Site icon روكب اليوم

أسواق التوقعات.. حلم الاقتصاديين الذي التهمته المراهنات : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-06-21 15:01:00

1699429

قبل وقت طويل من ولادة مؤسسي منصتي «كالشي» و«بولي ماركت»، كان عدد من الاقتصاديين متحمسين لفكرة جديدة لمعالجة إحدى أكبر نقاط ضعف البشر، وهي عدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل بدقة.

وكانت الفكرة آنذاك أن السوق الحرة ربما تستطيع المساعدة. ففي أواخر الثمانينيات، خلال ذروة أفكار «الريغانوميكس» وتراجع الاتحاد السوفيتي، بدا أن الرأسمالية قادرة على حل كل شيء تقريباً.
ومن هنا وُلدت أسواق التنبؤ الحديثة.

لكن بعد نحو 40 عاماً من المشروع الأكاديمي الذي أطلقه الاقتصاديون، تبدو الصناعة المزدهرة التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات ويغذيها إلى حد كبير الرهان الرياضي، مختلفة تماماً عما تصوروه.

فالقوانين التي صُممت لتنظيم المقامرة والسلوكيات الشبيهة بها جعلت الانتقال من الفكرة الأكاديمية إلى التطبيق العملي أمراً صعباً.

وفي عام 2008، قدم 19 اقتصادياً رؤيتهم في ورقة بحثية نشرت في مجلة «ساينس» بعنوان «وعد أسواق التنبؤ».

ورأى الباحثون أن لهذه الأدوات الجديدة تطبيقات «غير محدودة تقريباً» للشركات وصناع السياسات، وطالبوا بتحريرها من القيود الحكومية غير الضرورية.
ودعوا إلى السماح بعقود مرتبطة بأي حدث ذي أهمية اقتصادية، مثل الانتخابات والمخاطر البيئية والسياسة النقدية وغيرها.

منذ ذلك الحين، ظهرت عقود للمراهنة على كل شيء تقريباً.

ورغم أن هذه الأسواق ليست أدوات تنبؤ مثالية، فإنها حققت بعض النجاحات الملحوظة، مثل تفوق منصة «بولي ماركت» على استطلاعات الرأي والخبراء في توقع فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024.

كما نجح المتداولون مراراً في توقع بيانات اقتصادية مهمة، مثل معدلات التضخم الأميركية وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.

لكن عندما كتب الاقتصاديون ورقتهم البحثية عام 2008، وضعوا أيضاً ضوابط واضحة. إذ افترضوا أن الأسواق لن تشمل عقوداً على نتائج الأحداث الرياضية، كما اقترحوا تحديد سقف لمبالغ الرهان عند نحو 2000 دولار سنوياً للشخص الواحد، أي ما يعادل نحو 3000 دولار بأسعار اليوم.

غير أن انفجار الرهانات الرياضية في أسواق التنبؤ، مع غياب أي سقف فعلي للمراهنات، جعل الأمور تسير في اتجاه مختلف تماماً.

وقال جاستن وولفرز، أستاذ الاقتصاد في جامعة ميشيغان وأحد المشاركين في كتابة ورقة 2008: «هذا ليس المستقبل الذي كان أي منا يأمله».

اليوم، تتركز الغالبية العظمى من التداولات في أسواق التنبؤ الكبرى على الرياضة والثقافة الشعبية، مثل المراهنة على ركلات الجزاء في كأس العالم أو على زواج تايلور سويفت وترافيس كيلسي.

ورغم أن هذه الرهانات تبدو مسلية، فإنها ليست الأحداث «ذات الأهمية الاقتصادية» التي تصورها الاقتصاديون.

وتشكل الرياضة مصدر قلق خاص لخبراء الصحة العامة.

وخلال الشهر الماضي، مثلت الأسواق الرياضية والرهانات المركبة نحو 84% من إجمالي حجم التداول على منصة «كالشي»، بما يعادل 18.5 مليار دولار، وفق بيانات شركة الأبحاث «تيكر تراكر».

أما في النسخة الأميركية من منصة «بولي ماركت»، فقد شكلت الأسواق الرياضية نحو 99% من إجمالي حجم التداول، أي نحو 2.1 مليار دولار خلال الشهر الماضي.

وتؤكد كل من «كالشي» و«بولي ماركت» أن التداول على منصتيهما يختلف عن المقامرة التقليدية.

فالمنصتان تقدمان «عقود أحداث» تشبه من الناحية الهيكلية عقود السلع الآجلة مثل عقود فول الصويا، ولا توجد فيهما جهة تدير الرهانات أو تحدد الاحتمالات كما هو الحال في الكازينوهات أو شركات المراهنات.

لكن عملياً، فإن شراء «سهم» يفيد بفوز فريق نيويورك نيكس ببطولة دوري كرة السلة الأميركي لا يبدو مختلفاً كثيراً عن وضع رهان على منصات المقامرة مثل «فاندويل» أو «درافت كينغز».

ولأن القانون الأميركي لا يعامل العقود المالية بالطريقة نفسها التي يعامل بها المقامرة، فإن أسواق التنبؤ متاحة لأي شخص تجاوز 18 عاماً.

يمكن تتبع الإطار الحديث لأسواق التنبؤ إلى غداء جمع ثلاثة اقتصاديين من جامعة أيوا عام 1988 في مطعم «إيرلاينر» بمدينة أيوا.

وكانوا يناقشون مدى فشل استطلاعات الرأي في توقع الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان، عندما حقق جيسي جاكسون فوزاً كاسحاً على مايكل دوكاكيس.

ويتذكر روبرت فورسيث قائلاً «سألنا أنفسنا: إذا أردنا التنبؤ بنتيجة الانتخابات، فكيف سنفعل ذلك؟ وبحكم كوننا اقتصاديين، كانت الإجابة الطبيعية هي إنشاء سوق».
وأطلق الثلاثة «سوق أيوا السياسي للأسهم»، المعروف اليوم باسم «الأسواق الإلكترونية في أيوا»، بهدف اختبار ما إذا كانت حكمة الجماهير تصبح أكثر دقة عندما يضع المشاركون أموالاً حقيقية على المحك.

وبمشاركة 200 متداول فقط وسقف رهانات بلغ 500 دولار، نجح السوق في توقع حصول جورج بوش الأب على 53.2% من الأصوات الشعبية، بينما كانت توقعاته لدوكاكيس قريبة جداً من النتيجة الفعلية.

لا يزال فورسيث والعديد من الاقتصاديين يؤمنون بالفائدة الأساسية لأسواق التنبؤ.

وقال وولفرز «المشكلة الاقتصادية الأساسية هي: كيف نجمع المعلومات؟ وما زلت أؤمن بأن الأسواق وسيلة فعالة للغاية لتحقيق ذلك».

ويرى اقتصاديون أيضاً أن هذه الأسواق يمكن أن تساعد الشركات على توقع الطلب.

ففي وقت سابق من هذا الشهر، عرض أحد الحانات في مانهاتن تقديم المشروبات مجاناً إذا فاز فريق نيويورك نيكس بأول مباراة له في نهائي الدوري الأميركي لكرة السلة، وقام في الوقت نفسه بالتحوط عبر رهان بقيمة 5000 دولار على فوز الفريق، ما حقق له 8000 دولار وكاد يغطي فاتورة المشروبات بالكامل.

كما تشير أبحاث حديثة من جامعة كولومبيا إلى أن المشاركة في «سوق للتنبؤ بالمناخ» حفزت المتشككين على تعلم المزيد عن علوم المناخ ودعم السياسات الصديقة للبيئة.

رغم تحقق حلم الاقتصاديين بوجود سوق ضخمة لتجميع المعلومات، فإن الأمر جاء مصحوباً بتحفظات كبيرة.

وقال داني فونت، مؤلف كتاب «الجميع يخسر»، إن الأدلة تتزايد على ارتفاع معدلات الإدمان، خاصة بين الشباب.

وأظهر بحث صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن حالات التعثر الائتماني ارتفعت بشكل ملحوظ، خصوصاً بين الأشخاص دون سن الأربعين، في الولايات التي شرعت المقامرة الرياضية منذ عام 2018.

ويؤكد خبراء الإدمان وبعض الجهات التنظيمية أن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تسهمان في أزمة صحية عامة ناشئة، حتى وإن أصرت الشركتان على أنهما لا تقدمان خدمات مراهنات رياضية.

ومع ذلك، لا يرغب معظم الاقتصاديين في حظر أسواق التنبؤ بالكامل، لأن الرهانات «الترفيهية» تجذب المزيد من المشاركين وتزيد من سيولة الأسواق، ما يعزز دقتها.

وقال روبن هانسون إن القيمة الحقيقية للمعلومات تكمن في تحسين القرارات، وإن العالم مليء بالأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من معلومات أفضل.

أما إريك زيتسيفيتز، أستاذ الاقتصاد في كلية دارتموث، فيرى أن المنصات قد تتعرض لانتقادات غير عادلة، لأن الأسواق الترفيهية تساعد في جذب الانتباه إلى أسواق أكثر أهمية مثل توقعات أرباح الشركات وأسواق وول ستريت.

لكن وولفرز، الذي سبق له العمل مع شركات مراهنات في أستراليا، يبقى الأكثر قلقاً من تحول أسواق التنبؤ إلى قناة للمقامرة الرياضية.

وقال «إذا خُيّرت بين المقامرة الحرة بالكامل أو إغلاق كل شيء، فأعتقد أن هناك حجة معقولة لصالح الإغلاق».

وأضاف «إذا كان هناك 100 شخص يراهنون على مباراة بيسبول، فقد يكون واحد أو اثنان منهم مدمنين على القمار. والسؤال هو: هل يستحق الأمر أن يستمتع 98 شخصاً بالمباراة أكثر قليلاً مقابل احتمال أن يدمر اثنان حياتهما؟»

(اليسون مارو، روكب اليوم)

Exit mobile version