومن اللافت أن شهادة الأدميرال كوبر لم تتعامل مع سوريا بوصفها ساحة صراع ثانوية، بل باعتبارها عنصرا مركزيا في إعادة تشكيل الاستقرار الإقليمي بالتزامن مع الملف اللبناني والعراقي والأردني.
إن صعود سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع يمثل، بالنسبة لواشنطن، فرصة لإعادة بناء دولة قادرة على منع عودة تنظيم الدولة وقطع الامتدادات الإيرانية، وإعادة دمج دمشق تدريجيا في النظام العربي.
لكن المفارقة أن الولايات المتحدة، التي أمضت سنوات طويلة وهي تتحدث عن الديمقراطية وتغيير الأنظمة، تبدو اليوم أكثر اهتماما بفكرة “الاستقرار الوظيفي” من أي مشروع تحولي شامل. فالأولوية الأمريكية هو منع انهيار الدولة وعودة الفوضى الجهادية.
وهذا يكشف التحول الكبير في العقل الإستراتيجي الأمريكي بعد تجربتي العراق وأفغانستان؛ إذ باتت واشنطن ترى أن الفوضى أخطر بكثير من بقاء أنظمة غير مثالية.
الشرق الأوسط في قلب آسيا
المتغيرات الأهم ربما لا تتعلق بإيران أو بلاد الشام أو منطقة الخليج العربي، بل بالطريقة التي أعادت بها الحرب تعريف العلاقة بين الشرق الأوسط وآسيا في الإستراتيجية الأمريكية الكبرى.
فخلال السنوات الماضية، انتشرت فكرة أن الولايات المتحدة قررت أخيرا مغادرة الشرق الأوسط والتفرغ للصين. غير أن حرب 2026 أظهرت أن هذا التصور كان مبسطا أكثر مما ينبغي.
فالشرق الأوسط ليس مجرد ملف منفصل عن التنافس الأمريكي-الصيني، بل هو جزء من هذا التنافس نفسه.
تدرك الولايات المتحدة أن الصين باتت تعتمد بشكل متزايد على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، وأن أي انكفاء أمريكي عن المنطقة قد يفتح المجال أمام بكين لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، وربما العسكري أيضا.
وقد جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة إلى الصين لتثير كثيرا من التساؤلات والهواجس، سواء قبل الزيارة أو بعدها، بشأن طبيعة التفاهمات المحتملة بين القوتين الكبريين وانعكاساتها على الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن التحكم بالممرات البحرية الحيوية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط يرتبط بصورة مباشرة بموازين القوة العالمية، وبقدرتها على الحفاظ على تفوقها البحري الدولي.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الشرق الأوسط ينظر إليه كعبء منفصل عن الصراع الآسيوي، بل كإحدى الساحات الرئيسية للمنافسة غير المباشرة مع الصين.
من جانب آخر، تحول الشرق الأوسط إلى مختبر حقيقي للحروب المستقبلية.
فالحرب ضد إيران كشفت حجم التحول في أدوات القوة الحديثة: الطائرات المسيرة، الذكاء الاصطناعي، الحرب السيبرانية، الدفاعات متعددة الطبقات، والعمليات الشبكية المتكاملة. وهذه ليست مجرد أدوات خاصة بالشرق الأوسط، بل هي جزء من التحضير الأمريكي لأي مواجهة مستقبلية محتملة مع الصين، أو روسيا.
بمعنى آخر، إن واشنطن تنظر إلى الشرق الأوسط اليوم ليس فقط بوصفه ساحة يجب إدارتها، بل أيضا بوصفه مساحة لاختبار العقائد العسكرية الجديدة.
شرق أوسط جديد أم إدارة جديدة للفوضى؟
في النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل فعلا مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، لكن ليس بالمعنى التقليدي لفكرة “الشرق الأوسط الجديد” التي روج لها بعد غزو العراق.
الولايات المتحدة لا تسعى اليوم إلى إعادة تشكيل المنطقة أيديولوجيا، بل إلى إعادة ضبطها أمنيا وإستراتيجيا بما يخدم أولوياتها العالمية. إنها تريد شرق أوسط أقل قدرة على تهديد المصالح الأمريكية، وأكثر قابلية للاندماج في شبكة الردع الإقليمية التي تبنيها ضد خصومها العالميين.
لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة لا يتعلق فقط بقدرة واشنطن على فرض هذه الرؤية، بل بقدرة القوى الإقليمية نفسها على التكيف معها أو مقاومتها. فإيران، رغم الضربات، لم تختفِ. وسوريا الجديدة لا تزال في طور التشكل.
والتنافس الدولي على المنطقة لم ينتهِ. ولذلك، قد لا تكون حرب 2026 نهاية مرحلة بقدر ما هي بداية مرحلة أكثر تعقيدا، يصبح فيها الشرق الأوسط جزءا مباشرا من إعادة تشكيل النظام العالمي نفسه.

