روكب اليوم
علاوة على ذلك، كشف الصعود المتواصل للصين والهند في الاقتصاد العالمي عجز الاتحاد الأوروبي عن منافسة القوى الآسيوية العملاقة والتكيف مع عالم يزداد عولمة.
لهذه الأسباب، ليس من المستغرب أن يتجدد النقاش في بروكسل حول الحاجة إلى مزيد من الاستقلالية الإستراتيجية في عالم مضطرب، حيث أصبحت التحالفات السابقة متجاوزة.
غير أن هذا النقاش يتناقض بشدة مع حالة الشلل التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي إزاء أزمة الشرق الأوسط، وعجزه عن اقتراح بديل لمشروع الحرب الدائمة الذي تروج له الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
في عام 1993، لعب الاتحاد الأوروبي دورا بارزا بدعمه لاتفاقيات أوسلو، وسعيه لتحقيق التوازن في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من خلال الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، ليصبح بذلك أكبر مانح لها.
وفي عام 2015، تضافرت جهود المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا للترويج للاتفاق بين إدارة أوباما وإيران لكبح برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات المفروضة على النظام الإيراني. وفي كلتا الحالتين، اختارت بروكسل الدبلوماسية كوسيلة لإخماد نيران الصراع المشتعلة في المنطقة.
وفي الظرف الحالي، يتضح جليا أن هناك حاجة ملحة إلى مشاركة أوروبية أوسع في إخماد الأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي دعم بشكل مستمر القانون الدولي كوسيلة لحل النزاعات، فإنه أثبت عجزه عن تقديم مقترح سلام لإنهاء الحربين في فلسطين وإيران.
علاوة على ذلك، يبدو الاتحاد الأوروبي أكثر انقساما من أي وقت مضى بشأن التدابير اللازمة للخروج من المأزق الذي يجد نفسه فيه.
في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، سارعت بروكسل إلى فرض سلسلة من العقوبات على موسكو، شملت تجميد أصولها في أوروبا، وحظر توريد الأسلحة إلى النظام الروسي.
وحظيت هذه الإجراءات بإجماع واسع داخل الاتحاد الأوروبي، باستثناء المجر بقيادة أوربان، التي سعت إلى تقويض المساعدات الاقتصادية والإنسانية لأوكرانيا على مدى السنوات الخمس الماضية.
لسوء الحظ، لم تتمكن بروكسل من فرض أي عقوبات على إسرائيل خلال العامين والنصف الماضيين، على الرغم من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في قطاع غزة، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 72 ألف شخص.
وتتجلى بوضوح ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي: فعندما تتعرض دولة أوروبية لهجوم، تتحرك بروكسل بسرعة وحزم دفاعا عن القانون الدولي، أما عندما يتعلق الأمر بأرض عربية، فإنها تبقى غير مبالية، رافضة فرض أي عقوبات رغم خطورة الوضع، وهو ما أدى إلى تضاؤل دورها على الساحة الدولية.
ويعزى السبب الرئيسي لتقاعس أوروبا عن التحرك إزاء الإبادة الجماعية في غزة، والحرب ضد إيران إلى الانقسام العميق بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، ودعم ألمانيا غير المشروط لإسرائيل.
على الرغم من أن بروكسل لا تزال تدعم رسميا حل الدولتين كوسيلة لحل الصراع الاستعماري الإسرائيلي مع الفلسطينيين، فإنها لم تتخذ أي خطوات لتعزيزه منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.
وبالرغم من أن جميع الحكومات الإسرائيلية، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، انتهجت استعمارا مكثفا للأراضي المحتلة لتعميق الاحتلال وكسر التواصل الجغرافي الفلسطيني، لم يفرض القادة الأوروبيون أي عقوبات على إسرائيل خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.
وقد فسِر هذا الصمت المتواطئ من جانب الاتحاد الأوروبي على أنه شيك على بياض من قِبل القادة الإسرائيليين، الذين فرضوا نظام فصل عنصريٍ في الضفة الغربية، وارتكبوا إبادة جماعية في قطاع غزة لفرض التطهير العرقي.
وبالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو لا تخفي أجندتها التوسعية والعنصرية والمسيحانية، فإن بروكسل عاجزة عن فرض حتى أدنى عقوبة، مما يعمق الهوة بين الحكام والمحكومين.
وهكذا فإن الرأي العام الأوروبي يدين بشدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل، في تناقض صارخ مع تقاعس حكوماتها.
وفي هذا السياق، أصبحت الحكومة الاشتراكية الإسبانية، بقيادة الرئيس بيدرو سانشيز، نموذجا يحتذى به للدول الأوروبية الأخرى بفضل دفاعها القوي عن القانون الدولي.
ففي فبراير/شباط 2024، طالبت إسبانيا بتعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، التي تمنح إسرائيل معاملة تفضيلية، إذ تنص المادة الثانية منها على أنها لا تطبق إلا إذا احترمت الدول الموقعة القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفي مايو/أيار من العام نفسه، اعترفت إسبانيا وأيرلندا والنرويج رسميا بدولة فلسطين، وهي خطوة حذت حذوها لاحقا ليتوانيا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال.
وفي يونيو/حزيران، انضمت إسبانيا إلى شكوى جنوب أفريقيا بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، مؤكدة أن جميع الدول الموقعة على اتفاقية عام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ملزمة ببذل كل ما يلزم لمنع تكرار الإبادة الجماعية.
أخيرا، في سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت إسبانيا حظرا شاملا على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، ودعت دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى أن تحذو حذوها.
يمر الشرق الأوسط بمرحلة حرجة في تاريخه الحديث، وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يستغل أخطاء إدارة ترمب لتعزيز نفوذه على الساحة الدولية، والتحرك نحو الاستقلال الإستراتيجي.
وإذا ما كرر الاتحاد الأوروبي أخطاء الماضي نفسها، فإنه سيصبح حتما قوة هامشية على الساحة الدولية، ويستمر في لعب دور التابع للولايات المتحدة، كما كان عليه الحال في العقود الأخيرة.
أما نحن فقد عرفنا الطريق.

