Site icon روكب اليوم

“أبغض عدوك هوناً ما”.. دلالات ومجالات الصداقة الجديدة بين الروس والأفغان |

reuters 6a0c49ac 1779190188

روكب اليوم

موسكو/ كابل- بعد عقود من العداوة وانعدام الثقة، بدأت العلاقات بين روسيا وحركة طالبان بالتحسن في منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، وتطورت إلى شراكة رسمية بعد أن مرت بعدة مراحل من التواصل الدبلوماسي،

وقد تعزز التواصل بين الطرفين لا سيما عقب دخول تنظيم الدولة إلى أفغانستان، حيث بدأت موسكو مفاوضات غير رسمية مع طالبان كقوة معارضة لهذا التنظيم.

ومن كابل، تتسارع مؤشرات التقارب بين موسكو والحركة، في تحول لافت يعكس إعادة تشكيل تدريجية للعلاقة بين الطرفين.

وكانت روسيا قد أبقت على سفارتها في كابل، بعد تولي طالبان السلطة في أفغانستان، وبدأت بتطوير العلاقات التجارية والدبلوماسية معها، واعتمدت أول دبلوماسيين أفغان، قبل أن تقوم في ربيع عام 2025 برفع الحظر المفروض على حركة طالبان، والذي كان ساريًا منذ عام 2003.

وفي يوليو/تموز من العام ذاته، أصبحت روسيا أول دولة في العالم، والوحيدة آنذاك، التي تعترف رسميًا بحكومة طالبان كحكومة شرعية للبلاد.

وخلال الاجتماع الـ21 لأمناء مجالس الأمن في دول منظمة شنغهاي للتعاون، الذي عُقد في قرغيزستان يوم 14 مايو/أيار الحالي، قال أمين مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو إن موسكو تعمل على إقامة “شراكة متكاملة” مع أفغانستان تشمل مجالات الأمن والتجارة والثقافة والمساعدات الإنسانية، معتبرًا أن هذا التعاون يمثل عنصرًا مهمًا لتعزيز الأمن والتنمية الإقليميين، بحسب ما نقلته وكالة إنترفاكس الروسية.

وانتقلت موسكو تدريجيًا من الحذر إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي على كابل، وسط حديث متزايد عن شراكة تقوم على المصالح المشتركة أكثر من الاعتبارات الأيديولوجية أو التاريخية.

ويحمل هذا التحول دلالة رمزية لافتة، إذ يأتي بعد أكثر من أربعة عقود على الحرب السوفياتية في أفغانستان، التي كانت واحدة من أكثر الصراعات دموية في تاريخ المنطقة.

مقر وزارة الخارجية الأفغانية في كابل حيث تُدار ملفات الانفتاح الدبلوماسي (الجزيرة)

نفوذ جيوسياسي

يصف الخبير في شؤون بلدان آسيا الوسطى سيرغي كورتوف اعتراف روسيا بحركة طالبان بأنه بمثابة “ورقة رابحة” تُعادل استثمارات مالية ضخمة، مضيفًا أن موسكو حريصة على الحفاظ على العلاقات مع أفغانستان عبر قنوات رسمية موثوقة.

ويوضح الخبير، للجزيرة نت، أن الاهتمام الخاص بتطوير العلاقات مع أفغانستان يتعلق بالدرجة الأولى بالأمن الإقليمي، والمصالح الجيوسياسية البراغماتية، حيث تنظر موسكو إلى طالبان كقوة قادرة على احتواء الإرهاب العابر للحدود، على حد وصفه.

إلى جانب ذلك، من شأن مواصلة تعزيز الحوار مع الحكومة الأفغانية أن يُمكّن روسيا من تجنب حصول فراغ جيوسياسي قد تملأه جهات مؤثرة أخرى من خارج المنطقة.

ووفق سيرغي كورتوف فإن الفكر المتطرف في الدول الحليفة لروسيا كطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، بالإضافة إلى حماية الحدود الجنوبية لروسيا، تشكل واحدة من الأولويات التي تدفع موسكو لرفع مستوى التنسيق مع الجانب الأفغاني، حيث لا يزال تهديد الحركات الأصولية هناك قائمًا.

ويخلص إلى أن الحفاظ على حوار براغماتي مع الحكومة في كابل يسمح لروسيا بتعزيز نفوذها في المنطقة “ومواجهة المحاولات الغربية لاستغلال العامل الأفغاني لتهديد المصالح الروسية”.

وفي السياق نفسه، يرى محللون أمنيون في كابل أن موسكو باتت تتعامل مع الواقع الأفغاني من زاوية “إدارة المخاطر” بدلًا من محاولة تغييره، خصوصًا بعد الانسحاب الأمريكي عام 2021.

دفع هذا التحول موسكو إلى اتباع براغماتية تجاه طالبان تقوم على الانخراط بدل العزل، بهدف منع تحول أفغانستان إلى مصدر تهديد مباشر لجوارها. كما تسعى روسيا إلى تعزيز تعاونها الأمني مع دول آسيا الوسطى عبر ترتيبات إقليمية تشمل تدريبات عسكرية وتنسيقًا استخباراتيًا، في محاولة لبناء “حزام أمني” في محيطها الجنوبي.

ويشير الباحث في الشؤون السياسية عبد الهادي حسين زاده، للجزيرة نت، إلى أن موسكو تتعامل مع أفغانستان اليوم من زاوية “الأمن الإقليمي العابر للحدود”، خصوصًا في ما يتعلق بمخاوفها من تمدد التنظيمات المسلحة نحو آسيا الوسطى، وهو ما يدفعها إلى تعزيز التواصل مع السلطة القائمة في كابل بدلًا من تجاهلها.

ويضيف أن طالبان، في المقابل، تنظر إلى روسيا باعتبارها نافذة سياسية واقتصادية مهمة في ظل استمرار غياب الاعتراف الدولي الواسع، ما يمنح كابل هامشًا أوسع في ملفات التجارة والطاقة والقمح.

الجدوى الاقتصادية

من جانبه، يسلط الكاتب في الشؤون الاقتصادية فلاديسلاف دياشوف الضوء على الجوانب الاقتصادية للاهتمام الروسي بالتعاون مع أفغانستان، مشيرًا، في تعليق للجزيرة نت، إلى أن موسكو، في ظل سعيها إلى أسواق وطرق تجارية جديدة، تعتبر أفغانستان مركزًا مهمًا للعبور إلى جنوب آسيا.

وحسب قوله، فإن من جملة ما يعزز الأرضية المشتركة للتعاون بين البلدين رغبة طالبان باستثمارات روسية في المعادن الأرضية النادرة في أفغانستان، واستعدادها للتعاون مع موسكو في هذا المجال.

ويلفت في كلامه إلى أن أفغانستان، البلد الفقير للغاية، عاش لعقود على أشكال مختلفة من الدعم والتبرعات والمساعدات الإنسانية، وعليه، فإن اعتراف روسيا الرسمي بالحكومة الأفغانية أزال العوائق القانونية أمام الشركات والمستثمرين الروس، مما يوسع فرص التعاون الاقتصادي والتجاري.

كما أن أفغانستان، مثل روسيا، تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الدولية، ما شكل دافعًا إضافيًا لكلا البلدين للبحث عن بدائل وصيغ تعاون في مجالات مختلفة.

ويستدرك أنه من السابق لأوانه التكهن فيما إذا كانت هذه البدائل والصيغ ستصبح منتظمة على المدى المتوسط والبعيد، نظرًا لاحتمالات تغير معادلات التحالفات والاصطفافات الدولية، في حال استؤنفت الحرب مجددًا بين إيران والولايات المتحدة وانتقلت ساحاتها وتداعياتها إلى دول ومناطق أخرى في العالم.

من جانبه يقول الخبير الاقتصادي الأفغاني نجيب الله شفيق، للجزيرة نت، إن الاقتصاد الأفغاني يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتحويلات الخارجية، ما يجعل أي انفتاح على قوى إقليمية كبرى مثل روسيا عاملًا مؤثرًا في تخفيف الضغوط المعيشية. ويشير إلى أن اهتمام روسيا بملفات الطاقة والموارد الطبيعية في أفغانستان قد يفتح الباب أمام استثمارات محدودة، لكنها ما تزال في إطارها السياسي أكثر من كونها مشاريع اقتصادية واسعة التنفيذ.

 انفتاح أفغاني محسوب

من جهتها، تنظر الحكومة الأفغانية إلى التقارب المتسارع مع موسكو باعتباره فرصة سياسية واقتصادية مهمة، في ظل سعي كابل إلى توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية بعد سنوات من العزلة وتراجع مستوى التعاون مع القوى الغربية.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد، للجزيرة نت، إن أفغانستان “ترغب في إقامة علاقات جيدة مع جميع الدول، بما فيها روسيا، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة”، مشددًا على أن كابل الخارجية تقوم على الانفتاح وعدم الدخول في محاور عدائية أو صراعات إقليمية.

وأضاف أن توسيع العلاقات مع موسكو يأتي ضمن رؤية براغماتية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر فتح قنوات التجارة وجذب الاستثمارات وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والغذاء والنقل.

ويشير مجاهد إلى أن الحكومة الأفغانية لا تنظر إلى التقارب مع روسيا كخيار موجّه ضد أطراف أخرى، بل كجزء من أوسع تقوم على تنويع الشركاء الدوليين بما يخدم الاحتياجات الاقتصادية والتنموية، خصوصًا في ظل اعتماد السوق الأفغانية على استيراد الوقود والقمح والمواد الأساسية.

وتسعى كابل إلى تعزيز مسار التقارب عبر توسيع التعاون مع روسيا في مجالات استيراد الوقود والقمح والمواد الأساسية، إضافة إلى جذب استثمارات في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة تعاني منها البلاد منذ عام 2021.

وفي المقابل، ترى الحكومة الأفغانية أن الانفتاح الروسي يمثل فرصة لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي إقليميًا، خصوصًا مع استمرار غياب الاعتراف الدولي الواسع بالحكومة الأفغانية، إلى جانب كونه مدخلًا مهمًا للحصول على دعم اقتصادي واستثماري.

ذاكر جلالي: لا يمكن تجاوز أفغانستان في أي مشاريع ربط أو ممرات بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا (الجزيرة)

تموقع إقليمي

وتعكس مواقف عدد من مسؤولي وزارة الخارجية الأفغانية، ومنهم ذاكر جلالي، رؤية كابل لدور أفغانستان الإقليمي.

وقال ذاكر جلالي، للجزيرة نت إن أفغانستان “لا يمكن تجاوزها” في أي مشاريع ربط أو ممرات بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، مؤكدًا أن أي مقاربات تتجاهل موقعها الجغرافي “غير واقعية وغير مستدامة اقتصاديًا”.

وشدد على أن الرؤية المطلوبة للتعاون الإقليمي يجب أن تقوم على “المنفعة المشتركة والتكامل الاقتصادي وليس المقاربات الأمنية الضيقة”. ودعا جلالي إلى تجاوز النظرة الأمنية تجاه أفغانستان، والتركيز على دورها كـ”جسر اقتصادي” يربط بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، معتبرًا أن السياسات الإقليمية يجب أن تُبنى على “المصالح الاقتصادية والفرص الواقعية على الأرض”.

ويشير المتحدث ذاته إلى أن السياسة الحالية لأفغانستان تقوم على “الانفتاح الواقعي” على مختلف الدول، وأن المرحلة الحالية تتطلب علاقات تقوم على المصالح المتبادلة بدل العزلة أو الاصطفافات، مع التركيز على التجارة والاستثمار ومشاريع الربط الإقليمي.

كما يربط بين الاستقرار في أفغانستان وبين دمج البلاد في الاقتصاد الإقليمي، مؤكدًا أن التعامل مع أفغانستان اليوم يجب أن يكون “على أساس الفرص وليس الأزمات”.

Exit mobile version