روكب اليوم
وبينما دُعيت دولٌ عديدة للانضمام، فإن من وقّعوا حتى الآن هم شخصيات وأنظمة تتراوح سجلاتها في مجال حقوق الإنسان بين المشكوك فيها والمروّعة.
لقد لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، بهدف منع تكرار الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي شهدها العالم خلال الحرب العالمية الثانية.
وبسبب حساسيتها الدائمة تجاه أي تهديد متصوَر لاستقلاليتها، حافظت الولايات المتحدة على علاقة ملتبسة مع الأمم المتحدة: مزيج من الحب والكراهية. غير أن إدارة ترمب شددت على الكراهية، وتخلت عن الحب، منددة بما تعتبره “أجندات معادية لأمريكا”.
لقد تجاهلت الإدارة الأمريكية وخفضت تمويل عشرات البرامج الأممية المنقذة للأرواح. كما حجبت جزءا كبيرا من المساهمات المقررة، التي تلتزم الدول الأعضاء بدفعها.
وانسحبت من منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، ومن الهيئات الأممية المعنية بالمناخ، ومن الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمناخ، وقطعت التمويل عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي يدعم ويحمي النساء والفتيات في مناطق النزاعات المسلحة ومناطق الأزمات.
ودفع المفاوضون الأمريكيون بأجندة ترمب الأيديولوجية داخل مفاوضات الأمم المتحدة، مطالبين بإزالة عبارات محددة تتعلق بحقوق الإنسان من القرارات والبيانات؛ لأن إدارة ترمب تعتبرها “يقظوية”(woke)، أو مفرطة في الصوابية السياسية.
ورغم أن الإدارة حققت بعض النجاح في حملتها الأيديولوجية داخل مجلس الأمن بفضل حق النقض (الفيتو)، فإنها كانت أقل نجاحا في الجمعية العامة، حيث لا تمتلك الولايات المتحدة سوى صوت واحد من بين 193 دولة عضوا، ودون أي حق نقض.
لكن مجلس الأمن هو الهيئة التي يبدو أن الإدارة مصممة على إعادة تشكيلها على ما يهوى الرئيس الأمريكي. فميثاق “مجلس السلام” المقترح يصفه بأنه “منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحوكمة الموثوقة والقانونية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها”.
ولا يرد في الميثاق أي ذكر لحقوق الإنسان، وهو أمر لا بد أنه يطرب آذان الحكومتين الروسية والصينية، اللتين عملتا لسنوات على تقليل مركزية حقوق الإنسان داخل الأمم المتحدة.
ويبدو المجلس كأنه نادٍ عالمي قائم على مبدأ “ادفع لتلعب”، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار رسم العضوية الدائمة البالغ مليار دولار. ومع وجود عدد من منتهكي حقوق الإنسان سيئي الصيت، وزعماء متورطين في جرائم حرب- وقلة من الأصوات الموازِنة- يصعب تصور أن تمنح هذه الهيئة أولوية حقيقية لإنهاء المعاناة والكراهية وسفك الدماء، كما أعلن ترمب في حفل الإطلاق الذي عقد على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
“مجلس السلام” يبدو ناديا عالميا قائما على الدفع مقابل النفوذ، لا هيئة لإنهاء المعاناة وسفك الدماء
ومن بين من دعاهم الرئيس الأمريكي للانضمام شخصان صدرت بحقهما مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية (هيئة قضائية دولية مختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية): الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كما وجه ترمب الدعوة إلى قادة دول أخرى ذات سجلات مروعة في مجال حقوق الإنسان، من الصين، وبيلاروسيا، إلى كازاخستان.
ويظهر الميثاق بوضوح أن ترمب، بوصفه رئيس المجلس، سيتمتع بسلطة عليا “لاعتماد القرارات أو أي توجيهات أخرى”، وفق ما يراه مناسبا.
حتى الآن، لم توافق من دول الاتحاد الأوروبي على الانضمام سوى المجر وبلغاريا. ورئيس الوزراء المجري اليميني الشعبوي فيكتور أوربان معروف منذ زمن بدعمه لترمب.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فكان من بين من رفضوا عرض الانضمام، فجاء الرد بتهديده بزيادة الرسوم الجمركية بشكل كبير على النبيذ والشمبانيا الفرنسيين.
كما عرض الرئيس الأمريكي على كندا مقعدا دائما في المجلس، لكنه سحب العرض عقب خطاب رئيس الوزراء مارك كارني في دافوس.
ودون أن يذكر ترمب أو الولايات المتحدة بالاسم، قال كارني إن الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات متعددة الأطراف باتت مهددة، ووجه انتقادا لاذعا لاستخدام القوى الكبرى الإكراه الاقتصادي ضد الدول الصغرى. ودعا كارني الدول متوسطة القوة إلى التكتل معا لمقاومة تنمر القوى العظمى.
وكان من المفترض في الأصل أن يتولى “مجلس السلام” الإشراف على إدارة قطاع غزة، عقب أكثر من عامين من الهجوم والتدمير الذي شنته القوات الإسرائيلية، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 70 ألف فلسطيني، وكانت الولايات المتحدة شريكة فيه.
غير أن ميثاق المجلس لا يذكر غزة مطلقا. ومع ذلك، كانت غزة محور فعالية جانبية في دافوس قادها جاريد كوشنر، صهر ترمب. وسيكون كوشنر عضوا في “المجلس التنفيذي لغزة”، وهو هيئة فرعية تابعة لمجلس السلام.
وقد قدم كوشنر رؤية سريالية لـ”غزة الجديدة”، مكتملة بأبراج مكاتب لامعة وشواطئ نظيفة مكتظة بالسياح. ولا يضم المجلس التنفيذي لغزة أي فلسطيني، لكنه يضم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ومفاوض ترمب ستيف ويتكوف، ومسؤولين كبارا من تركيا وقطر.
وبدلا من تسليم شيكات بمليار دولار، ينبغي على الحكومات أن تعمل معا لحماية الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات التي أنشئت لصون حقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني الدولي، وسيادة القانون العالمية، والمساءلة.
وينبغي لها استخدام كل الموارد المتاحة لمواجهة الإجراءات الأمريكية الجائرة، مثل العقوبات التي فرضها الرئيس الأمريكي على قضاة ومدعين في المحكمة الجنائية الدولية، وعلى مقرر خاص للأمم المتحدة، وعلى منظمات فلسطينية بارزة لحقوق الإنسان.
كما ينبغي الضغط من أجل المساءلة عن الجرائم الدولية الجسيمة التي ترتكبها جميع أطراف النزاعات، سواء في غزة، أو السودان، أو أوكرانيا، أو ميانمار، أو في أي مكان آخر.
وأي تقاعس عن ذلك سيمنح هذا التوجه الجديد نصرا خطيرا، ويسمح لهذا المجلس بتهميش الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية الحيوية. صحيح أن الأمم المتحدة تعاني من مشكلات، بما في ذلك ما يتعلق بحماية حقوق الإنسان، لكنها جديرة بالتعزيز والإصلاح، لا بالاستبدال بنادٍ يضم منتهكي الحقوق ومتهمين بارتكاب جرائم حرب.