
روكب اليوم
Published On 24/8/2026
تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي باستمرار إلى بيانات جديدة حتى تستخدمها في تدريب نماذجها وجعلها أكثر كفاءة، وكلما زادت جودة هذه البيانات، أصبح النموذج أكثر فعالية وجاءت إجاباته أفضل.
وفي البداية، اتجهت الشركات إلى المحتوى المتاح مجانا عبر الإنترنت للتدريب، ولكن سرعان ما نفد هذا المحتوى لأن النماذج تدربت على غالبيته، فضلا عن توجه المستخدمين إلى نماذج الذكاء الاصطناعي لتوليد المحتوى الجديد بشكل جزئي، وبالتالي انخفضت جودته كثيرا عن المحتوى الأصلي المولد من البشر.
لذلك، قررت الشركات اتخاذ مصدر جديد للمحتوى المستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو الكتب الورقية القديمة التي اتضح أنها ذات قيمة كبيرة في عملية التدريب لأنها غير ملوثة بالنصوص المولدة من قبل الذكاء الاصطناعي وفق تقرير موقع “ذا ريجستر” البريطاني.
وبدلا من أن تحتفظ الشركات بالكتب بعد رفعها وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي عليها، قررت أن تدمرها لتوفير نفقات التخزين المتعلقة بهذه الكتب، وهو الأمر الذي أثار غضب مجموعة من المنظمات الحقوقية حسب التقرير.
ممارسة شائعة
ويكشف تقرير “ريجستر” عن مسح الكتب ورفع محتوياتها إلى نماذج الذكاء الاصطناعي ثم تدميرها لاحقا ممارسة شائعة بين مجموعة من شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وفي مقدمتها شركة أنثروبيك الأمريكية وأمازون.
ويعود استخدام أنثروبيك لهذه السياسة إلى عام 2024 عندما ظهرت مذكرة داخلية تشير إلى مشروع يدعى “مشروع بنما”، وهو الاسم الذي اختارته الشركة لعملية مسح الكتب وتدميرها، وتصف المذكرة الداخلية هذا المشروع بأنه “جهدنا لمسح جميع الكتب مسحا تدميريا”.
وعادت أنثروبيك إلى الأضواء مجددا في إبريل/نيسان الماضي عندما وافقت الشركة على دفع تسوية تصل إلى 1.5 مليار دولار إلى مجموعة من الكتاب الذين اتهموها بانتهاك حقوق ملكية أعمالهم وفق تقرير سابق من موقع “آوثرز غيلد” الأمريكي التابع للمنظمة التي تحمل الاسم ذاته.
وتتبع أمازون النهج ذاته في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، إذ تقوم بشراء كميات كبيرة من الكتب القديمة والنادرة في بعض الحالات، ثم رفعها إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل أن تقوم بتدميرها وفق تقرير منفصل من مجلة “فوربس” الأمريكية.
وجاء الكشف عن سياسات أمازون تجاه الكتب في تحقيق استقصائي نشره موقع “404 ميديا” التقني الأمريكي، إذ قام بتتبع شحنة من الكتب النادرة عبر وضع قطعة “إيرتاغ” فيها.
ووصلت الشحنة النادرة من الكتب إلى مستودع تابع لشركة أمازون يحمل لوحة كبيرة تظهر ديناصور “تي ريكس” وهو يلتهم الكتب، وعند سؤال موظفي المخزن، أوضحوا أن عملهم يقتصر على مسح الكتب طوال اليوم فقط.
كم عدد الكتب التي استخدمتها شركات الذكاء الاصطناعي؟
لا يمكن تقدير عدد الكتب التي اعتمدت عليها شركات الذكاء الاصطناعي في سعيها لتدريب نماذجها وتعزيز قدراتها، ولكنها قد تصل إلى الملايين بحسب التقارير المختلفة، ومن بينها كتب نادرة قد لا توجد مرة أخرى.
وتشير التقديرات إلى أعداد كتب قد تتجاوز الملايين، فشركة أنثروبيك كانت تنوي مسح وتدمير بين 500 ألف كتاب إلى مليوني كتاب خلال فترة ستة أشهر من التعاقد مع متعاقد خارجي واحد، وتحقيق “404 ميديا” يكشف عن عمليات شراء يصل حجمها إلى مليون كتاب في المرة الواحدة.
كما يشير تقرير “فوربس” إلى أن شراء كميات كبيرة من الكتب منتشرة حتى في الدول الأوروبية والمملكة المتحدة وليست حكرا على الولايات المتحدة فقط، وبعض طلبيات الكتب تتضمن مجموعة من الكتب النادرة والتي خرجت من دورة الطباعة.
لماذا تدمر شركات الذكاء الاصطناعي الكتب؟
أفاد تقرير “ريجستر” أن شركات الذكاء الاصطناعي تتبع هذا النهج لمنع منافسيها من استخدام المصادر ذاتها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وبالتالي تقديم نماذج متقاربة في الأداء.
ولكن يأتي هذا التبرير من الرسالة التي أرسلتها المنظمات الحقوقية إلى هيئة التجارة الفيدرالية، وهي الهيئة الأمريكية المختصة بممارسات الاحتكار، مما يوحي بأن التبرير المتعلق بالمنافسة قد يكون مخصصا للهيئة.
وبينما يبدو تدمير الكتب عملا سيئا ومخالفا للأعراف، إلا أنه ليس خارجا عن القانون بحسب قوانين حماية الملكية الفكرية، فمالك أي كتاب قام بشرائه بشكل شرعي يحق له تدمير نسخته من الكتاب متى أراد ذلك.
كما أن عملية إثبات أثر نصوص الكتب في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أمر صعب طالما لم تكشف الشركات عن البيانات التي تستخدمها لتدريب نماذجها، وهو ما لا يحدث عادة.
ويدفعنا هذا للتساؤل عن التضحيات التي ستحدث في خضم السباق المحموم لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي خارقة القدرة، وإن كان هذا يستحق تدمير جزء من التراث البشري المتمثل في الكتب النصية النادرة.

