Site icon روكب اليوم

أذربيجان.. دُرة تاج التحالفات الإسرائيلية على حدود إيران |

2

روكب اليوم

“ستواجه إيران قبضتنا الحديدية”، بتلك الكلمات ردَّ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في 5 مارس/آذار 2026 مباشرةً على هجوم شنَّته إيران بمسيَّرتين على إقليم ناختشيفان الأذربيجاني، المنفصل عن بقية أراضي البلاد، والذي تحيط به إيران وتركيا وأرمينيا. وفي اليوم التالي، نشرت وزارة الدفاع الأذربيجانية في قناتها على تطبيق تلغرام بياناً باللغة الأذرية، أعلنت فيه أن الجيش بدأ استدعاء قوات الاحتياط، وأن وحداته في حالة التأهب القصوى، فساد الترقب خشية أن تتسع رقعة الحرب، التي لم يكن قد مضى عليها أسبوع آنذاك.

وبعد يومين، جاء الرد على لسان المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي للعمليات العسكرية في إيران: “نعلن لجمهورية أذربيجان، بوصفها دولة مسلمة مجاورة لإيران، أن عليها أن تخرج كل الصهاينة من بلدها، وأن تمنع اتساع رقعة عدم الاستقرار في المنطقة، وألا تعرض شعبها ولا أمن إيران للتهديد”. وفي اليوم نفسه، أجرى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مكالمة هاتفية مع علييف لمناقشة هجوم ناختشيفان وتهدئة التوتر، وبدا من البيان الهادئ الذي أصدرته الرئاسة الأذربيجانية بعد المكالمة أن التصعيد انحسر سريعاً، إذ أشار البيان إلى شكر إيران لعلييف على تعزيته في استشهاد المرشد الإيراني علي خامنئي، وإلى أن بزشكيان نفى علاقة بلاده بهجوم ناختشيفان وتعهد بالتحقيق فيه.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وسرعان ما انقلب التصعيد إلى تقارب. ففي 9 مارس/آذار أعادت باكو فتح معابرها مع إيران أمام البضائع بعد إغلاق أربعة أيام، وهنأ علييف المرشد الجديد مجتبى خامنئي في اليوم نفسه، ثم أرسلت أذربيجان قافلتي مساعدات عبر معبر أستارا في 10 و18 مارس/آذار، وأعادت فتح سفارتها في طهران في 12 أبريل/نيسان. وعلى هامش قمة شنغهاي في بيشكيك في 31 أغسطس/آب التقى علييف وبزشكيان للمرة الأولى بعد الحرب، ثم التقيا مجدداً في تركمانباشي في 9 أكتوبر/تشرين الأول في لقاء ثلاثي ضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. غير أن طهران لم تعتذر عن هجوم ناختشيفان، ولم تنشر نتائج التحقيق الذي وعد به رئيسها.

ولم يمنع ذلك “سي إن إن” من أن تنشر في 5 يونيو/حزيران، نقلاً عن أربعة مصادر، أن قوات خاصة إسرائيلية ووحدات لإنقاذ الطيارين وضباطاً من الموساد عملوا أثناء الحرب من مواقع في جنوب أذربيجان، بعضها على بعد نحو 97 كيلومتراً من تبريز، وأن معدات مراقبة نُصبت قرب الحدود قبل اندلاع الحرب. ونفت سفارة أذربيجان في واشنطن ذلك “بحزم”، ورفضت إسرائيل التعليق، واكتفت طهران بحملة إعلامية دون أي خطوة دبلوماسية.

وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول حطّ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في باكو على متن طائرة تابعة للخطوط الأذربيجانية عبرت المجال الجوي التركي رغم حظر أنقرة على الطائرات الرسمية الإسرائيلية، والتقى علييف الذي وصف إسرائيل بأنها “شريك مهم في منطقتنا”. وفي اليوم التالي، حين وقف هرتسوغ ليخطب في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا، انسحب وفد إيران ومعه وفود تركيا وباكستان والكويت والسلطة الفلسطينية، وطالب نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بطرد إسرائيل من المنظمة، فيما غاب أردوغان عن القمة أصلاً.

بيد أن التوتر بين طهران وباكو ليس وليد سوء تفاهم عابر، ولا توتراً إقليمياً فجَّرته الحرب، بل تمتد جذوره إلى عداء قديم بين جمهورية أذربيجان، التي ظهرت على الخريطة عقب تفكك الاتحاد السوفياتي والتزمت منذ ذلك الحين خط التقارب مع الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما في ذلك حليفتها إسرائيل، وبين النظام الإيراني الذي وُلد قبل استقلال أذربيجان بأكثر من عقد، وتشكَّل دوره في المنطقة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

باكو وتل أبيب.. في مواجهة الثورة الإسلامية

“نحن فخورون بأن نكون من أول الدول التي اعترفت باستقلال أذربيجان”

(رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو)

لم يأتِ فخر نتنياهو من علاقة طبيعية بين دولتين، وإنما تعود قصته إلى نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، التي أحدثت زلزالاً شديداً في المنطقة، وأفقدت إسرائيل حليفاً رئيساً في الشرق، وقوَّضت مبدأ “الطوق” (أو حلف الأطراف) الذي وضعه ديفيد بن غوريون لتطويق العالم العربي من خارجه عبر التحالف مع الدول غير العربية. كانت إسرائيل قد بدأت للتو تلتقط أنفاسها عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، ولم يكن قد مضى عام على اتفاقيات كامب ديفيد مع القاهرة في سبتمبر/أيلول 1978. ولكن تل أبيب لم تهنأ طويلاً بنهاية الحروب على جبهتها الجنوبية، إذ سرعان ما أتتها الأخبار الصادمة من الشرق.

ما إن عاد روح الله الخميني إلى طهران وانتصرت الثورة، حتى وجدت إسرائيل نفسها أمام أزمة كبيرة بسبب الاستثمارات الضخمة التي ضخَّتها داخل إيران أثناء حكم الشاه محمد رضا بهلوي. فلم تكن إيران البهلوية مجرد دولة صديقة لتل أبيب، وإنما حليفاً وثيقاً ظل يزودها بالنفط حتى في ذروة حرب أكتوبر/تشرين الأول، وكانت من أوائل الدول الإسلامية التي اعترفت بإسرائيل، عقب سلسلة من الاتصالات غير المباشرة عام 1950، كما كان الشاه الشاب واحداً من 3 قادة فقط في العالم الإسلامي التقوا بن غوريون سراً في تلك الحقبة.

وعلى مدار الخمسينيات والستينيات، تطورت العلاقات الإيرانية الإسرائيلية تدريجياً إلى تعاون وثيق شمل الاستخبارات والطاقة والتنسيق الأمني، مع وجود بعثة إسرائيلية في طهران أدت عملياً دور سفارة غير معلنة. واستمر هذا المسار حتى نهاية السبعينيات، قبل أن ينقلب جذرياً مع اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، التي قُطعت على إثرها العلاقات الدبلوماسية، وتحولت العلاقة بين البلدين إلى عداء ما يزال يرسم ملامح المشهد الإقليمي حتى اليوم.

وفي الأيام الأولى لنجاح الثورة، حرصت القيادة الإيرانية الجديدة على توجيه رسالة سياسية واضحة تعكس الانقلاب الكامل في تموضع إيران الإقليمي، فبعد أن طردت البعثة الإسرائيلية من طهران، أغلقت مقر السفارة، وغيَّرت اسم الشارع المقابل له إلى شارع فلسطين، وسلَّمت المبنى إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وقد وصل ياسر عرفات إلى طهران في فبراير/شباط 1979 بعد نحو أسبوعين من وصول الخميني نفسه، فرفع العلم الفلسطيني فوق المبنى، وأعلن افتتاح سفارة فلسطين على أنقاض السفارة الإسرائيلية، في مشهد أيقوني كرَّس حضور المقاومة الفلسطينية، وعبَّر عما مثلته الثورة الإيرانية من رئة جديدة للقضية الفلسطينية.

ومع خسارة إيران حليفاً إستراتيجياً، أعادت إسرائيل إحياء مقاربة الطوق بصيغة جديدة، متجهة هذه المرة نحو فضاءات ما بعد الاتحاد السوفياتي، حيث برزت أذربيجان بوصفها أحد أهم البدائل الجيوسياسية الممكنة.

فمع تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، توَّجت باكو مسار احتجاجاتها، التي قمعها الجيش السوفياتي في أحداث “يناير/كانون الثاني الأسود” عام 1990، بإعلان استقلالها يوم 30 أغسطس/آب 1991. وسرعان ما نسجت أذربيجان علاقاتها الدولية، باعتراف تركي ودعم كبير من أنقرة، وبحفاوة غربية جذبتها إلى مدار التحالفات المناوئة لروسيا وإيران. وفي المقابل، باتت أرمينيا، خصم أذربيجان التاريخي بسبب سيطرتها على إقليم ناغورني قره باغ، حليفاً وثيقاً لروسيا، تربطها بإيران علاقات جيدة ذات طابع براغماتي، وصارت قضية قره باغ الشغل الشاغل لباكو حتى هزمت الجيش الأرميني عام 2020.

قره باغ.. مفتاح العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية

كانت إسرائيل من أول الدول التي اعترفت بأذربيجان في ديسمبر/كانون الأول 1991، إذ وجدت في باكو فرصة لحليف جديد في موقع إستراتيجي متاخم لإيران، وقد دُشِّنت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين في أبريل/نيسان 1992. ومن جهتها، كانت أذربيجان في أمسِّ الحاجة إلى تحالفات تتيح لها الضغط على أرمينيا، فوجدت في إسرائيل شريكاً موالياً للغرب يمكن أن يعزز وضعها الإقليمي ويساعدها عسكرياً.

ولم يقتصر الاهتمام الإسرائيلي على انتزاع اعتراف دبلوماسي من دولة إسلامية جديدة، بل امتد إلى شراكة كاملة عززت موقف أذربيجان في مواجهة أرمينيا، إذ زودت إسرائيل القوات الأذربيجانية بصواريخ “ستينغر” (Stinger) أثناء الحرب بين البلدين عام 1993، وهو ما فتح الباب أمام التحالف العميق بين باكو وتل أبيب. وفي العام نفسه، افتُتحت سفارة إسرائيل في باكو، في حين تأخر افتتاح سفارة أذربيجان في تل أبيب 30 عاماً، إذ لم تفتح أبوابها إلا في مارس/آذار 2023. ولعل أحد أسباب هذا التأخير حرص باكو على ألا تخسر الدعم السياسي للدول العربية والإسلامية في قضية قره باغ، لكنها اتخذت القرار في الأخير بعد الدعم الإسرائيلي الذي كان أحد العوامل المهمة في تعزيز قدراتها خلال حرب 2020.

في عام 1997، قام نتنياهو بأول زيارة رسمية لرئيس وزراء إسرائيلي إلى باكو، واتفق مع الرئيس الأذربيجاني حينها حيدر علييف، والد الرئيس الحالي، على توسيع مجالات التعاون لتشمل الطاقة والعلوم والتكنولوجيا والزراعة والاتصالات والأدوية. وجاءت تلك الزيارة بعد لقاءات ثنائية على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 1995، والجمعية العامة للأمم المتحدة في العام التالي. وقد تسارعت بعدئذ وتيرة العلاقات، فبين عامي 1999 و2014 جرت نحو 28 زيارة دبلوماسية ورسمية بين الدولتين.

بنيامين نتنياهو (يسار) يتحدث مع حيدر علييف في مطار باكو خلال زيارته الأولى إلى أذربيجان عام 1997 (الفرنسية)

وعند النظر إلى السنوات الخمس التي سبقت حرب قره باغ، أي بين عامي 2015 و2020، نجد أن العلاقات العسكرية بين إسرائيل وأذربيجان تطورت على نحو لافت، في ما بدا تهيئة عملياتية للجيش الأذربيجاني. ففي هذه السنوات الخمس وحدها، بلغت قيمة واردات أذربيجان من السلاح نحو 1.39 مليار دولار بحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، استحوذت إسرائيل منها على نحو 810 ملايين دولار، أي ما يقارب 58% من إجمالي الواردات العسكرية، متقدمة بفارق كبير على روسيا التي لم تتجاوز حصتها 27%.

وتزايد من ثم الاعتماد الأذربيجاني على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، خاصة في مجالات المسيَّرات والذخائر الدقيقة وأنظمة الاستطلاع، وهي قدرات شكَّلت العمود الفقري للتفوق الأذربيجاني في حرب 2020. ورغم أهمية التسليح التركي في العمليات الأذربيجانية، فإن قيمة السلاح التركي لم تتجاوز 191 مليون دولار، أي قرابة 13% من إجمالي واردات السلاح الأذربيجانية في الفترة نفسها، ما يجعل إسرائيل متقدمة على جميع موردي السلاح التقليديين لأذربيجان.

وفي مرحلة ما بعد حرب 2020، اتجهت العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل إلى مزيد من التكامل العسكري والتكنولوجي، بما يشمل أنظمة الدفاع الجوي والحرب السيبرانية ومنظومات القيادة والتحكم. وتظهر المقارنة مع مصادر تسليح أخرى، مثل أوكرانيا (12%) وبيلاروسيا (8.2%) وتركيا (3.9%)، أن ثقل إسرائيل يتجاوز نصيبها من التوريد إلى القيمة النوعية والأثر العملياتي لما تورده. ويمكن القول بذلك إن الدور الإسرائيلي المحوري في تسليح أذربيجان يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية الأذربيجانية نفسها، من الاعتماد على الكم إلى الاستثمار في التفوق التكنولوجي، وهو ما يرسخ مكانة تل أبيب شريكاً أمنياً إستراتيجياً لأذربيجان في جنوب القوقاز.

الطاقة مقابل السلاح

“لقد أدى السلاح الإسرائيلي دوراً بارزاً جداً في تمكين الجيش الأذربيجاني من تحقيق أهدافه”

(كبير الباحثين في معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام بيتر ويزمان)

كان عام 2006 نقلة في العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، ففي الوقت الذي بدأ فيه تشغيل خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان لتصدير النفط الخام، عقدت أذربيجان أول صفقاتها العسكرية المعلنة مع إسرائيل، إذ اشترت منها مسيَّرات ومنصات إطلاق صواريخ بين عامي 2005 و2008. ورغم أن إسرائيل أخذت تستورد النفط الخام الأذربيجاني منذ أن دخلت باكو أسواق التصدير، فإن التحول الحقيقي جاء مع تشغيل خط الأنابيب. وعلى مدار العقدين التاليين، تعمَّق الاعتماد على النفط الأذربيجاني بصورة كبيرة، حتى تحول إلى عنصر أساسي في أمن الطاقة الإسرائيلي، إذ توفر أذربيجان اليوم نحو 45% من واردات إسرائيل من النفط الخام، وقد سجلت عام 2025 مستويات قياسية بمتوسط يقارب 94 ألف برميل يومياً، بزيادة سنوية تجاوزت 31%.

والأهم أن هذه التدفقات استمرت وتوسعت رغم حروب المنطقة وأزماتها، بما في ذلك عملية طوفان الأقصى والقيود التجارية التي فرضتها تركيا على إسرائيل منذ عام 2024، فقد حافظ الطرفان على الإمدادات عبر آليات مرنة، مثل الوسطاء أو إعادة تصنيف الشحنات. ويعكس ذلك طبيعة العلاقة التي تجاوزت الاعتبارات السياسية الآنية، وباتت جزءاً من بنية إستراتيجية طويلة الأمد، إذ رأت إسرائيل في أذربيجان وخط أنابيبها مصدراً للطاقة يمكن الاعتماد عليه، على خلاف دول المنطقة التي يصعب معها إنشاء مسار إمداد مستدام، وهو ما عزز موقع باكو بوصفها مورِّداً موثوقاً لتل أبيب.

ويمكن وصف ملف الطاقة بأنه ركيزة إستراتيجية في شبكة المصالح بين البلدين، بل إن العلاقة بينهما تتجاوز الآن تجارة النفط الخام إلى التعاون في قطاع الغاز الطبيعي والتنقيب البحري، فقد دخلت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية “سوكار” (SOCAR) في شراكات مع شركات إسرائيلية للتنقيب عن الغاز في المياه الاقتصادية لفلسطين المحتلة شرق المتوسط، في خطوة تمثل أول توسع خارجي مباشر لباكو في هذا المجال، وتحولاً نوعياً نحو شراكة إنتاجية واستثمارية بين الدولتين، قد تمتد مستقبلاً إلى إدارة سلاسل التصدير نحو أوروبا، كما تفتح المجال أمام أذربيجان كي تكون وسيطاً جيوسياسياً واقتصادياً في تسويق الغاز الإسرائيلي.

عبر باكو إذن عوَّضت إسرائيل خسارتها الكبرى في إيران، التي كانت أحد حلفائها الإستراتيجيين قبل الثورة، إذ كان النفط الإيراني أحد الأعمدة الأساسية لأمن الطاقة الإسرائيلي حتى عام 1979. فمنذ أواخر الخمسينيات كانت إيران مورِّداً رئيساً، إلى حد أنها غطت ما بين 40% و90% من واردات إسرائيل النفطية في بعض السنوات التي سبقت الثورة. ولم يقتصر التعاون على التصدير، بل شمل إنشاء خط أنابيب إيلات-عسقلان عام 1968 عبر شركة مشتركة سرية، لنقل النفط الإيراني من البحر الأحمر إلى المتوسط ومنه إلى أوروبا، ما منح إسرائيل دوراً محورياً في تجارة الطاقة.

 

إسرائيل ومثلث روسيا وإيران وتركيا

تتحرك العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل داخل مجال جيوسياسي ترسم حدوده قوتان إقليميتان رئيستان، هما تركيا وروسيا، وتحددان سقف التعاون ومساراته. فتركيا تمثل الحليف الإستراتيجي الأكثر موثوقية لباكو بحكم الروابط التاريخية والثقافية الوثيقة، وهو ما تجلى في الدعم العسكري والسياسي منذ استقلال أذربيجان وأثناء حرب قره باغ، وكذلك في مشاريع الربط الإقليمي وممرات الطاقة.

وتدخل إسرائيل هنا في مسار لا يتعارض مع الدور التركي، بل تحرص على أن يكون موازياً له، إذ توفر تل أبيب لأذربيجان ما تحتاجه من تفوق تكنولوجي واستخباري، بما يعزز النتائج التي تسعى إليها أنقرة في جنوب القوقاز، دون أن تنازعها موقع القيادة. وحتى مع تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حافظت باكو على التوازن في علاقاتها بالبلدين.

وفي المقابل، تظل روسيا الفاعل الأمني والعسكري التقليدي الأكثر تأثيراً في القوقاز بحكم دورها الطويل هناك طيلة عمر الاتحاد السوفياتي، وفي عصر القياصرة من قبله، وبحكم تحالفها الرسمي مع أرمينيا. غير أن موسكو تبنَّت مقاربة براغماتية تقوم على إبقاء القنوات مفتوحة مع أذربيجان وتركيا، بما يضمن استمرار نفوذها ومصالحها في ممرات العبور.

ولذلك حرصت إسرائيل لسنوات على هندسة علاقتها مع باكو، وإبقاء تعاونها معها ضمن حدود مدروسة تجنباً لاستفزاز روسيا، خاصة في ظل تشابك الملفات بين الطرفين في سوريا وأسواق السلاح. ولكن مع انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا وتراجع حضورها في القوقاز، اتسع هامش الحركة أمام إسرائيل لتعميق شراكتها مع أذربيجان في المجال الأمني وقطاع الطاقة، دون أن تثير ردود فعل روسية حادة.

تركيا وإسرائيل.. كيف تدير باكو تحالفيها الأهم؟

“كلٌّ من تركيا وإسرائيل يثق بنا”

(مساعد الرئيس الأذربيجاني للشؤون الخارجية حكمت حاجييف)

ضمن هذه التوازنات، تبلور ما يمكن وصفه بضلعين إستراتيجيين لتموضع أذربيجان، أحدهما يقوم على العلاقة الوثيقة مع تركيا، والآخر على التحالف القوي مع إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة. وتحاول باكو توزيع الأدوار بينهما بصورة تكاملية حتى لا ينعكس التوتر التركي الإسرائيلي عليها بالسلب، فتركيا هي الراعي السياسي والجسر الإقليمي، وإسرائيل مصدر التكنولوجيا المتقدمة والقدرات الاستخبارية. وتوظف تركيا بدورها تلك العلاقة لجعل أذربيجان وسيطاً غير مباشر مع إسرائيل في بعض القضايا العالقة بينهما.

وقد أسهمت أذربيجان في إعادة تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل عام 2022، حين زار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أنقرة والتقى الرئيس رجب طيب أردوغان، ثم أعقب ذلك لقاء أردوغان مع نتنياهو في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2023، قبل أن تتوتر العلاقة من جديد عقب طوفان الأقصى وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية. أضف إلى ذلك أن باكو استضافت عدداً من جولات المحادثات الفنية لفض الاشتباك بين أنقرة وتل أبيب بسبب أنشطتهما العسكرية المتضادة في سوريا.

ويجمع هذه الدول الثلاث رغبة في احتواء إيران وإعادة تشكيل ممرات الطاقة والنقل في أوراسيا، مع تقليص الاعتماد على المسارات الخاضعة للنفوذ الروسي. وفي المقابل، تدير باكو علاقاتها مع الأطراف كلها بعقلانية، فهي تفصل بين تحالفها الإستراتيجي مع تركيا، وشراكتها الأمنية مع إسرائيل، وعلاقتها البراغماتية مع روسيا، بما يتيح لها تعظيم استقلاليتها وتعزيز موقعها التفاوضي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، دون أن تكرس اعتمادها على طرف واحد.

وقد أدت انتصارات باكو في قره باغ إلى تراجع النفوذ الإيراني في القوقاز مقابل توسع تركي واضح، كما أدت الحرب الأوكرانية إلى تراجع الحضور الروسي، مدفوعاً بأولويات الجبهة الأوروبية، مما جعل تركيا صاحبة النفوذ الأقوى اليوم في جنوب القوقاز. ورغم التوتر الحاد بين طهران وباكو هذه الأيام، والعداء المتجذر بينهما، تظل أذربيجان حريصة على تهدئة الأمور مع إيران، وعلى ألا ينزلق الطرفان إلى مناوشات حدودية، لا سيما أن بينهما روابط دينية وثقافية عميقة، فالمجتمعان ذوا أغلبية شيعية، إضافة إلى التداخل السكاني الأذري العابر للحدود.

ويقدَّر تعداد الأذريين في إيران بما بين 12 و18 مليون نسمة، أي نحو 13% إلى 20% من السكان، فيما تصل نسبة الإيرانيين الذين يتحدثون التركية الأذرية إلى 40%، ومن ثم فهم أقلية ذات حضور متجذر في المجتمع الإيراني. وتتعاون الدولتان اقتصادياً ببراغماتية في مجالات التجارة والطاقة والعبور، إذ تعتمد كل من طهران وباكو على الأخرى في الوصول إلى الأسواق الإقليمية، ويعكس حجم التبادل التجاري ومشاريع النقل المشتركة هذا المستوى من الاعتماد المتبادل.

أما في الملف الأمني، فإن انعدام الثقة يهيمن على العلاقة بين طهران وباكو، إذ تنظر إيران بقلق بالغ إلى الشراكة الإستراتيجية بين أذربيجان وإسرائيل، وتتهم باكو بالسماح بأنشطة استخباراتية إسرائيلية قرب حدودها، بينما تتهم أذربيجان إيران بتقديم دعم عسكري لأرمينيا، وبتوظيف شبكات دينية وإعلامية للتأثير في المجتمع الأذربيجاني ذي الأغلبية الشيعية. وتتفاقم هذه التوترات حول قضايا إقليمية حساسة مثل ممر زانغيزور، الذي تراه باكو مشروعاً إستراتيجياً للربط مع تركيا، في حين تعدُّه طهران تهديداً لنفوذها وعلاقتها بأرمينيا.

وقد تحول المشروع منذ إعلان واشنطن في أغسطس/آب 2025 إلى “طريق ترمب للسلام والازدهار” الذي تديره شركة أميركية بحصة 74% لمدة 49 عاماً تحت السيادة الأرمينية، لكن البناء في الجانب الأرميني لن يبدأ قبل 2027، في حين تبني باكو في الوقت نفسه طريقاً بديلاً إلى ناختشيفان عبر الأراضي الإيرانية اكتمل جسره على نهر أراس في سبتمبر/أيلول 2026.

ورغم وصول العلاقات إلى حافة الانفجار في بعض اللحظات، كما حدث عقب الهجوم على سفارة أذربيجان في طهران في يناير/كانون الثاني 2023، فإن الطرفين يحرصان على إدارة هذا التوتر ضمن حدود السلام البارد، الذي يجمع بين التعاون الاضطراري والتنافس المضبوط، في ظل سعي باكو إلى تنويع تحالفاتها مع الدول الغربية إلى جانب تحالفها مع تركيا وعلاقتها البراغماتية مع روسيا، وسعي طهران بدورها إلى منع تطويقها جيوسياسياً على حدودها الشمالية، والضغط على باكو كي تحجِّم علاقاتها الأمنية والاستخبارية مع إسرائيل، لا سيما تلك التي يمكن أن تشكل تهديداً مباشراً لإيران.

Exit mobile version