Site icon روكب اليوم

“إنما ينهض بالشرق مستبد عادل”.. ماذا أراد محمد عبده حقًا؟ | تاريخ

sdfsdf 1787823183

روكب اليوم

يُعدّ الشيخ محمد عبده من أبرز المنظّرين للفكرة الدستورية في مصر والعالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر. فقد أسهم، إلى جانب أستاذه جمال الدين الأفغاني وتلامذته من بعده، في ترسيخ خطاب إصلاحي داخل الأزهر يدعو إلى تقييد السلطة بالشورى والقانون، وكان لهذا الخطاب أثرٌ في تطور الحركة الدستورية في عدد من البلدان الإسلامية. وتشير بعض الروايات إلى أنه فكّر، في أواخر عهد الخديوي إسماعيل، في إمكان تحويل مصر إلى نظام جمهوري، في وقت كان فيه النظام الجمهوري لا يزال نظاما نادرا حول العالم.

وفي السياق نفسه، ومع الانقسام الذي شهدته الحوزة العلمية الشيعية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بين تيار “المشروطة” الداعي إلى الدستور وتقييد السلطة، وتيار “المستبدة” المدافع عن الحكم المطلق، كان عبده والأفغاني قد مهّدا، في التجربة المصرية، لخطاب دستوري تجلّى في تأييد عزل إسماعيل وتولية توفيق الذي تعهّد بتطبيق نظام دستوري برلماني، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد توليه الحكم.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

قاد ذلك إلى اندلاع الثورة العرابية التي انخرط فيها رفاق الأفغاني وتلامذته. ويقرّ عرابي في مذكراته بأن لكل ثورة منظّرا، ويجعل الأفغاني وعبده على رأس منظّري الثورة العرابية. وربما تأثر الميرزا محمد حسين النائيني، منظّر الثورة الدستورية في إيران، بالشيخ محمد عبده، كما يبدو في كتاب النائيني “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”، لكن المؤكد يقينا أن حركة التنباك تأثرت بتدخل صريح من جمال الدين الأفغاني. فقد قامت ثورة التنباك، أو التبغ، بعد فتوى من المرجع الشيرازي بتحريم التبغ إثر حصول الشركة البريطانية على امتياز تجارة التبغ في إيران، وكان الأفغاني قد أرسل رسالة شديدة اللهجة إلى الميرزا الشيرازي في سامراء، وهو المرجع الشيعي الأهم في العالم حينئذ، حثّه فيها على إصدار فتواه بتحريم التنباك للحد من استغلال الأجانب، لا سيما البريطانيين، للموارد الإيرانية.

إذن، كان ثمة حراك دستوري في مصر وإيران وتركيا في تلك الفترة، وشارك الشيخان الأفغاني وعبده في هذا الحراك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لذلك يبدو من غير المعقول أن يُتهم أحدهما أو كلاهما بالاستبداد أو دعم الاستبداد، فذلك الاتهام لا يكتفي بمنابذة تحرير الأقوال وتحقيق المسائل التاريخية وتجاهل الرجوع إلى المصادر الأصيلة، بل يبلغ مداه بتغيير الحقائق وتبديل الأقوال إلى ضدها.

يتّكئ هذا الاتهام على ما نُسب إلى الشيخ محمد عبده من تبنيه نظرية المستبد العادل. ولكي نفهم مقولة عبده عن المستبد العادل، يجب أن نضعها في سياقها الفكري والسياسي، لا أن نكتفي باستلال المقولة من ذلك السياق بما يجافي المنهج العلمي.

جمال الدين الأفغاني (غيتي)

رسالة عبده الكبرى

لكل فيلسوف أو مفكر أهداف عليا ورسائل يبعثها من وراء بحثه ومن خلف مصنفاته وفكره، تعبّر عن مقاصد يودّ تحقيقها ويسعى لتمهيد سبلها وتعبيد طرقها. ويمكن اختصار رسالة عبده وأهدافه الكبرى في أمرين أساسيين، هما الإصلاح الديني والإصلاح السياسي. فالإصلاح الديني عنده يشمل إصلاح المؤسسات الدينية وإصلاح مناهج التعليم وإصلاح حال المعلمين، أي إصلاح الحوزة/المدرسة والأستاذ والمنهج. أما الإصلاح السياسي فهو عنده تقييد الحاكم وتعظيم الحق السياسي للأمة/العامة/الأهالي، فتشارك في صنع القرار السياسي وتأخذ على يد الحاكم وتراقب فعله.

ويقول عبده في مذكراته: “لقد ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، والثاني: إصلاح أساليب اللغة العربية… وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه، وهو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم، كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها… دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته فهو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه ولا يوقف طغيانه إلا نصح الأمة له بالقول وبالفعل. جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد”.

ويبدو أن عبده رأى أن الإصلاح السياسي في أمة جاهلة وشعب أمّي تنتشر الخرافات بين أضلعه يكاد يكون مستحيلا، فارتأى أن الإصلاح الديني والاجتماعي ينبغي أن يسبق الإصلاح السياسي حتى يمكن تأسيس جماعات مدنية فاعلة من قلب المجتمع، من العامة والمثقفين كليهما، تدرك أهمية الإصلاح السياسي والدستوري فتقود المجتمع وتشارك في الإصلاح. وهذا ما ظن عبده أنه قد توفر وتهيأ سنة 1903، في مقال له قبل موته بسنتين، أقرّ فيه بأن المصريين تشوّفوا للعدل والمساواة، وتشوّقوا لجلب المنافع ودفع المضار، وأمكن أن توجد فيهم جماعة يقدرون على القيام بمهام المصالح، واستنتج من ذلك أنه لا مانع من وجود الشورى في بلادنا من جهة أهاليها، بل إن حالتهم الآن تقضي بلزوم وجودها.

تلك رسالة عبده الكبرى التي عاش لها، ومات مهموما بها، وقد مسّه الحزن بعدما تبين له صعوبة تحقيق أمانيه في دستورية عادلة وحكم رشيد، فقال في رسالة نادرة بعث بها إلى برودلي، يبوح فيها بهمومه، وبها نعرف فكره وندرك مقصده: “كنت أتأسف عندما أرى استبدادا في الحكام، وفقد نظام للإدارات واختلالا في سير كثير منها وخللا في المجالس المحلية، واندفاعا من الربويين على الفلاحين يأكلون أكبادهم.. كنت أنظر بعين الأسف على كثير من الصنائع التي كانت في البلاد ويتعيش منها قسم عظيم من الناس، أُهمل شأنها واندثرت، والورش التي أنشأها محمد علي باشا بأموال تخربت، وكنت أتمنى أن تحيي الصناعة.. كنت أحب أن تكون بلادي حرة مستقلة، وحاكمها تحت قانون محترم لا تحت تصرف هوى نفسه وأهواء حاشيته، وأن يكون قادرا على حفظ القانون ومحبا لرعيته”.

ماذا يفعل المستبدّ بمزاج الأمّة؟

يلتفت عبده إلى أثر الاستبداد في الأخلاق العامة وسلوك الناس، فيرى أن المستبد يؤثر في سلوك الرعية كلها، ويغيّر مزاج الأمة فتصير أمة منحطة في ذيل الأمم، لأن العنف أعمل في عقلها وحرّف فطرتها. فالسبب الرئيسي لانحطاط المسلمين عموما، والأمة المصرية خصوصا، هو المستبدّ والاستبداد. ويروي عبده في مذكراته أنه شاهد بنفسه غضب الفلاحين المصريين من إبطال الكرباج في تحصيل الأموال الأميرية في وزارة رياض باشا، فيقول: “فعجب كثير من الناس لذلك، وقالوا: كيف يمكن أن يحصل مال من الفلاح بدون ضرب… ومن آثار تعود الظلم ورؤيته ملازما للسلطة بمصر أن الذين حفظت أبدانهم من الضرب والجلد كانوا يعدون تلك الأوامر مخالفة لما يجب أن يعَاملوا به”.

وفي مقالته “رثاثة الصقليين ووساختهم”، يربط عبده بين الاستبداد والوسخ، فإلف الشعوب للوسخ وتغافلها عن أن الوساخة مما لا يليق إنما سببه الاستبداد، إذ يقول: “والذي يخطر ببالي من أسباب ذلك -يقصد إلف الوسخ-، إذا أخذنا بالجد، أن هذا شأن العامة من الأمم التي طال فيها زمن الاستبداد، وتصرف الإرادة الواحدة في جميع الإرادات، مع ما يطرأ على تلك الإرادة الواحدة من الاختلال وفساد المزاج، فتأمر بالشيء اليوم لأنه من هواها، وتنهى عنه غدا لأنه لم يبق من مشتاها، وأمرها واجب الطاعة، وفي مخالفته إضاعة أي إضاعة”.

أما في كتابه “الإسلام بين العلم والمدنية”، فيُلقي عبده الوزر الأكبر على السلطة السياسية التي كان بيدها أن تحل مشكلة المجتمع لكنها آثرت إفساد الناس وتجهيلهم، فيقول: “أما الحكام وقد كانوا أقدر الناس على انتشال الأمة مما سقطت فيه، فأصابهم من الجهل بما فرض عليهم في أداء وظائفهم ما أصاب الجمهور الأعظم من العامة، ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم، وإذلال النفوس لخشونة سلطانهم، وابتزاز الأموال لإنفاقها في إرضاء شهواتهم، لا يرعون في ذلك عدلا، ولا يستشيرون كتابا ولا يتبعون سنة، حتى أفسدوا أخلاق الكافة بما حملوها على النفاق والكذب والغش والاقتداء بهم في الظلم وما يتبع ذلك من الخصال التي ما فشت في أمة إلا حل بها العذاب”.

ومن آثار تعوّد الظلم ورؤيته ملازما للسلطة بمصر أن الذين حُفظت أبدانهم من الضرب كانوا يعدّون أوامر إبطال ذلك مخالفة لما يجب أن يُعاملوا به (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

إلزامية الشورى

يجعل عبده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات لا من المندوبات، واستدل على ذلك بقوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104]. ويُدخل الأمراء والحكّام فيمن يجب على تلك الطائفة إرشادهم، لتضافر الأحاديث الصحيحة على وجوب نصيحة الأمراء، ونقل عن المفسرين قولهم: “من أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكا كانوا أم سوقة، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة”.

وبعد أن استدل عبده على الشورى، قرر أنها واجبة، ورد على القائلين بأنها مندوبة، وهي مسألة خلافية مشهورة بين الفقهاء، فقال: “فتألف من مجموع هذا أن الشورى واجبة، وأن طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غايات الصواب، وأدنى إلى مظان المنافع ومجالبها. على أنها إن كانت في أصل الشرع مندوبة، فقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوبا شرعيا”.

وهنا لمحة مهمة من فقه عبده، إذ نجده يستعمل القواعد الأصولية والمقاصدية في الفقه السياسي، فإذا كانت الأحكام تتبدل بتغير الزمان لاختلاف العوائد والأعراف أو لطروء ضروريات أو مصلحة، فإن الحكم باستحباب الشورى يتغير إلى الفرضية والوجوب، لأن الحاكم ما عاد مجتهدا أو مؤهلا للاجتهاد كما هو الشرط القديم فيه عند فقهاء الإيالة والتدبير، وما عادت الدولة الحديثة منحصرة في شؤون محدودة يمكن إدارتها بعلوم الفقه وحدها، بل ثمة تشابك وتوسع فيها أحوجها إلى خبراء في ميادين متعددة ومجالات شتى. ومن ثم فإن الشورى واجبة ونافذة على الإمام والمأموم، الحاكم والمحكوم، لأنها عندئذ تعبّر عن رأي الخبراء بعلومهم والعارفين بفنونهم.

ثمة شبهة أخرى يدركها عبده جيدا ويخشاها، فيسارع إلى درء شبهة التأثر بالأجانب (التغريب والعلمنة) في مسألة الشورى والانتخاب، فيقول: “ومن هنا تعلم أن نزوع بعض الناس إلى طلب الشورى ونفورهم من الاستبداد ليس واردا عليهم من طريق التقليد للأجانب، ولا آتيا لهم من ذم بعض الجرائد فيها هكذا جزافا ورجما بالغيب..، بل ذلك نزوع إلى ما هو واجب بالشرع ونفور عما منعه الدين وقبّحه العلماء”.

ثم نظّر للدولة الدستورية من قلب النصوص والتراث، فذهب إلى أنه لا طريقة معروفة للشورى على المسلمين، فهي واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين، فاختيار الطريق المعين باقٍ على الأصل من الإباحة والجواز، كما هي القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته.

واستدل عبده بحديث ابن عباس في البخاري “كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي ناصيته ثم فرق بعد”، على استحباب موافقة الأمم الأخرى في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر، “تلك الأمم التي أخذت الواجب نقلا عنا، وأنشأت له نظاما مخصوصا، متى رأينا في الموافقة نفعا، ووجدنا منها فائدة تعود على الأمة والدين، وإلا اخترنا من الكيفيات والهيئات ما يلائم مصالحنا ويطابق منافعنا، ويثبت بيننا قواعد العدل وأركانه”. بل وجب علينا، في نظر عبده، إذا رأينا شكلا من الأشكال مجلبة للعدل أن نتخذه ولا نعدل عنه إلى غيره، ثم ساق كلام ابن القيم للتدليل على كلامه.

وختم عبده مرافعته عن إلزامية الشورى بدليل عقلي يثبت وجوب الشورى والمشاورة، ويؤصّل للحياة النيابية وأهمية رأي الأكثرية، فيقول: “مع العلم بأن رأي الواحد ليس مثل رأي الكل، إذ الأول مظنة الخطأ ولا يحتمل الثاني خطأ، إلا احتمالا يفرضه العقل، وتكذبه العادة والاختبار. ومن ثم قال سيدنا عمر بن الخطاب: (الرأي الواحد كالخيط السحيل -وهو الحبل على قوة واحدة- والرأيان كالخيطين، والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تنقطع). وقال صلى الله عليه وسلم: (ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم)”.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند محمد عبده من الواجبات لا من المندوبات، ويُدخل الأمراء والحكّام فيمن يجب إرشادهم (غيتي)

عبده وإلهية الحكم.. السيادة لمن؟

يذكر عبده في مذكراته أن شيخه الأفغاني بث فيهم المقولات السياسية والدستورية، وبيّن لهم وللناس أنواع الحكومات الاستبدادية والدستورية، فتشوّف الناس إلى حكومة دستورية مقيدة تأخذ على يد الحكّام وتحول دون ولايتهم المطلقة، بعدما كان الناس يعتقدون الطاعة المطلقة للحاكم كأنه معصوم لا يجري الخطأ عليه.

ويبدو أن مسألة الطاعة شغلت عقل عبده بسبب ما روّجه الحكام حينئذ في مصر وتركيا وإيران وعموم العالم الإسلامي عن وجوب الطاعة المطلقة للحاكم، فكان الحاكم أشبه بالإله. ومع ذلك فإن عبده نفسه، وإن دعا إلى رفض الطاعة المطلقة، لم يدعُ إلى الثورة المطلقة أيضا، وراهن على الإصلاح السياسي والدستوري.

انتقد عبده فهم عامة المسلمين لنصوص الطاعة، ذلك الفهم الذي آل بهم إلى تقديس الحاكم، فيقول في الرد على المؤرخ الفرنسي غابرييل هانوتو: “أخطأ المسلم في فهم معنى الطاعة لأولي الأمر والانقياد لأوامرهم، فألقى مقاليده إلى الحاكم ووكل إليه التصرف في شؤونه، ثم أدبر عنه حتى ظن أن الحكومة يمكنها القيام بشؤونه جميعا من إدارة وسياسة بدون أن يكون لها منه عون سوى الضريبة التي تفرضها عليه…”.

والحاكم عند عبده ليس معصوما والحكم ليس ثيوقراطيا، إذ يقول في “الإسلام بين العلم والمدنية”: “ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج ثيوقراطي أي سلطان إلهي، فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله، وله حق الأثرة بالتشريع وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى الإيمان، فليس للمؤمن ما دام مؤمنا أن يخالفه”.

ويؤكد عبده الحق السياسي للأمة متّبعا أستاذه الأفغاني، فسلاطين عصره قد تجاهلوا حق الأمة في نظره، وجعلوا الناس مادة للحكم دون أدنى مشاركة في الشأن العام وفقه التدبير، في حين آمن عبده بمركزية الأمة في الحكم، إذ يقول في الكتاب نفسه: “فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه -أي الإمام/السلطان- والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه”.

وفي مقالته “مصر قبل الأفغاني”، يذكر عبده أن الأهالي في مصر قبل مجيء الأفغاني كانوا يرون شؤونهم العامة، بل والخاصة، ملكا لحاكمهم الأعلى يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيا يحق له أن يبديه في إدارة بلاده، أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحا لأمته.

لكن الناس، كما يروي عبده في المقالة نفسها، بدأوا يتطرّقون إلى الشؤون العامة بعد أن حضر طلبة العلم مجالس الأفغاني، وكانوا ينقلون ما يكتبونه من تلك المعارف التي أخذوها عنه إلى ديارهم في قراهم ومدنهم وبلدانهم، فاستيقظت مشاعر الناس وانتبهت عقولهم، ثم اجترأت جرائد كثيرة على نشر الأخبار السياسية والمعاشية، وانتقاد سوء الأحوال المالية في مصر، كل ذلك بتشجيع الأفغاني لمريديه من طلبة العلم والموظفين وأرباب الأقلام، فتغير المشهد حتى “أخذت الحرية الفكرية تظهر في الجرائد إلى درجة يظن الناظر أنه في عالم خيال، وأرض غير أرض الخبال”.

إنما ينهض بالشرق مستبد عادل

كتب عبده مقالة بعنوان “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل”، وشنّع خصومه عليه بسبب تلك المقالة، لكن تحرير المسألة على وجهها، أعني فهمها في سياق زمنه ومجموع كلامه المتناثر ومواقفه العملية كذلك، ثم الوقوف على رأي معاصريه وتلامذته وتقييمهم، يقود إلى فهم مختلف. فكلام عبده كان بحاجة إلى أن يُجمع في سياق واحد، ويُتعامل معه ككتلة واحدة، ويُعرف منه المطلق والمقيد، والعام والخاص، والمتقدم والمتأخر.

هوجم عبده بسبب مقالته تلك التي أُرسلت للنشر سنة 1899. وزعم أوليفر شالبروت في كتابه “محمد عبده: الإسلام الحديث وثقافة الالتباس” أن عبده فصّل نظريته عن المستبد العادل بعد رجوعه إلى مصر وخلافه مع الخديوي، فأراد أن يستعين بالإنجليز على الخديوي الجديد عباس حلمي الثاني.

لكن شالبروت تجاهل الحقيقة التاريخية، وهي أن تلك المقالة أرسلها عبده للنشر بالفعل سنة 1899، لكنه كتبها قبل ذلك بزمن طويل، فقد أرسلها عبده للنشر تعليقا على مقالة عن “الإخاء والحرية”، وطلب أن يذكر الناشر في مقدمته أن مقالة المستبد العادل من كلامه القديم وليست رأيا معاصرا حديث الإنشاء.

فذكر فرح أنطون في تقديمه للمقالة، كما ينقل شالبروت نفسه ومحمد عمارة في جمعه الأعمال الكاملة لعبده، أنها “كلام هو السحر الحلال، قاله منذ سنوات خلت حضرة الحكيم الكامل والأستاذ الفاضل الشيخ محمد عبده، وبعث به إليها اليوم أحد إخوانه الأفاضل بعد اطلاعه على مقالة “الإخاء والحرية”، التي صدّرنا بها الجزء السابق”.

وكأن عبده، حين اشترط أن يكتب الناشر أن المقالة من كلامه القديم، أراد أن يقول إنه تراجع عنه، أو إن العلة قد زالت معالمها، فعندما كتب المقالة كان المصريون في حاجة إلى فترة انتقالية يتولاها مستبد عادل يرفع قدرتهم العلمية ويدربهم على الحكم الدستوري، أما اليوم، أي سنة 1899، فما عاد المصريون يحتاجون إلى هذا النمط من الحكم، وهو ما صرّح به في رسالة إلى مؤرخ الثورة العرابية السير بلنت سنة 1903 من أن المصريين باتوا مستعدين للحكم الدستوري والدولة الدستورية. أو أنه يريد القول إنه تراجع عن فكرته تلك التي آمن بها في سياق معين في فترة من حياته أو شبابه.

لم أقف على تاريخ كتابة المقالة بالتحديد، ولم يصرّح عبده بالتاريخ سوى أنه أخبر أنها من كلامه القديم ولا تعبّر عن فكره المتأخر، لكنني أرجّح أن عبده كتب مقالته في تاريخ قديم، ربما قبل الثورة العرابية، لأن أستاذه الأفغاني كتب في جريدة “مصر” سنة 1879 مقالة عن “الحكومة المتنطسة”، وهي التي يقودها مستبد مستنير يعمل على النهوض بالتعليم ونشر المعرفة، وينمّي الاقتصاد، ويؤسس بيروقراطية فعالة وعادلة تقوم على حكم القانون.

فيبدو أن عبده شرح فكرة أستاذه في هذه المقالة في وقت مبكر، قريبا من السنة التي نشر فيها الأفغاني مقالته (1879)، لكنها بقيت مسودة أو في أرشيفه الخاص حتى أرسلها للنشر سنة 1899، ومن غير المعلوم لماذا لم ينشرها عبده في وقت مبكر. هل لتردده في مضمونها؟ أم بسبب خوفه من اتهامه بدعم الاستبداد المطلق؟ ثمة احتمالات متعددة لا يمكن ترجيح أحدها على الآخر.

وعلى كل حال، لا ينبغي أن يُفهم من مقالتي الأفغاني وعبده أنهما نبذا الفكر الدستوري والبرلماني، فالأفغاني نفسه، حين نشر مقالته عن المستبد العادل، كان يطالب بدولة دستورية، وخطط مع تلميذه عبده لاغتيال الخديوي إسماعيل، وفكّرا معا في تأسيس جمهورية دستورية برلمانية.

ونلحظ أن الخيط الذي يجمع بين الأفكار في مقالتي الأستاذ والتلميذ هو مسألة النهوض بالتعليم، والتخوف من عدم قدرة الناس على إدارة حكم دستوري وبرلماني رشيد، أو عدم استجابتهم لتلك العملية وما ينتج عنها، لأن الحكم الدستوري الرشيد ثمرة من ثمار التعليم والنضوج العقلي. ومن منظور فلسفي صرف، فإن المجتمع الدستوري أنضج عقليا وفلسفيا من المجتمع غير الدستوري إلى حد بعيد. ويبدو أن نقاشات كبيرة جرت بين الرجلين وبين النخب الدينية والفكرية في تلك الفترة ولم تُدوَّن، عن كيفية الخروج من ذلك المأزق، أعني مأزق الدولة الدستورية في ظل أمية مرتفعة وجهالة مطبقة، ونخب سياسية تنظر إلى الشعب كجماعة من “الفلاحين”، وهو وصف يُراد به الازدراء، أشبه بالعبودية.

تحرير المصطلح وحقيقة المستبدّ

عند تحليل مقالة عبده نجد أنه لم يقصد بالمستبد هنا الظالم المتورط في الدماء والعنف، بل قصد بالمستبد المتفرّد الذي يمسك بزمام السلطة ويبدأ مرحلة انتقالية نحو الدستورية والحياة البرلمانية، ولذا نجد مفردات المقالة كلها إيجابية حول هذا المستبد، فهو مستبد لا يُظلم عنده أحد، “عادلٌ لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه”.

وهذه خصال رفيعة لم تتوفر إلا في نفر قليل من الخلفاء في التاريخ الإسلامي، فكأن عبده يريد الانتقال من مرحلة الملك العضوض، رجوعا إلى الوراء، إلى فقه الخلافة الراشدة. والخلافة الراشدة لم تكن تعرف الانتخابات بالمعنى الحديث، لكنها كانت عادلة ولم تقم إلا على الاختيار، ولقيت قبول المسلمين في جميع أنحاء الإمبراطورية الإسلامية.

لكن هل هذه مرحلة نهائية عند عبده؟ أي هل نظّر للانتقال إلى مرحلة الخلافة العادلة والوقوف عندها دون تأهيل الشعب للمشاركة في الحكم؟ والجواب أنه كان يعتبرها مرحلة انتقالية للوصول إلى الحكم الدستوري الكامل والشامل، من أسفل إلى أعلى، فقد كان فيما يبدو مشغولا كثيرا ومهموما بالطبقات الدنيا في المجتمع علميا واقتصاديا، ولذا طلب أن يستمر هذا النموذج من الحكم مدة خمس عشرة سنة حتى “يولد فيها الفكر الصالح، وينمو تحت رعاية الولي الصالح”.

يشير عبده إذن إلى “الولي الصالح”، فالمستبد الذي يقصده، كما قررنا، ليس مستبدا كالمستبدين المعروفين بطغيانهم وظلمهم وسفكهم الدماء. هذا المستبد يطالبه عبده بعملية إصلاح واسعة مدتها 15 سنة، ومن الإصلاح المنوط به أن يحشد حوله “جمهورا عظيما من أعوان الإصلاح، من صالحين كانوا ينتظرونه، وناشئين شبوا وهم ينظرونه”. بعد ذلك تأتي مرحلة منح الشعب حريته وتدريبه على الحكم النيابي، لكن من أسفل إلى أعلى لا العكس، فأول ما يكون ذلك “بتشكيل المجالس البلدية، ثم بعد سنين تأتي مجالس الإدارة، لا على أن تكون آلات تدار، بل على أن تكون مصادر للآراء والأفكار، ثم تتبعها بعد ذلك المجالس النيابية”.

فلم يكن عبده إذن يؤسس لاستبداد يظلم الناس، ويمارس العنف ضدهم، ويسفك دماءهم، ويستولي على أموالهم، بل كان يؤسس لاستبداد رشيد على غرار نظام الخلافة، أي مجرد تفرد بالحكم دون مشاورة الناس الأميين الذين ظُلموا جراء ما تعرضوا له من تجهيل وسخرة وجور من الاستبداد السياسي العنيف، دون مشاورتهم في الأعمال الصالحة التي سترفع من شأنهم (بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح باعتباره مثاليا غير قابل للتطبيق)، ويكون ذلك كالمرحلة الانتقالية التي يصل فيها الشعب إلى مرحلة النضوج العلمي والسياسي والتربوي، ثم الانتقال بعدها إلى مرحلة الدستورية الشاملة.

المستبد الذي يقصده محمد عبده هو المتفرد الذي يمسك بزمام السلطة ويبدأ مرحلة انتقالية نحو الدستورية والحياة البرلمانية (المصدر: ملكية عامة)

ومما يؤكد هذا المعنى مقالة مهمة نشرها عبده في “الوقائع المصرية” في ديسمبر/كانون الأول 1881 بعنوان “في الشورى والاستبداد”، يدافع فيها عن نفسه بخصوص ما فهمه بعضهم من دفاعه عن الاستبداد ودعوته إليه، فهو يصرّح تصريحا لا لبس فيه بأن ظاهر كلامه عن المستبد ليس مقصودا، فيقول: “ليس المقصود من تلك العبارات ما تدل عليه ظواهرها التي أوقعت في أوهام كثير من مطالعيها خلاف ما عليه شرعنا”.

ثم جلّى رأيه في الاستبداد، وبيّن أن ظاهر كلامه ليس مرادا، فقسّمه قسمين قائلا: “إن الاستبداد يقال على معنيين: أحدهما: تصرف الواحد في الكل، على وجه الإطلاق في الإرادة، إن شاء وافق الشرع والقانون، وإن شاء خالفهما. فيكون اتباع النظام مفوضا إليه وحده..، وهو الاستبداد المطلق. وثانيهما: استقلال الحاكم في تنفيذ القانون المرسوم والشرع المسنون، بعد التحقق من موافقتهما على قدر الإمكان”.

وأطلق عبده على النوع الأول الاستبداد المطلق، لكنه جعل إطلاق الاستبداد على النوع الثاني ضربا من التساهل، إذ “إنما يسمّى في عرف السياسيين: توحيد السلطة المنفذة”. ثم شن غارة على الاستبداد المطلق، مستعملا نصوص الشريعة ومقاصدها، فمن تتبع “الشريعة الغراء ونصوصها الواضحة، ووقف على حكمة تنزيل الكتب السماوية وتدوين الأحاديث النبوية يرى أن الاستبداد المطلق ممنوع منابَذ، لحكمة الله في تشريع الشرائع، ومعاند كل المعاندة لصريح الآيات الشريفة والأحاديث الصحيحة الآمرة باتباع أحكام الكتاب العزيز، والأخذ بالسنة الراشدة، وخرق لإجماع السلف الصالح من المؤمنين”.

أما النوع الثاني فهو في نظر عبده ليس استبدادا، لأن صاحبه “يكون مقيدا بالمرسوم محصورا في دائرة المشروع، بحيث لا يجوز له الخروج عنها ولا تجاوز حدها”.

لكنه يقرّ بأن لفظ المستبد ينصرف في العرف إلى النوع الأول، فإذا أُطلق انصرف ذهن الناس إلى “من يفعل ما يشاء غير مسؤول، ويحكم بما يرسم به هواه، وافق الشرع أو خالفه، ناسب السنة أو نابذها”.

ويلتمس العذر للناس في بغض هذا النوع من الاستبداد “لعظم مصابهم منه، وكثرة ما جلب على الأمم والشعوب من الأضرار. وحق لهم النفور والاشمئزاز، إذ لم ينالوا من جرائه إلا وبالا، ولم يلقوا من أحكامه إلا نكالا، بل شاهدوا النفوس تذهب فيه ظلما، وتؤكل فيه الأموال أكلا، وتسفك الدماء زورا، وتدمر البلاد تدميرا، فلا تثريب عليهم إذ كرهوا سوقه في سياق مدح، ولو مرادا به غير ما عرفوه”.

وهنا يُحسب لمحمد عبده أنه ليس كبعض المشايخ الذين يرفضون النقد والاستدراك عليهم، بل يرحب به ويوجهه ويلتمس للناقدين أعذارهم، فيقول “فلا تثريب عليهم إذ كرهوا سوقه في سياق المدح”.

محمد عبده جعل مهمة تقويم الحاكم إلى الناس والعلماء والجماعة البشرية، وليس إلى الشرع والقانون فقط (المصدر: ملكية عامة)

لكن الأهم هنا أن عبده كان واقعيا وعمليا، فلم يقل مثل غيره من المشايخ إن الحكومة مقيدة بالقرآن والسنة، بل ذهب إلى أنها مقيدة بالسنة والقانون، لأن “نصوص الشريعة لا تقيد الحاكم بنفسها، فإنها ليست إلا عبارة عن معاني أحكام مرسومة في أذهان أرباب الشريعة وعلمائها، أو مدلولا عليها بنقوش مرقومة في الكتب. ولا يكفي في تقيد الحاكم بها مجرد علمه بأصولها، بل لا بد في ذلك من وجود أناس يتحققون بمعانيها، ويظهرون بمظاهرها، فيقوّمونه عند انحرافه عنها، ويحضّونه على ملازمتها، ويحثونه على السير في طريقها”.

فقد جعل عبده مهمة تقويم الحاكم إلى الناس والعلماء والجماعة البشرية، وليس إلى الشرع والقانون فقط باعتبارهما نصوصا مسطورة لا تقدر وحدها على تقويمه وتهذيب سلوكه.

وهنا لمحة يجب أن يُشار إليها في هذا السياق، وهي أن لفظة الاستبداد استُعملت في التراث الإسلامي كثيرا بمعنى التفرد، على نحو ما استعملها عبده، ولا يلزم منها الظلم والفحش الإداري، فإمام الحرمين الجويني يستعمل لفظ “الاستبداد” في كتابه “الغياثي” بمعنى التفرد، فيقول في موضع: “فأما إذا استناب الإمام في حياته نائبا، وفوض إلى نظره تنفيذ الأمور الناجزة، نُظر: فإن سلم إليه مقاليد الأمور كلها وجعله يستقل وينفذ، ويقضي ويمضي، ويعقد ويحل، ويولي ويعزل، وهو في أموره كلها لا يطالع الإمام ولا يراجعه، بل ينفرد ويستبد، فهذا غير سائغ”. ويقول في موضع آخر: “فإن قيل: هذا المرشد للاستبداد متوحد بالأمور”.

وفي موضع ثالث، وهو الأهم، يقول: “فلو اشتمل الزمان على طائفة صالحين للإمامة فاستولى واحد منهم على البلاد والعباد، على قضية الاستبداد، من غير اختيار وعقد، وكان المستظهِر بحيث لو صادفه عقد مختار لانعقدت له الإمامة، فهذا القسم قد يعسر تصوره”.

وهذا النص الأخير للجويني قريب مما يقرره محمد عبده، فثمة مستبد صالح للإمامة، “على قضية الاستبداد”، أي التفرد دون اختيار أو مشاورة، لكنه في الوقت نفسه تتوفر فيه شروط الإمامة وأهليتها، بحيث لو جرى اختيار وانتخاب لكان هو المنتخَب والمختار.

إذن هذا هو المستبد الذي عناه عبده تحديدا هنا، فيما يبدو لي، ذلك أن عبده لم يدعم استبدادا يظلم الناس ويمارس العنف ضدهم ويستولي على أموالهم. وربما هي نظرية قريبة من “الاستبداد المستنير” التي روّج لها بعضهم في الغرب في القرن الثامن عشر، مع التأكيد أن عبده تراجع عنها، وساقها في سياق محدد، وظل مكافحا عن الدستورية وتقييد سلطة الحاكم طيلة حياته، وهو ما كلّفه الكثير.

لم يكن عبده يؤسس لاستبداد يظلم الناس ويمارس العنف ضدهم، بل كان يؤسس لاستبداد رشيد على غرار نظام الخلافة (الجزيرة)

خاتمة، لا يمكن في التحقيق العلمي القول إن محمد عبده قال بنظرية المستبد العادل، بمعنى أن تكون نظرية خالصة له يُعرف بها ويُشهر وإليه تُنسب، كنسبة نظرية “الملك الفيلسوف” إلى أفلاطون، أو “السيادة المطلقة” إلى هوبز، أو مفهوم الاستبداد المستنير، لأن عبده إذا كتب مقالة واحدة عن المستبد العادل ثم بيّن أنه يقصد مستبدا بعينه “صالحا لا يُظلم عنده أحد”، فإنه كتب عشرات المقولات في الدستورية ونقد الطغيان، بل وصل به الأمر إلى التخطيط، مع شيخه الأفغاني، لاغتيال الخديوي إسماعيل، ولم يرجع عن هذا الرأي حتى قبيل موته، حين كتب مبررا ذلك بخيانة إسماعيل، وبأن قتله كان سيحوّل مصر إلى بلد برلماني دستوري أو حتى إلى جمهورية، كما أخبر صديقه بلنت.

وخلاصة القول إن مقولات عبده وأفعاله كانت جميعها ضد الاستبداد المطلق، وقد هوجم في حياته من أجل ذلك، وساءت علاقته بالقصر بسبب موقفه من استبداد الخديوي، ومن ثم يمكن فهم مقولته في الاستبداد في هذا السياق.

Exit mobile version