Site icon روكب اليوم

أسعار الغذاء عند أعلى مستوى منذ 2022.. هل نحن أمام أزمة غذاء جديدة؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-10-03 16:53:00

ارتفعت أسعار الغذاء العالمية في سبتمبر إلى أعلى مستوى لها منذ نوفمبر 2022، في إشارة جديدة إلى عودة الضغوط إلى أسواق السلع الزراعية العالمية، بعدما تضافرت الظروف الجوية القاسية، واضطرابات التجارة والنقل، والمخاوف المرتبطة بظاهرة النينيو لتزيد حالة عدم اليقين بشأن المعروض من المحاصيل.

وبحسب بيانات مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، ارتفع المؤشر إلى 136.0 نقطة في سبتمبر 2026 مقابل نحو 134.0 نقطة في أغسطس، ليسجل أعلى قراءة في نحو 4 سنوات. وتشير بيانات اليوم إلى أن الارتفاع لم يقتصر على سلعة واحدة، بل شمل السكر والحبوب والزيوت النباتية واللحوم ومنتجات الألبان.

ارتفاع المؤشر من 133.3 نقطة في أغسطس وفق بيانات فاو السابقة إلى 136.0 نقطة في سبتمبر وفق بيانات الإصدار الجديد المنشورة في 2 أكتوبر 2026.

مؤشر فاو

أحد أهم محركات الارتفاع هو تزايد المخاوف بشأن تأثير النينيو على المحاصيل. وكانت فاو حذرت في سبتمبر من أن الظروف المناخية السيئة، إلى جانب اضطرابات التجارة، بدأت تضغط على توقعات الإمدادات.


وقال كبير الاقتصاديين في المنظمة، ماكسيمو توريرو، إن ارتفاع أغسطس كان علامة على عودة «علاوة المخاطر» إلى أسواق الغذاء، مع تزامن الصدمات المناخية والتوترات الجيوسياسية واضطرابات الخدمات اللوجستية التجارية.

وهذا مهم لأن تأثير الطقس لا يقتصر على محصول واحد. فظاهرة النينيو قد تضرب مناطق إنتاج مختلفة في الوقت نفسه، بما يؤثر على الحبوب والسكر والزيوت النباتية.

وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن النينيو قد يؤدي عادة إلى ظروف أكثر جفافًا في أجزاء من جنوب شرق آسيا وأستراليا وشمال البرازيل وجنوب آسيا، وهي مناطق مهمة لإنتاج الحبوب وقصب السكر والبذور الزيتية.

السكر يمثل واحدة من أوضح قصص الارتفاع في سوق الغذاء العالمية، ففي أغسطس، قفز مؤشر فاو للسكر 11.9% على أساس شهري، إلى أعلى مستوى له منذ يونيو 2025، مدفوعًا بمخاوف بشأن الإنتاج في البرازيل وأوروبا وآسيا.

وفي البرازيل، أكبر منتج عالمي للسكر، أصبحت الأحوال الجوية عاملًا أكثر أهمية من الأسعار نفسها في تحديد كمية قصب السكر التي ستذهب إلى إنتاج السكر أو الإيثانول.

ونقلت رويترز عن مارسيلو بونيفاسيو فيلهو، محلل السكر لدى StoneX، أن تركيز المنتجين أصبح على الطقس بدلًا من الأسعار عند تقدير مزيج الإنتاج.

كما أظهرت بيانات السوق أن نسبة قصب السكر الموجهة لإنتاج السكر بلغت 42.5% فقط في بداية يوليو، مع توجه جزء أكبر إلى الإيثانول. وتقدر StoneX أن إنتاج السكر في وسط وجنوب البرازيل قد ينخفض إلى أقل من 38 مليون طن، مقابل تقدير أولي بلغ نحو 40 مليون طن.

وهنا تظهر نقطة تحليلية مهمة، وهي أن ارتفاع سعر السكر لا يعني بالضرورة أن المنتجين سيزيدون الإنتاج سريعاً، لأن الطقس قد يمنعهم من تحويل الإنتاج من الإيثانول إلى السكر حتى مع ارتفاع الأسعار.

الحبوب تمثل عاملًا أكثر حساسية بالنسبة للأمن الغذائي العالمي، ففي أغسطس، ارتفع مؤشر فاو للحبوب 2.2% إلى 116.3 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2024.

والأهم أن فاو خفضت في أغسطس توقعاتها لإنتاج الحبوب العالمي لعام 2026 بمقدار 3.4 مليون طن إلى نحو 2.980 مليار طن، أي أقل بنحو 2% من إنتاج 2025، في أكبر انخفاض سنوي منذ 2018 وفق بيانات نقلتها رويترز.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست أزمة نقص عالمي شاملة؛ فالإنتاج المتوقع لا يزال يمثل ثاني أعلى مستوى على الإطلاق، وهو عامل مهم جدًا عند تحليل الاتجاه الحالي وعدم المبالغة في وصفه بأنه أزمة غذاء عالمية على غرار 2022.

المشكلة ليست فقط في كمية المحاصيل التي ينتجها العالم، وإنما في قدرة الأسواق على نقلها من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.

اضطرابات البحر الأسود، والتوترات الجيوسياسية، ومشكلات طرق التجارة، كلها ترفع تكلفة ومخاطر نقل الحبوب والزيوت والأسمدة.

وقد أشارت فاو صراحة إلى أن اضطرابات الخدمات اللوجستية في البحر الأسود كانت من العوامل الرئيسية وراء ارتفاع أسعار عدد من السلع الغذائية في أغسطس.

وهذا يعني أن السعر العالمي يمكن أن يرتفع حتى في حالة عدم وجود نقص فعلي كبير في الإنتاج، إذا أصبحت عملية نقل السلعة إلى المستوردين أكثر تكلفة أو صعوبة.

هناك حلقة أخرى مهمة في قصة ارتفاع أسعار الغذاء، تبدأ من الطاقة ولا تنتهي عند المستهلك.

فارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكلفة إنتاج الأسمدة ونقلها، ما يرفع تكلفة الزراعة ويضغط على قرارات المزارعين والإنتاج، لينعكس في النهاية على أسعار المحاصيل والمواد الغذائية في الأسواق العالمية.

البنك الدولي حذر في يونيو من أن ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، إلى جانب النينيو والقيود التجارية وزيادة الطلب على الوقود الحيوي، يمكن أن يدفع أسعار الغذاء إلى مستويات أعلى من التوقعات الأساسية.

وأشار البنك إلى أن الغاز الطبيعي يمثل مادة أساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، وأن اضطرابات الطاقة يمكن أن ترفع تكلفة المدخلات الزراعية مباشرة، ثم تؤثر لاحقًا في قرارات المزارعين والإنتاج.

وهذا يجعل ارتفاع أسعار الغذاء الحالي أكثر تعقيدًا من مجرد موجة ارتفاع في أسعار المحاصيل.

الأرقام الحالية لا تسمح بهذا الاستنتاج حتى الآن.. فمؤشر فاو عند 136 نقطة في سبتمبر أعلى مستوى منذ نوفمبر 2022، لكنه لا يزال بعيداً عن الذروة التاريخية التي سجلها المؤشر في مارس 2022.

في أغسطس، كان المؤشر عند 133.3 نقطة، أي أقل بنحو 16.8% من ذروة مارس 2022.

كما أن مخزونات الحبوب العالمية لا تزال توفر قدراً من الحماية.. وأشارت رويترز في أغسطس إلى أن المخزونات العالمية القريبة من مستويات قياسية والتقدم التكنولوجي وزيادة صادرات دول مثل البرازيل وروسيا توفر هوامش أمان للنظام الغذائي العالمي.

وبالتالي، فإن القراءة الأكثر دقة هي أن أسواق الغذاء تدخل مرحلة ارتفاع في المخاطر والتقلب، وليس بالضرورة أزمة نقص غذائي عالمية جديدة.

لكن الخطر الحقيقي هو اجتماع عدة صدمات:

فالمقلق بالنسبة لأسواق الغذاء العالمية ليس وجود عامل واحد يضغط على الأسعار، وإنما اجتماع عدة صدمات في الوقت نفسه. فعودة ظاهرة «النينيو» بالتزامن مع موجات الحر والجفاف قد تزيد الضغوط على إنتاج المحاصيل، بينما تؤدي اضطرابات التجارة والنقل إلى صعوبة وصول السلع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المستوردة.

وتزداد الضغوط مع ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، بما يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، إلى جانب المنافسة المتزايدة بين الغذاء والوقود الحيوي على بعض المحاصيل، فضلًا عن القيود التجارية التي يمكن أن تحد من تدفق الإمدادات بين الدول.

وبالتالي، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تزامن هذه العوامل وتراكم تأثيراتها، إذ يمكن لكل صدمة بمفردها أن تكون قابلة للاحتواء، لكن اجتماعها قد يزيد تقلبات الأسعار ويجعل أسواق الغذاء أكثر حساسية لأي نقص أو اضطراب جديد.

البنك الدولي وصف هذه المخاطر بأنها تميل إلى الجانب الصعودي بالنسبة لأسعار الغذاء، مشيراً إلى أن استمرار أو اشتداد النينيو، وارتفاع تكاليف المدخلات، وقيود التصدير يمكن أن تدفع أسعار السلع الزراعية إلى أعلى من التوقعات الأساسية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية بيانات سبتمبر، فإذا استمرت الأسعار في الارتفاع خلال الأشهر المقبلة، فقد يتحول ما هو حالياً ارتفاع في علاوة المخاطر إلى دورة أكثر استمراراً من تضخم الغذاء.

هناك فارق مهم بين مؤشر فاو وأسعار الغذاء التي يدفعها المستهلك في المتجر. فمؤشر فاو يقيس التغير في الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، ولا يمثل مباشرة أسعار التجزئة في كل دولة.

لذلك فإن ارتفاع المؤشر لا يعني أن أسعار المواد الغذائية سترتفع بنفس النسبة في كل بلد، لكن انتقال الزيادة إلى المستهلك يصبح أكثر احتمالاً عندما تتزامن أسعار الغذاء العالمية المرتفعة مع ارتفاع تكاليف الشحن، ارتفاع الطاقة، ارتفاع الأسمدة، انخفاض قيمة العملة المحلية، الاعتماد الكبير على الاستيراد، وضعف المخزونات المحلية.

ولهذا تكون الدول المستوردة للغذاء أكثر تعرضاً لتداعيات هذه الموجة.

القصة ليست ببساطة أن «الطقس رفع أسعار الغذاء».. فالصورة الأوسع هي أن سوق الغذاء العالمي يواجه تراكماً للمخاطر على جانب المعروض.

فالطقس يهدد الإنتاج، والنينيو يزيد عدم اليقين، واضطرابات النقل تعرقل تدفق السلع، والتوترات الجيوسياسية ترفع مخاطر التجارة والطاقة والأسمدة، بينما يمكن للطلب على الوقود الحيوي أن ينافس الغذاء على بعض المحاصيل.

وفي المقابل، لا تزال هناك عوامل تحد من تحول الارتفاع إلى أزمة شاملة، أبرزها المخزونات العالمية الكبيرة نسبياً واستمرار الإنتاج العالمي عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

لذلك فإن أهم ما نواجهة في المرحلة المقبلة ليس «هل ارتفعت أسعار الغذاء؟» بل «هل يستطيع الإنتاج والمخزون والتجارة العالمية امتصاص الصدمات المناخية واللوجستية إذا استمرت حتى نهاية 2026 وبداية 2027»؟

Exit mobile version